استراتيجيات «أمن الطاقة» .. ومصلحة المنطقة

|
كيف نحكم على الأهمية الاستراتيجية لمنطقة ما أو دولة ما؟ في الحقيقة هناك عدة معايير، بيد أن المعيار الرئيس في العلاقات الدولية يركز على اتباع منهجية بناء السيناريوات. والدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة في النادر ما تتخذ مواقف استراتيجية دون الاستناد إلى السيناريوات المتاحة. والسيناريو (مفرد سيناريوات) يقترب في مفهومه أو تركيبه من الطريقة التي نبني فيها النظريات والفرضيات العلمية. وكي أبسط الأمر، آتي بمثال يحاكي ما تكون عليه الفرضية العلمية. فمثلا نقول: "لو ازداد عدد الأجانب في البلد بنسبة 10 في المائة، لأدى ذلك إلى انخفاض الواردات بالعملة الصعبة بنسبة 30 في المائة". الفرضية هذه مجرد مثال، بيد أن الفرضية العلمية الرصينة يجب البرهنة عليها أو دحضها من خلال معطيات وقرائن وبيانات تقدم أدلة واضحة على أن الفرضية صحيحة أم لا. في السيناريو، يحدث تقريبا الشيء نفسه. السيناريوات في الغالب يعدها أساتذة مختصون في مراكز الأبحاث لأصحاب الشأن قبل اتخاذ قرارات استراتيجية. وأفضل ما يفعله واضع السيناريو لصاحب الشأن هو تقديم وصف شاف للتبعات الإيجابية والسلبية لما سيحدث لو أقدم صاحب الشأن على اتخاذ قرار محدد أو حاول التدخل في مسار الأحداث. بمعنى آخر، السيناريو يحدد طبيعة العلاقة بين الأطراف المنخرطة في الحدث وتبعات الحدث لو ترك دون تدخل، وتبعات الحدث لو جرى التدخل فيه. وهذا يفسر مثلا لماذا تترك بعض الأحداث دون تدخل رغم هول المأساة الإنسانية التي تنتج عنها. لا بل أحيانا يتم تسعيرها لأن السيناريو المعد لها يفترض تحقيق الأغراض الاستراتيجية بعدم إطفاء نيرانها. ولكن إن كانت هناك مصلحة استراتيجية في أن يضع الحدث أوزاره بسرعة، يتم اللجوء إلى السبل الدبلوماسية وغيرها لإطفاء سعير نيران الحدث. والعالم ومناطقه ودوله ليسوا ذوي قيمة استراتيجية واحدة بالنسبة للدول الكبيرة أو العظمى وعلى الخصوص الدولة الأعظم في العالم ألا وهي الولايات المتحدة. والدول العظمى في عالم اليوم تعمل بذكاء ومنطق مع برجماتية واقعية ومن ثم تبحث عن السيناريو الذي يجعل من تدخلها في الأحداث أو المناطق أو الدول ممكنا. فهذه الدول تغزو دولا ممكن غزوها وتقصف بطائرات مسيرة مناطق ودولا لا تمتلك أدوات إسقاط هذه الطائرات. وتترك الأزمات تستفحل في دول ومناطق لا تؤثر في استراتيجياتها وتهرع إلى إطفاء النيران ووضع الأمور في نصابها في المناطق والدول التي لها تأثير مباشر في أمنها واستراتيجياتها. عندما تترك الدول هذه ومعها الدولة الأعظم في العالم الأحداث والأزمات تتفاقم، معناه أنها لم تعد تكترث للأحداث والأزمات هذه. ونستنتج من ذلك أن المناطق والدول التي تعصف بها هذه الأزمات لم تعد ذات أهمية كبيرة لهذه الدول. أظن قد يتفق معي كثير من القراء أن منطقة الشرق الأوسط لم تعد تثير الاهتمام كالسابق وبدأت تفقد بريقها الاستراتيجي والسبب أعزوه إلى أن السيناريوات الموضوعة تقدم فرضيات أساسها أن كثرة المشاكل والفوضى فيها هي من أفضل السبل لتحقيق الغايات الاستراتيجية. قد لا نحتاج إلى كثير من الفطنة لنعرف الأزمات التي تعانيها منطقة الشرق الأوسط، حيث تتبخر بعض الدول أمام أعيننا والعالم واقف يتفرج. لقد صار من مصلحة الدول الكبرى أن تعم الفوضى منطقة الشرق الأوسط، وأن يكون أصحاب هذه المنطقة هم مشغلوها ووقودها. وواحد من الأسباب، في رأيي، هو أن المنطقة لم تعد تشكل البعد الأمني للطاقة للدول الغربية بعد أن دخلت الولايات المتحدة معترك إنتاج وتصدير الطاقة. وبعد أن بدأت الولايات المتحدة ترمي عبء الاتكال على الشرق الأوسط كمورد للطاقة عن كاهلها، لا يهمها كثيرا أن تقاذف المنطقة الأمواج والعواصف. الشرق الأوسط في طريقه إلى أن يصبح مصدرا آمنا واستراتيجيا للطاقة بالنسبة للصين التي هي ند لأمريكا. أمن الطاقة والدول المنتجة له في هذه المنطقة كانت على رأس الأولويات بالنسبة للولايات المتحدة في العقود الثمانية الماضية. اليوم لدينا سيناريو مختلف. ليس من مصلحة أمريكا أن تكون المنطقة آمنة كي تلبي بسلاسة عطش الصين إلى الطاقة. وإن علمنا أن ظمأ الصين للطاقة قد لا يمكن إرواؤه خارج نطاق الشرق الأوسط والخليج بصورة خاصة، لربما صار جليا لدينا البعد الاستراتيجي الجديد للمنطقة.
إنشرها