برنامج التوازن المالي هل أثره سلبي في الأسعار مطلقا؟

|
برنامج التوازن المالي هو أحد البرامج التي انطلقت مع بداية إعلان "رؤية المملكة 2030"، وهو متسق مع برنامج "التحول الوطني" حيث إن برنامج "التوازن المالي" سيكتمل في عام 2020، وهو البرنامج الذي يسعي إلى تحقيق الاستدامة والترشيد في استهلاك الموارد، وأن يتم توزيع الدعم بناء على الأولويات، حيث يتم توجيه الدعم للفئات المستحقة من المواطنين بدلا من أن يتوجه الدعم إلى الفئات غير المستحقة سواء كان من المواطنين أصحاب الدخول العالية أو القطاع التجاري أو القوى العاملة الأجنبية غير المستهدفة بالدعم، وما إن بدأ تطبيق أحد هذه البرامج إلا وأصبح هناك نوع من الشعور لدى المواطنين باحتمال ارتفاع الأسعار بصورة كبيرة قبل تطبيق هذا البرنامج بصورته الكاملة، وشيوع مثل هذا الانطباع قد يكون له أثر سلبي في تفاعل المواطن مع الخطط الحكومية بما قد ينعكس بشكل أو آخر سلبيا على الهدف الذي من أجله تم إحداث مثل هذه البرامج، وقد أصبح أكثر من يروج لمثل هذا الانطباع بعض مؤسسات القطاع الخاص وبعض القوى العاملة الأجنبية زعما منهم أنهم سيقتطعون هذه الزيادة من دخل المواطن، وهذا الأمر غير صحيح على إطلاقه. إذ إن التغير في الأسعار له مجموعة من الأسباب قد تكون التكلفة التشغيلية هي أحد الأسباب لذلك، لكن لا بد أن نعلم أن هناك مجموعة من الأسباب المهمة، التي قد يكون لها أثر أكبر من التكلفة التشغيلية، فعلى سبيل المثال نجد أنه في الفترة قبل عام 2015 كانت الأسعار لكثير من السلع والخدمات في ارتفاع ملحوظ رغم أن أسعار الطاقة لم يتم رفعها بعد، وأصبح الانطباع العام أن الأسعار ستكون دائما في ارتفاع رغم الدعم الحكومي لتخفيض بعض أسعار الطاقة ودعم بعض السلع الأساسية، لكن ذلك لم يكبح جماح الأسعار. واليوم رغم أنه تم رفع أسعار الطاقة قبل أقل من عامين إلا أن الأسعار شهدت استقرارا بل انخفاضا في كثير منها، وليس ذلك في أسعار المواد الغذائية بل أسعار مواد البناء التي تعتبر أكثر السلع تأثرا بتكلفة الطاقة التي انخفضت أسعار بعضها بشكل ملحوظ وبنسب متفاوتة، ولذلك لا بد أن ندرك أن هناك مجموعة من العوامل التي أثرت فعليا في السوق في المملكة، أبرزها القوة الشرائية في السوق ليس للمواطن فقط بل حتى للقوى العاملة الأجنبية، التي أدت إلى الضغط على أسعار السلع والخدمات والإيجارات والعقار وغيرها، وما إن تغيرت المعادلة إلا وشهدت الأسعار في السوق نوعا من الاستقرار أو الانخفاض، وتقارير مؤسسة النقد وهيئة الإحصاءات العامة تشير إلى أن احتمال التضخم السلبي في المستقبل القريب أكبر من احتمال التضخم الإيجابي. أما فيما يتعلق بالقوى العاملة الأجنبية فلا بد أن نعلم أن كثيرا من هذه القوى العاملة التي تعمل بشكل غير نظامي في أنشطة لا تتبع كفلاءهم يدفعون أضعاف ما يتوقع أن يدفعوه لبرنامج التوازن المالي لكفلائهم، بغرض تجديد إقاماتهم والتستر عليهم للعمل في أنشطة تجارية خاصة بهم، وهذا لا يمكن أن يستمر في ظل الأنظمة الجديدة التي تسهل من عملية انتقال كفالة القوى العاملة، واضطرار كثير منهم إلى العمل بشكل نظامي لدى مؤسسات مملوكة لمواطنين. في الجهة الأخرى سيكون لهذا البرنامج أثر إيجابي كبير للمواطن حيث يمكن توظيف عدد أكبر من المواطنين والمواطنات بما يحسن من دخل الأسرة بشكل عام، كما سيفتح المجال بصورة أكبر لتحول كثير من الأنشطة التجارية إلى مواطنين، إضافة إلى أن مثل هذا الإجراء سيكون له أثر إيجابي من جهة تحفيز الشركات والقطاع الخاص بصورة عامة إلى زيادة كفاءة إداراتها، وأن تعتمد على القوى العاملة الوطنية الأكفأ من القوى العاملة الأجنبية الموجودة حاليا، التي تفتقر إلى المهارة وأقل من القوى العاملة الوطنية تعليما في الغالب، والاعتماد على الكفاءات يزيد في الإنتاجية ويخفض من التكلفة. لا بد أن نعلم أن الإجراءات الحكومية التي تسعى إلى استقطاب الاستثمارات الأجنبية والسماح للمستثمر الأجنبي بممارسة نشاطه التجاري بملكية تامة سيكون له أثر إيجابي في الأسعار باعتبار أن المنافسة في السوق ستكون عالية، كما أن القطاع الخاص سيكون أكثر كفاءة. فالخلاصة إن الإجراءات الحكومية لتحقيق التوازن المالي لا تعني بالضرورة الارتفاع في الأسعار أو أن المواطن سيدفع فاتورة ذلك كما تروج له بعض القوى العاملة الأجنبية وبعض رجال الأعمال، إذ إن الأسعار تتأثر بعوامل متعددة، ولو كان ما يروج له صحيحا لما شهدنا تضخما سلبيا في الوقت الحالي بعد رفع أسعار الطاقة، علما بأن أسعار كثير من السلع اليوم هي أقل منها مقارنة بعام 2014.
إنشرها