المعهد العقاري السعودي

|
أغلب المجتمع يتذمر اليوم من حال السوق العقارية، وضعف احترافية ومهنية العاملين فيها، وكل من تعامل في السوق العقارية قد صادف الوسطاء العقاريين مثلا خلال مشوار بحثه عن قطعة أرض يبني عليها منزل أحلامه أو بيت يسكنه براحة مع عائلته أو منزل يستأجره حتى يتيسر له الشراء، وكل هؤلاء بلا شك سمعوا معلومات أو بيانات لا يستطيعون تأكيد صحتها، أو قد يكون بعضهم تعرض للخداع، لكن لا يجد الجهة التي تستقبل شكواه، والبعض الآخر يشتكي أن المكاتب العقارية متخمة بالوافدين غير المحترفين والذين لا يعرفون بتاتا أسس التعامل باحترافية وأخلاقيات المهنة للوساطة العقارية، وكلنا متوجسون من شراء شقة نمتلكها لأننا لا نعلم من الذي سيضمن لنا أن الجيران سيراعون حق الجوار وأن المرافق المشتركة ستكون على مستوى مقبول من النظافة وأن الصيانة الدورية ستكون متوافرة لكيلا تتهالك العمارة بعد بضع سنين، وبلا شك الأغلب متخوف من أن يشتري منزلا ويكتشف بعد أشهر أنه غير صالح للاستخدام البشري لأنه معرض للسقوط في أي وقت بسبب الغش في البناء، ولذا جاءت مبادرة المعهد العقاري السعودي اليوم لتسد هذا الفراغ وتحاول أن ترفع مستوى العاملين في السوق العقارية، ولا شك أن أول خطوة لرفع مستوى الاحترافية وترسيخ المهنية هي وجود القاعدة المعرفية والأكاديمية، كما أوضح ذلك بينيون في كتابه "أخلاقيات المحترف". ولذلك فبناء الكفاءات وتطوير العقول وطريقة تفكيرها وتشجيع العقلية النقدية وفقا لمناهج علمية سليمة هي إحدى أهم الخطوات في تقدم الأمم، والناظر إلى حال الأمم المتقدمة يجد أن ترسيخ بيئة تعليمية وبحثية متطورة وقابلة للنقد والتجديد هي أحد أسباب التقدم الرئيسة، ولا شك أن دور الحكومات والمنظومة الرسمية في ترسيخ مبدأ التعليم وتطوير اقتصاد المعرفة يعد أساسيا حتى تقوم قائمة المفكرين والعاملين على أسس علمية متينة لتبث الوعي والمعرفة والمعلومة الصحيحة للمجتمع. وسوقنا العقارية مع ضخامة حجمها الذي تقدر قيمته بقرابة ستة تريليونات ريال، وتشكل سوق الإسكان منه ما يزيد على 65 في المائة ما زالت ضعيفة من حيث المعرفة والمهنية، وحتى الآن لم تكرس لها الجهود المعرفية والبحثية الكافية لتساند القرار الرسمي وترسم سياسات الإسكان وفقا لتحليل واقعي لوضع المجتمع ومتطلباته وحاجته من السوق العقارية بشقيها السكني والتجاري. وها هو المعهد العقاري السعودي نحسب أنه يحاول إنارة شمعة المعرفة والتدريب المهني الاحترافي في المجال العقاري من خلال شراكاته المتعددة على المستويين المحلي والعالمي، فبدءا من الشراكات الأكاديمية كجامعة كامبريدج والمعهد المتخصص بالاستدامة وجامعة سنغافورة الوطنية، مرورا بالشراكات المهنية في مجال إدارة المرافق والمجمعات السكنية وفحص المباني، وانتهاء بالشراكات مع الجهات التي نأمل أنها ستوفر بيئة لريادة الأعمال مثل هيئة المنشآت الصغيرة والمتوسطة وبرنامج هدف لدعم الموارد البشرية، وذلك بتقديم التعويضات المالية عن الشهادات المهنية، والمؤسسة العامة للتدريب المهني والتعليم الفني، لتأكيد تدريب الشباب على هذه المهن ورفع جودة المواد المقدمة فيها، كل هذا من المفترض أن يقضي على أغلب ضعف المعرفة والاحترافية في السوق العقارية، ويعزز ثقة المتعاملين فيها أن الكوادر البشرية التي تقدم الخدمات في المجال العقاري لديها الحد الأدنى من التأهيل المعرفي والتدريب المهني وأخلاقيات المهنة التي تساعدها على القيام بواجبها. الخلاصة، وفقا لتوقعات المعهد العقاري السعودي أن السوق تستوعب 40 ألف وظيفة في مجال المهن العقارية خلال السنوات الخمس المقبلة، لنقل إنها 20 ألف وظيفة ممكن أن ينخرط فيها شبابنا في مجال مهم وحيوي مثل المجال العقاري، لكن يبقى بعد التدريب والتأهيل المعرفي دور مهم للجهات الرقابية مثل وزارة العمل والجهات المرخصة لمزاولة المهن مثل وزارة التجارة، أن تعمل على التأكد من أن العاملين في السوق هم من المؤهلين في هذه المجالات وأن يتم توطين هذه الوظائف في حال وجود العدد الكافي من أبناء الوطن القادرين على إنجاز المهام العقارية بشكل احترافي. والحقيقة أن تجربتي المتواضعة في المجال العقاري أوضحت لي أن هناك مجالا واسعا لأبناء الوطن وفرصا مميزة في هذه السوق لمن أراد التطور والتقدم والاحترافية، ولذلك أنصح الشباب أن يفكروا في هذا القطاع الحيوي والمستدام، وأن يطوروا من قدراتهم بأخذ الدورات المهنية والتعليم المتوافق مع متطلبات السوق العقارية ففيها الخير الكثير. أما رجال الأعمال والمستثمرون في قطاع العقار فنصيحتي لهم أن يدعموا شباب الوطن وأن يفتحوا لهم المجال وأن يدعموا رغبتهم في التعلم عن طريق تحفيزهم وتشجيعهم على الحصول على الدورات والتعليم المهني الذي يمثل قيمة مضافة للحاصل على العلم، وكذلك للمنشأة التي سترتفع إنتاجيتها وتزدهر أعمالها بازدهار عقول من يعمل فيها ويديرها.
إنشرها