مبادئ الحوكمة في القطاع الحكومي السعودي «2»

|
قلت في المقال السابق إن المسؤولين في الحكومة في المملكة غير معنيين بتطبيق الحوكمة، ليس من باب عدم القناعة بأهميتها، بل لأن الحوكمة بطبيعتها تفرض وتولد وسائل ضغط كبيرة على المسؤول الحكومي من أجل دفعه نحو تبني مصلحة المجتمع بشكل عام، وتبني اتجاهات قد لا يكون هو بالضرورة على قناعة بها. هذه الضغوط الكبيرة لا يريدها أي مسؤول، ولهذا فإنه لن يطبق طوعا أي أداة من أدوات الحوكمة وأولياتها طالما تتسبب في مثل هذه الضغوط. لكن النظرية التي بنيت عليها مبادئ الحوكمة وتفسر قبولها وتطبيقها في دول أخرى لا تنطبق علينا في المملكة (أي النظرية)، إلا إذا، وإذا فقط، تم تبني قضية تعريض أو انكشاف الثقة بالوزير أو المسؤول من قبل مجلس الشورى، أو أي جهاز يمثل المجتمع أو يمثل أصحاب المصلحة على تنوعهم، على ألا يكون – وهذا شرط آخر - تحت سيطرة فئة أو نخبة أو طبقة. وللانسجام مع نظام الحكم السعودي فإن مسألة سحب الثقة أو إحالة الوزير أو المسؤول للمساءلة تبقى في يد الملك. إذا تم قبول هذه المسألة كشرط لازم للحوكمة فإنه يمكن مناقشة مبادئ الحكومة أو حتى وضع قواعد وآليات لها في القطاع الحكومي السعودي، أما إذا كنا نريد تبني مبادئ عامة ومنا من يريد وضع قواعد وآليات للحوكمة وهناك من يسعى بعيدا إلى إدارة متخصصة لها في الجهات الحكومية، وذلك دون التزام بالشرط الذي ذكرت، فإن ما نقوم به هو محض كلمات على ورق لن تساوي قيمة الحبر الذي طبعت به. ليس في هذا تجنٍ على من يعملون اليوم على صياغة قواعد للحوكمة في القطاع العام لدينا، لكن البحث العلمي في المملكة على تنوعه لم يستطع أن يثبت تطبيقا مقبولا فضلا عن صحيح لبعض آليات الحوكمة السهلة، مثل إدارة المراجعة الداخلية، والممارسات في القطاع الحكومي وبعد سنوات طويلة من فرض المراجعة الداخلية لم تزل خجولة جدا ولا يمكن أن تجد تبريرها حتى في مقال مثل هذا، على أن صياغة عوائق التطبيق لا تكفيها كتب ومذكرات، بل حتى رسائل علمية، لا ينبئك مثل خبير، فكيف بمبادئ أكثر عمقا مثل الشفافية والمساءلة، وإدارة المخاطر، والمشاركة الواسعة في القرار، وغير ذلك ما سوف أتعرض له لاحقا. كيف يمكن أن نجبر – كمتلازمة للعمل الحكومي – الوزير والمسؤول على تطبيق طوعي واختياري لمبادئ الحوكمة، إلا إذا كان بقاؤه في منصبه مرهونا بإثبات نزاهته وأنه يعمل لمصلحة المجتمع وهذا لن يتم إثباته بجدارة إلا بتقديم دليل لا يدحض وهو التبني الشامل للحوكمة. وفي وضع مثل هذا يمكن القول بأن للوزير مصلحة شخصية مباشرة في الحوكمة لأنها دليل نزاهته وتجديد الثقة به من قبل المجتمع، ودون تطبيقها فإنه سيظل محل شك وتتردد الثقة به. هناك عديد من الخيارات العالمية تمثل أطرا مقبولة للحوكمة، لكنني هنا اختار المبادئ التي طورها الاتحاد الدولي للمحاسبين التي جاء فيها أن وظيفة الحوكمة الجيدة هي ضمان أن الجهة الحكومية تعمل لمصلحة عموم المستفيدين من خدماتها وذلك في جميع الأوقات. وهذه المصلحة العامة تتطلب: أ- التزام قوي بالنزاهة والقيم الأخلاقية، وسيادة القانون؛ وب- الانفتاح والمشاركة الشاملة لأصحاب المصلحة. وإضافة إلى متطلبات العمل من أجل المصلحة العامة المشار إليها في (أ) و(ب)، فإن تحقيق الحوكمة الجيدة في الجهة الحكومية يتطلب أيضا: ج- تعريف النتائج من حيث الفوائد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية المستدامة؛ د- تحديد التدخلات اللازمة لتحسين تحقيق النتائج المرجوة. هـ - تنمية قدرات الجهة الحكومية، بما في ذلك قدرة القيادة والأفراد فيها؛ و- إدارة المخاطر والأداء من خلال رقابة داخلية فاعلة وإدارة المالية العامة بشكل قوي، ز- تطبيق الممارسات الجيدة في مجال الشفافية وإعداد التقارير لتقديم مساءلة فعالة. لقد عرف الإطار الدولي للحوكمة في القطاع العام المصلحة العامة بأنها الفوائد الصافية للمجتمع، والصرامة الإجرائية المستخدمة باسمه المتعلقة بأي إجراء. وعلى هذا فإن الفساد هو العمل عكس المصلحة العامة أو العمل باسم المجتمع بخلاف مصلحته (مهما كانت مبررات ذلك)، وحتى لو ظهر ذلك في تطوير إجراءات ولوائح، على أن هذه اللوائح وإن أظهرت تمسكا بالنظام فإنها إذا أضرت بالمصلحة العامة تمثل فسادا خطيرا، وفي أجواء القبول في الجامعات هذه الأيام نتلمس ألوان الفساد من خلال استمرار الجامعات في تبني لوائح باسم الصرامة في القبول على أننا ندرك جميعا حجم الضرر على المصلحة العامة وهناك من الأمثلة ما لا يحصى، ومع ذلك فإن مثل تلك الإجراءات لا تعد فسادا ولا يحاسب عليها مسؤول على الرغم من حجم الضرر الذي أصابنا ذلك أنه لا أطر حوكمة تم أخذها في الاعتبار لتفسير الفساد عند الخروج عنها. وإذا كانت هذه هي الحال فكيف نحارب فسادا لا ندرك ما هو؟ وإذا كنت أضع الجامعات كمثال هنا فإن المبدأ (ب) يتطلب الانفتاح والمشاركة الشاملة لأصحاب المصلحة وتوفير قنوات موثوق بها من الاتصالات والمشاورات بشكل فعال مع المواطنين والأفراد ومستخدمي الخدمة، وكذلك الجهات المؤسسية لأصحاب المصلحة. هنا يأتي الالتزام بمبادئ الحوكمة كدليل على أن الجامعة تعمل من أجل المصلحة العامة في جميع الأوقات، ذلك أنها ستحافظ على ثقة الجمهور، وهذا يتطلب منها أن تكون منفتحة قدر الإمكان على كل قراراتها، وإجراءاتها وخططها واستخدام الموارد، وحتى التنبؤات والمخرجات والنتائج. من الناحية المثالية، ينبغي أن يكون هذا التزاما موثقا من خلال سياسة رسمية بشأن انفتاح المعلومات. وينبغي أن يوفر مجلس الجامعة تسبيبا واضحا لقراراته، والأساس المنطقي، والاعتبارات التي تستند إليها القرارات، وحول تأثير النتائج المترتبة على تلك القرارات. كما تصر مبادئ الحوكمة على أن يكفل مجلس الجامعة وضع سياسة واضحة بشأن أنواع القضايا التي سيتم استشارة أو إشراك المستخدمين والجمهور فيها لضمان أن الخدمات المقدمة (أو التدخلات الأخرى) تسهم في تحقيق النتائج المرجوة. ويجب أن تأخذ أيضا في الاعتبار مصلحة الأجيال المقبلة من مستخدمي الخدمة (المساواة بين الأجيال)، مع ما يتطلبه ذلك من الاشتراك الشامل مع الجهات المؤسسية لأصحاب المصلحة.
إنشرها