أنا "VIP"

|
خلال فترة تدريبي في كندا (فانكوفر)، تم استدعائي لغرفة الإسعاف لمعاينة مريض (طال انتظاره) بدأت آخذ منه تاريخ المرض، من خلال حديثي معه علمت أنه أحد أثرياء كندا وهو الذي تبرع بأحد المباني الحديثة المتخصصة التابعة للمستشفى. عند اكتشافي لهذا الخبر المهم (بالنسبة لي) اعتذرت منه لانتظاره الطويل، وهرولت للتحدث مع الاستشاري المناوب (وكان من حكماء كندا وقد استفدت منه العلم والتعامل) وبدأت باسم المريض ومساهمته في دعم المستشفى وتفانيه في عمل الخير، وتضايق الاستشاري وقال اخبرني عن حالته الصحية والتشخيص والعلاج ودع الأشياء الشخصية! جانبا. واستغربت أنه لم يتفاعل معي لهذا الخبر (الحصري) الذي رأيت أنه يهم إدارة المستشفى وتوقعت منه أن يهرول معي إليه للتعرف والتقرب وتكوين (علاقات) مع هذا الذي سبق ان قدم دعما للمستشفى. إلا أنه أعطاني الخطة العلاجية ... وانصرف. وكان هذا درسا تربويا لمتدرب مثلي. (وعرفت احد أسرار نجاح تلك الشعوب). قارنت ذلك الموقف وما حدث لي حين عودتي لبلدي و في أحد مستشفياتنا حيث ارتفع صوت مريضة وهي تقول للممرضة ما تعرفين أنني "VIP"؟ وكانت الممرضة تحاول تطلب منها الانتظار وهي ترفض وتصر على الدخول على الطبيب (دون انتظار) وجاء مندوب العلاقات العامة لفض النزاع واكَتشف أن زوج (المدام) تم ترقيته إلى رتبة جديدة (تؤهله أن يكون مع VIP) قبل أسبوع فقط !! لم تنتظر أختنا الفاضلة عدة أيام إلا وبدأت تستخدم هذا المصطلح (الاستفزازي أحياناً) وتهدد به وتعتقد كونها "VIP" أنه هذا جواز للتجاوز . أنا مع اعطاء كل انسان منزلته الاجتماعية ولكن أيضا مع اعطاء كل ذي حق حقه (وعدم الظلم). وللأسف البعض استغل مكانته الاجتماعية في هضم حقوق الآخرين. ولإعطاء المرضى منزلتهم الاجتماعية (وهذا حق) بعض المستشفيات انشاءت أقسام بروتوكول وأيضا عيادات "VIP" غالبا يديرها طبيب عام حسن التعامل وأحيانا قد لا يكون المستوى العلمي لهذا الطبيب هو الأهم. لأنه غالبا هو طبيب عام يتميز بمهارات شخصية يستطيع تقديم خدمات سريعة إدارية وطبية يمتص فيها غضب بعض المرضى. وصدقوني أنه أحيانا يكون المريض الضعيف البسيط مخدوم صحيا أفضل لأنه يدخل المستشفى ويتبع بالمنظومة الصحية الصحيحة بالتدرج بالاختصاص والتحويل. أما الآخر فقد يتأخر تشخيصه الحقيقي وتحويله للاستشاري الصحيح بسبب محاولة هذا الطبيب العام تبييض وجهه أمام الـ "VIP" وبالتالي يتأخر تحويل المريض للاستشاري المختص وقد يكون استفحل مرضه. أتمنى إذا دخل المريض المستشفى أن يكون اهتمامه بصحته أكثر من الوجاهة الاجتماعية. وأن لا يكون همه موقف سيارته واستقبال البروتوكول والغرفة الخاصة وقد يستغل مرضه لإشباع نقص اجتماعي معين ويستمتع باستقبال وتوديع الزوار وقد يحرم مريض محتاج لهذا السرير ) وأخيرا تذكروا أن ضعف المريض هو سر قوته لأن العناية الإلهية هي التي ترعاه.
إنشرها