FINANCIAL TIMES

البرازيل .. ريو في قبضة الجريمة المنظمة

عندما كان مراهقا، لعب إيفان دا سيلفا مارتينز دور أحد أفراد عصابة في فيلم مشهور حول الجريمة في أحد الأحياء الفقيرة في ريو دي جانيرو. بعد مضي 15، تحاكي حياة مارتينز الذي يحتمي داخل منزل آمن في واحد من أحياء المدينة المجاورة لسفح التل، من قبل شبان يحملون بنادق شبه آلية من نوع إيه آر 15، أكثر أنواع الفنون وحشية.
مارتينز الذي يعرف في وسائل الإعلام المحلية باسم "إيفانزينهو" أو "إيفان الرهيب"، مطلوب من الشرطة على خلفية جريمة قتل ضابط خلال تبادل لإطلاق النار الشهر الماضي في فيديجال، أحد الأحياء الهادئة عادة المطل على منطقة ليبلون الراقية في ريو.
مارتينز الذي يقول "إنه كان يخشى أن يتم إعدامه من قبل قوات الشرطة"، سلم نفسه إلى السلطات بعد ثلاثة أيام من تحدثه إلى "فاينانشيال تايمز"، مصرا على أنه بريء. يشتكي قائلا "هذا اختلاق، وتلاعب"، مضيفا أن "الشرطة تصورت خطأ أنه المسؤول عن عصابة المخدرات في فيديجال".
الضابط القتيل كان آخر ضحايا موجة جديدة من العنف تجتاح ريو، الأمر الذي أرغم الحكومة الاتحادية - بعد مضي عام واحد بالضبط على استضافة المدينة لدورة الألعاب الأولمبية الأولى في أمريكا الجنوبية ـ على إرسال قرابة عشرة آلاف جندي لحراسة الشوارع والشواطئ.
كان الهدف من تنظيم دورة الألعاب الأولمبية عام 2016 في المدينة المحاطة بجمال طبيعي خلاب، هو استعراض الإنجازات التي تحققت في البرازيل. لكن الواقع بعد انتهاء الألعاب على العكس من لذلك. أصبحت ريو دي جانيرو التي تعاني فسادا واقتصادا متعثرا وارتفاعا في معدل الجرائم العنيفة، الرمز الأكثر إثارة للدهشة بشأن كل شيء خاطئ يحصل في أكبر بلد في أمريكا اللاتينية.
تعاني البرازيل التي تتسم بوجود اقتصاد ناشئ كان يحتل مراتب عالية في الماضي، أسوأ ركود في التاريخ. فقد عملت فضيحة فساد مرتكزة على "بتروبراس"، شركة النفط المملوكة للدولة التي يوجد مقرها في ريو، على تورط كثير من النخب السياسية، بمن في ذلك الرئيس ميشال تامر، الذي نجا من تصويت جرى في الكونجرس أخيرا حول ما إذا كان يتعين تقديمه لمحاكمة جنائية أم لا. وكان قد تم من قبل سجن محافظ سابق لمدينة ريو، سيرجيو كابرال، نتيجة للفضيحة التي تهدد الحياة الوظيفية لعشرات رجال السياسة الآخرين في الدولة.
وعصفت الأزمة الاقتصادية في البلاد بميزانيات الحكومة، مع تعرض ريو لضربة أكثر إيلاما مما تعرضت له معظم المدن - اضطرت حكومة الولاية إلى إعلان حالة الطوارئ المالية العام الماضي وتواجه عجزا كبيرا في الموازنة في مستشفياتها ومدارسها. وأوجد الشلل السياسي الذي تولد بسبب فضائح الفساد فراغا تحاول العصابات الإجرامية سده بسرعة. يعمل العنف على تصلب المواقف العامة تجاه القانون والنظام، بحسب ما يقول محللون، ويفتح المجال في الانتخابات التي ستجري العام المقبل أمام مرشحي اليمين المتطرف الشعبويين الذين يحظون منذ الآن ببعض الجاذبية في ريو.
ارتفع عدد جرائم القتل في ولاية ريو 10 في المائة في الأشهر الستة الأولى من العام ليصل إلى 2723 جريمة، في الوقت الذي ارتفع فيه عدد الوفيات خلال المواجهات مع قوات الشرطة 45 في المائة، وفقا لسلطات الأمن في الولاية. وعلى الرغم من أن العدد لا يزال أقل مقارنة بريو في التسعينيات، إلا أن معدل الجريمة آخذ في الارتفاع بشكل سريع. الرصاصات الطائشة التي تنتج عن تبادل إطلاق النار ما بين الشرطة والعصابات - التي تعرف باسم بالاس بيرديداس - تقتل أبرياء أكثر من أي وقت مضى. في أحد الحوادث التي وقعت أخيرا، تعرضت أم حامل لإحدى الرصاصات، ما أدي إلى قتل جنينها الذي لم يولد بعد. في اشتباك آخر، قتل بواب بقنبلة يدوية بالقرب من كوباكابانا.

وفيات الشرطة
إحدى النتائج المترتبة على ذلك هي أن ريو أصبحت واحدة من أخطر الأماكن في العالم بالنسبة إلى ضابط الشرطة، مع مقتل 91 رجل شرطة حتى الآن هذا العام، وفقا لتعداد أجرته وسائل إعلام المحلية. بالمقارنة، قتل 23 ضابط شرطة في حوادث مرتبطة باستخدام الأسلحة النارية في الأشهر الستة الأولى من هذا العام في جميع أنحاء الولايات المتحدة. وبحسب دراسة أجرتها الشرطة العسكرية في الولاية، التي تعرف باسم الشرطة العادية، من المرجح أن يتعرض ضابط الشرطة في ريو للقتل أثناء تأدية الواجب أكثر من احتمال تعرض الضابط الأمريكي لذلك في الحرب العالمية الثانية أو حرب فيتنام.
يقول روبرت موجا، مدير البحوث في معهد إيجارابي في ريو، وهو مؤسسة فكرية تبحث في القضايا الأمنية "قطاع الأمن العام يعاني قصورا حادا ومزمنا في التمويل، كما يعاني من قيادة ضعيفة نوعا ما ويتسم رجال الشرطة بمعنويات متدنية جدا في الوقت الراهن".
قبل ثماني سنوات فقط كانت الصورة مختلفة تماما، عندما فازت ريو بحق استضافة دورة الألعاب الأولمبية لعام 2016. بعينين مليئتين بالدموع قال الرئيس الأسبق، لويز إناسيو لولا دا سيلفا الذي حكم البلاد من عام 2003 إلى عام 2010 "اعترف العالم بأن الوقت قد حان للبرازيل".
كان يحكم ولاية ريو دي جانيرو سيرجيو كابرال، رجل السياسة الوسطي الشعبوي آنذاك، الذي أصبح حليفا مقربا من لولا دا سيلفا. إحدى أبرز مبادراته كانت إدخال الخفارة في المجتمع، التي تسمى وحدات التهدئة الشرطية "يو بي بي إس" في بعض الأحياء الفقيرة في المدينة.
لفترة من الوقت بدا أن الوجود واسع النطاق للشرطة عمل على الحد من النزاعات المسلحة. لكن الوعود بإلحاق ذلك باستثمارات عامة أكبر في الأحياء الفقيرة ذهبت أدراج الرياح. واشتبه الناشطون في المجال الاجتماعي بأن برنامج وحدات التهدئة الشرطية كان يهدف إلى إغلاق الأحياء الفقيرة أثناء فترة استضافة البلاد بطولة كأس العالم عام 2014 ودورة الألعاب الأولمبية - والسماح لكابرال بالفوز في إعادة الانتخابات.
تقول سيسيليا أوليفيرا، وهي باحثة في شؤون العنف، منحدرة من ريو وتدير تطبيق فوجو كروزادو الذي يقدم معلومات حقيقية حول عمليات تبادل إطلاق النار "دائما ما أقول إن وحدات التهدئة كانت تقدم بالضبط ما كان مطلوبا منها - تأمين عملية انتخاب سيرجيو كابرال".
بدأت حظوظ ريو بالتحول مع نهاية دورة السلع الأساسية الفائقة بعد عام 2011. تراجع الإنفاق العام الكبير الذي كان قد قدم الدعم للولا دا سيلفا، زعيم حزب العمال آنذاك وحلفائه، بمن فيهم كابرال في ريو. مع وقوع الاقتصاد في حالة من الركود وتزايد فضائح الفساد، أقيلت ديلما روسيف، خليفة لولا دا سيلفا المنتخبة، في العام الماضي ليحل مكانها نائب الرئيس، تامر، الذي بدأ في خفض الإنفاق.
بالنسبة لريو، بدأ التراجع بعد دورة الألعاب الأولمبية مباشرة، عندما تم سحب البرنامج الأمني الضخم المنظم لهذه الألعاب. وبدأت عمليات تبادل إطلاق النار في الارتفاع. واتهم كابرال بالفساد وأودع السجن. وتُرِكت الولاية فيما يشبه حالة الإفلاس، من دون أموال لقطاع التعليم والصحة خصوصا الأمن.
يقول السكرتير الثاني للقيادة والسيطرة في وزارة أمن الولاية في ريو، رودريجو ألفيس "نحن نواجه أزمة مالية لم يسبق لها مثيل في الولاية". فقد تم تقليص ميزانية الأمن أكثر من النصف، مقارنة بعام 2013. وما تبقى يجري إنفاقه على رواتب أفراد الشرطة.
ولا تزال مستويات العنف من العصابات حتى الآن أقل بكثير من الذروة التي وصلت إليها في أوائل التسعينيات، لكن توالي الأزمات أدى إلى تباكي المدينة على الفرصة الضائعة في العقد الماضي. تقولة أوليفيرا "لقد أصبحنا في الواقع أكثر ازدهارا بلدا ومدينة في السنوات الأخيرة. لكننا فوتنا فرصة بناء سياسات عامة قوية".

العنف الوحشي
تظهر هذه الإخفاقات في سيدادي دي ديوس، المنطقة مترامية الأطراف ذات الدخل المنخفض في الضواحي الغربية من مدينة ريو، التي استند إليها الفيلم الذي يحمل الاسم نفسه. يقول أطباء العيادات الصحية في المناطق المجاورة "إن عدد الإصابات بسبب الطلقات النارية ارتفع 95 في المائة في النصف الأول من هذا العام. وقتل الكثير من الضحايا بسبب إصابتهم برصاصات طائشة".
أصبح الاقتتال الداخلي بين العصابات أكثر شراسة. يعرض طبيب صورا لرجل وقع ضحية للميليشيات - عصابات ابتزاز يقول الباحثون إنها تتشكل بشكل أساسي من ضباط الشرطة المتقاعدين، أو الذين هم خارج وقت الدوام الرسمي والذين يعملون في بعض المناطق الأكثر فقرا في ريو. وقد حاولوا قطع يده بساطور، إلا أنهم فشلوا في المحاولة الأولى، بحسب ما يقول الطبيب، ما أدى إلى التسبب في جرح بليغ في الجزء العلوي من ذراعه، قبل النجاح في المرة الثانية.
إحدى النساء في العيادة، أندريا بيريرا دا سيلفا، تعرض الندوب التي تسببت فيها رصاصة بندقية في قدمها اليسرى، ومن ثم خرجت من الجانب الآخر، ومزقت قدمها اليمنى عندما علقت في تبادل لإطلاق النار في وقت سابق من هذا العام. تقول "كنت قد وصلت إلى باب منزل والدي لأعد له طعام الغداء. وكانت هناك عملية للشرطة، مع تبادل لإطلاق النار، وبعدها لم أشعر إلا وأنا على الأرض".
في مكتب الشرطة المحلي، أو وحدة التهدئة، هناك ثقب رصاصة في أحد الأبواب الزجاجية للمكتب. يقول أحد الضباط، مشيرا إلى المناطق المجاورة المحيطة "كلما تجولنا هنا، يبدأون في إطلاق النار". ويضيف أن "نصف سيارات الدوريات معطلة بسبب التخفيضات في الميزانية".
يقول خوسيه بيريرا دي أوليفيرا جونيور، مؤسس "أفروريجاي"، مجموعة ثقافية تعمل في الأحياء الفقيرة بهدف إعادة تأهيل أفراد العصابات "هناك مزيد من تبادل إطلاق النار لأن هناك غيابا للسيطرة، هذه دولة فاشلة. في أي بلد في العالم يُقتل ضابط شرطة واحد كل يومين؟ في أي مدينة؟ فقط ريو".
يلقي بعض المحللين وسكان الأحياء الفقيرة باللوم على فساد رجال الشرطة في هذا العنف المتزايد، في الوقت الذي يقول فيه آخرون "إن الأزمة الاقتصادية ترغم تجار المخدرات على القتال من أجل الحصول على حصة السوق". يقول أحد الأشخاص المطلعين على تجارة المخدرات "إن التجار أخبروه بأنهم يبيعون كمية أقل من الكوكايين بنسبة 60 في المائة بسبب الركود".
وازداد أيضا عنف العصابات بسبب نزاع بين اثنتين من الفئات الإجرامية المسيطرة في البرازيل – "بريميرو كوماندو دا كابيتال" في ساو باولو و"كوماندو فيرميلهو"، الموجودة في ريو، بحسب ما يقول محللون. ويُلقى باللوم على الخلاف في التسبب في أعمال شغب مروعة في البلاد هذا العام أسفرت عن مقتل 130 شخصا.
يقول ألفيس من سكرتارية أمن الدولة في ريو "إن الحكومة تحاول اتخاذ إجراءات صارمة ضد واردات الأسلحة غير المشروعة. وقد تم اعتراض بعضها على حدود البلاد، وعلى الطرق السريعة المؤدية إلى ريو وفي المطارات الدولية، وتم ضبط بنادق هجومية أخيرا في رحلة جوية قادمة من ميامي.
ويعمل توافر هذه الأسلحة على نطاق أوسع، على تشجيع العصابات على مهاجمة أهداف أكبر. وقد قفزت عمليات سرقة القطارات والشاحنات والقوارب 150 في المائة على مدى السنوات الثلاث الماضية"، وفقا لـ "إجارابي"، المؤسسة الفكرية.
يقول ألفيس "يشعر المجرم بأنه أكثر شجاعة عندما يحمل سلاح حرب مثل البندقية الهجومية". كما يلزم أيضا تشديد القوانين للسماح للمشتبه فيهم في جرائم العنف أن يتم احتجازهم لفترة زمنية أطول - أكثر من 60 في المائة يجري إطلاق سراحهم في غضون 24 ساعة، بحسب ما يقول.

شهادات متناقضة
في المنزل الآمن في الحي الفقير الذي يتخذ منه مارتينز ملجأ له، يقول أحد أصدقائه، البالغ من العمر 29 عاما الذي يستخدم رشاش كلاشينكوف ومسدسا مجهزا لإطلاق رشقات مثل المدفع الرشاش، "إنه شارك في تبادل لإطلاق النار أسفر عنه مقتل ضابط الشرطة".
وسبق أن تمت إدانة مارتينز بجرائم سرقة وهو يعترف بأنه تاجَر في المخدرات، لكنه لم يعد متورطا في أي جريمة الآن، كما يقول. وتذكر الشرطة في بيان لها أنه من المشتبه فيهم في حادثة إطلاق النار في فيديجال وفي الاتجار في المخدرات. لكن عضو العصابة يقول "إن مارتينز بريء من جريمة قتل الشرطي. حتى إنه ليس من الواضح بعد ما إذا كان قد قتل من قبل العصابة أو بسبب نيران صديقة". ويضيف الرجل قائلا، رافضا ذكر اسمه "حتى إن صديقي مارتينز لم يكن هناك، وذكرت الشرطة اسمه أمام وسائل الإعلام فقط لأنه ظهر ذات مرة عبر التلفاز".
ويلقي الرجل باللوم على رجال الشرطة الفاسدين الذين يسعون إلى سرقة المخدرات وابتزاز المال من العصابات ويحملهم المسؤولية عن تصاعد أعمال العنف. وتنفي الشرطة هذه الادعاءات، قائلة "إن وحدات التهدئة في فيديجال لم تتلق أي شكاوى تتعلق بتصرفات موظفيها".
ويشعر صديق مارتنيز بالغضب إزاء المثال السيئ الذي يقدمه رجال السياسة الفاسدين لأطفاله. ويقول "كيف ستمضي البرازيل قدما إذا كان الرئيس الذي تولى السلطة متورطا في الفساد؟ فأنت تقوم باستبدال القذر بالفاسد".
ويقول "إن الأمر الوحيد المؤكد هو أنه لن يكون هناك استسلام للشرطة. إذا وصلت الشرطة إلى هنا وهي مليئة بالخبث، ووصلوا إلى هنا يبحثون عني ليجعلوا أمي تبكي على مصرعي، فسأجعل أمهاتهم يبكين أولا".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES