FINANCIAL TIMES

الميزانية الأمريكية تعود إلى مركز اهتمام مستثمري السندات

الارتفاع الذي لا يمكن إيقافه في الدين الوطني الأمريكي والذي نراه بالأرقام على ساعة معلقة في وسط مانهاتن، تم نصبها أول مرة في عام 1989 من قِبل قُطب العقارات سيمور دورست، سيتسارع قريباً بشكل حاد مرة أخرى.
انخفض عجز الميزانية الأمريكية تدريجياً منذ الأزمة المالية، بفضل الانتعاش الاقتصادي وكبح الحكومة للإنفاق منذ مأزق الميزانية عام 2011. لكنه بدأ يتسع مرة أخرى هذا العام، ويتوقع "جولدمان ساكس" أن سصل إلى تريليون دولار بحلول عام 2020. هذا سيكون أكثر من ضعف العجز البالغ 439 مليار دولار في عام 2015.
إلى جانب خطط الاحتياطي الفيدرالي للبدء في تقليص ميزانيته العمومية، ما يُخرِج من السوق تدريجيا واحدا من أكبر مُشتري السندات الحكومية الأمريكية، هذا يتحدى خطط الاقتراض لوزارة الخزانة الأمريكية. ويثير أيضاً أسئلة مُلحّة حول كيف سيؤثر ذلك في سوق السندات الأوسع في الوقت الذي تبقى فيه عائدات السندات الحكومية الأمريكية منخفضة تاريخياً.
يقول ديفيد آدر، كبير خبراء الاستراتيجية الكلية في إنفورما فاينانشيال إنتيليجانت: "نحن نشهد تحسّناً ثابتاً في العجز منذ عام 2009، لكن التوقعات الآن هي أنه سيزيد بشكل عجيب. مزيد من إصدار السندات ينبغي أن يعني أسعارا أقل وعائدات أعلى".
اللجنة الاستشارية للاقتراض في سندات الخزانة، وهي ناد صغير من المصارف والمجموعات الاستثمارية التي تُقدم المشورة للحكومة الأمريكية بشأن الطريقة المثالية لتمويل نفسها، ناقشت بشكل مطول التأثير المحتمل الناتج عن تقليص الميزانية العمومية للاحتياطي الفيدرالي في اجتماعه الأخير في بداية آب (أغسطس).
مع ملاحظة أن الحجم الدقيق للنقص في التمويل غير واضح - أعلن الاحتياطي الفيدرالي عن السرعة التي سيتم بها تقليص عملية إعادة استثمار السندات المُستحقة، لكنه يبقى غامضاً بشأن التوقيت الدقيق وإلى أي مدى سيكون حجم ميزانيته العمومية - حذّرت اللجنة الاستشارية للاقتراض أنه قد يكون له تأثير لا يستهان به.
جيسون كومينز، كبير خبراء الاقتصاد الأمريكي في "بريفان هوارد" ورئيس اللجنة الاستشارية، كتب رسالة إلى وزير الخزانة، ستيفين منوشين، جاء فيها "بالنظر إلى الحجم المحتمل لفجوة التمويل"، يوصي أعضاء اللجنة "بقوة" أن تدعم الحكومة الأمريكية الإصدار في كل من الأوراق المالية على الأجل القصير والسندات على الأجل الطويل.
طريقة استجابة وزارة الخزانة بالضبط لاحتياجات الاقتراض المتضخمة يُمكن أن يكون لها تأثير كبير في الأجزاء المختلفة من سوق السندات. تقول تيفاني وايلدينج، خبيرة الاقتصاد الأمريكي في شركة بيمكو: "إنه السؤال الرئيسي".
جورج جونكالفس، كبير خبراء استراتيجية أسعار الفائدة الأمريكية في شركة نومورا، يوصي بأن تبدأ وزارة الخزانة بزيادة جميع مزادات السندات في جميع أنحاء البلاد في وقت مبكر يمكن أن يكون تشرين الثاني (نوفمبر) للسماح "بتكيّف تدريجي وسلس مع مرور الوقت". لكن العلامات الأولية هي أنها قد تتجه أكثر نحو إصدار أكبر للسندات ذات الاستحقاق الأطول، التي من الناحية النظرية ينبغي أن ترفع عائدات السندات ذات الأجل الطويل.
لطالما كان منوشين حريصاً على الاستفادة من تكاليف الاقتراض المنخفضة من الحكومة الأمريكية لإصدار سندات الخزانة الأمريكية ذات الاستحقاق الأطول - ربما إصدار سندات مُستحقة بعد 50 أو حتى 100 عام. في حين أن اللجنة مُتشككة في الطلب على السندات "الطويلة جداً"، إلا أن كومينز يُشير إلى أنه كان هناك اتفاق بالإجماع أن متوسط استحقاق سندات الحكومة الأمريكية "ينبغي أن يبقى بالمدة نفسها تقريباً أو يزيد في المستقبل".
هذه كانت مسألة حيوية لبعض الوقت. متوسط ترجيح استحقاق مخزون سندات الخزانة الأمريكية يبلغ أقل من ستة أعوام بقليل، وهو من بين أدنى المعدلات في العالم المتقدم. إصدار السندات ذات الاستحقاق الأطول من شأنه تخفيض فجوة الاستحقاق لسوق الخزانة ونظرائها الدوليين.
في البداية، من المرجح أن تميل الخزانة إلى مجرد بيع مزيد من الأوراق المالية، وهو أمر أسهل ويُساعد على تلبية الطلب الصحي من صناديق سوق المال التي لا تزال تحاول استيعاب التغييرات التنظيمية التي دفعت الكثيرين للتحوّل إلى امتلاك السندات الحكومية. مع مرور الوقت، النقص الناتج عن خروج الاحتياطي الفيدرالي التدريجي من سوق سندات الخزانة ستملؤه أيضاً السندات، وذلك وفقاً لمونيك رولينز، مُساعد وزير الخزانة بالنيابة للأسواق المالية.
تقديرات تأثير السوق تختلف. تتوقع وايلدينج أنه سيكون على سوق السندات خلال الأعوام الثلاثة إلى الأربعة المُقبلة استيعاب 700 مليار دولار من سندات الخزانة الأمريكية التي كانت موجودة على الميزانية العمومية للاحتياطي الفيدرالي. ومع زيادة تناسبية في إصدار سندات الحكومة الأمريكية عبر آجال "فترات الاستحقاق"، فإن العائد الإضافي الذي يُدفع لأصحاب السندات ذات الاستحقاق الأطول سيُمثُل عدم اليقين حول كيف ستتصرف أسعار الفائدة على مدى فترة السندات - ستزيد بنحو 40 نقطة أساس.
لكن المفاجأة الكُبرى يُمكن أن تكون أن ارتفاع احتياجات التمويل الأمريكي قد لا يزيد في الواقع تكاليف الاقتراض. عبء السندات الحكومية في اليابان تضاعف إلى أكثر من 230 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، حتى في الوقت الذي سجّلت فيه عائدات سنداتها القياسية مستويات منخفضة.
في حين أن هناك كثيرا من العوامل التي تؤدي إلى تخفيض العائدات التي من الصعب تفكيكها، إلا أن الدليل على أن العجز الأعلى يؤدي إلى عائدات سندات أعلى يعد دليلا مضطربا في أحسن الأحوال - على الأقل بالنسبة للبلدان المتقدمة التي تقترض بعملاتها.
علاوة على ذلك، الطلب الدولي على سندات الخزانة الأمريكية يبقى قوياً. مثلا، بعد التراجع بشكل حاد في عام 2016، انتعشت مُلكية سندات الحكومة الأمريكية في الصين وزادت وفقاً لبيانات وزارة الخزانة، أكثر من 50 مليار دولار بين كانون الثاني (يناير) وأيار (مايو). ومع انخفاض العائدات في أنحاء العالم كافة، تبقى سندات الحكومة الأمريكية استثمارا جذابا.
يقول آدر: "المنطق الذي يقول إن العائدات يجب أن ترتفع منطق غريزي، لكن من الناحية العملية لا نرى ذلك. أنا أميل للاعتقاد أن العائدات ستستمر في البقاء ضمن هذا النطاق لفترة طويلة، حتى إن شهدنا عجزاً أعلى (...) نحن لسنا أبشع كلب في عرض الكلاب".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES