البحر الأحمر .. بيئة استثنائية ومشروع استثنائي

|
لا يشك أحد بأن البحر الأحمر من أثمن الثروات التي نملكها، والتي لم نستغلها بعد كما ينبغي. وهو يفوق حتى النفط في بعض السمات حيث إن بعض عناصره غير قابلة للنضوب والآخر مفتوح للابتكار والاستغلال بطرق متنوعة وجديدة. الحديث هنا لا يقتصر فقط على القيمة الجيوسياسية للشريان الأكبر في قلب العالم، ولا البعد التاريخي والثقافي الموغل في القدم، ولا الثروات الطبيعية القابلة للاستغلال، بل على تنوع لا حصر له من الموارد الطبيعية والأخرى التي لا تزال قابلة للاكتشاف. في ترقية عملية للحلول التنموية التي نراها تأتي متتابعة ومنسقة، يأتي مشروع البحر الأحمر في الوقت المناسب. لم تكن الوجهة السياحية لاقتصادنا المستقبلي غائبة منذ البداية، ولكنها اليوم أكثر جدية من أي وقت مضى. ولهذا جاء الإعلان عن تقديم جزر الشمال الرائعة بصورة عصرية ننافس بها خارجيا لتقوية مواردنا داخليا. لا يخلو الأمر من تحديات، ولكننا نملك قدرا طيبا من التجارب المحلية الناجحة والأخرى السلبية، إضافة إلى ما يمكن مشاهدته من تجارب في الدول المجاورة ودول عالمية أخرى ما يمكننا من التخطيط بعناية والتنفيذ بجدية بإذن الله. لن يكون تشكيل البنية التحتية اللازمة في مشروع البحر الأحمر أكثر صعوبة من بناء مدينتي الجبيل وينبع أو مدينة وجامعة الملك عبدالله من الصفر، وفي جميعها رأينا البنايات مشيدة على شواطئ صلدة لم تحظ قبل ذلك بأي درجة من الخدمات والمميزات ولكنها اليوم تبهر الزوار القادمين من شتى أنحاء العالم. إذا ابتعدنا عن تحديات البناء المادي المقدور عليها، أود الإشارة إلى ثلاث نقاط جوهرية. الأولى أن هذا المشروع يمثل فرصة ثمينة للنضج السياحي. فهو يصنع منافسا محليا جديدا يقارع عديدا من الخيارات الأخرى، وسيصبح المرجع أو مصدر المقارنة الأول بها. وهذا تهديد إيجابي نأمل منه أن يحسن من مستوى الخدمات المعروضة في كل ما يتعلق بالسياحة الداخلية وبالطبع حفظ الثروات عندما نتحدث عن السياحة الخارجية. لم تعد السياحة أمرا جديدا علينا وقد تتطلب أكثر مما يعتقده البعض. على سبيل المثال، لن يحتمل مشروع البحر الأحمر تدنى مستوى الخريجين مثلا، فالمؤهل المتميز هو الوحيد الجدير بالعمل في استثمار من هذا النوع. وهكذا، سيقع كل من يسهم في دورة السياحة لدينا في اختبار مشروع البحر الأحمر، سواء كان يصدر الخريجين للعمل في السياحة الدينية والمنتجعات الجبلية أو يورد منتجاته لمجموعة من الفنادق. إذا كانت الشركات تعتمد على السمعة، والبيع قائم على الثقة، فالسياحة لا تقوم إلا بالسمعة والثقة مع مزيج من الراحة والاطمئنان. لهذا يبحث السائح عن وسائل التنقل والمكوث الأفضل حسب تفضيلاته الشخصية، بالطبع بعد أن يكون قد حدد المنتج السياحي الأساس الذي يرغب في الحصول عليه، وهو في مشروع البحر الأحمر منتجعات متكاملة على شواطئ استثنائية. النقطة الثانية تتعلق بقدرتنا كبشر على إحداث التغيير السريع. يشكك البعض دائما في قدرة فريق معين أو سكان منطقة على التحول ثقافيا واجتماعيا تحسينا لحياتهم. لا يتذكر مثل هؤلاء أننا - معظم سكان المملكة الحاليين والجيل السابق لهم – مررنا بكثير من هذه التحولات السريعة. سأستحضر مثالا بعيدا بعض الشيء ولكنه يحوز كثيرا من الشبه بمشروع البحر الأحمر، على الأقل من الناحيتين الطبيعية والبيئية. قبل بضعة عقود عاش سكان جزر المالديف تحت خط الفقر، واليوم تحسن دخلهم بمراحل بعد أن نجحوا في إعادة تقديم الأرخبيل بشكل ومستوى يطمح إلى التمتع به أغنى سكان الأرض. رافق هذا تغييرات جذرية في مستوى التعليم وتطور المهارات وتقبلهم للغير وتغييرهم للمهن. يستطيع من يود التعرف على مزيد من طريقة إدارتهم لتحديات اليوم الاطلاع على تقارير البنك الدولي بهذا الخصوص. ثالثا، قد لا تظهر للجميع الجهود البيئية المبذولة من المملكة وبإدارة أكثر من جهة للحفاظ على البحر الأحمر كمورد مهم وحساس للجميع. ولكن يظل البحر الأحمر يعاني ضعفا شديدا في مناطق بينما ينتشي بحيوية مهملة في أخرى. وهذا من عدم الاتزان الخطير العواقب، فهذا البحر في نهاية اليوم كيان طبيعي واحد، يتأثر بكثير من العوامل المتشابهة والمتكررة، جيولوجيا ومناخيا. وهذا يعني أن المرض في أحد أعضائه سينتقل إلى بقية الأعضاء إذا لم يعالج بالطريقة المناسبة وفي الوقت المناسب. وكما أشار إعلان المشروع فالبيئة أمر لا يستوجب القلق، استدامتها أولوية والحفاظ عليها أهمية قصوى. ولكن ما يستحق التوقف هنا هو عملية التفاعل مع بقية المناطق التي لا تخص المشروع. فكيف تحمى السلاحف في أملج ويعبث بها في شواطئ أخرى، أو ربما نرى شرطة للبيئة في جزر الوجه وتغيب عن جزر أخرى؟ لهذا، أتمنى أن يدشن اليوم برنامج موحد مؤثر للحفاظ على البحر الأحمر، استعدادا لوضع حجر الأساس في عام 2019 ودعما للجهود الحالية، وتوعية لمرتادي البحر اليوم، وتنويرا للجهات التي ترعاهم. مثل هذا البرنامج سيسعى بكل تأكيد للربط بين كل من يستهلك بعضا من هذا البحر، حماية لكل حياة تعتمد فيه على أخرى. وإذا حصل لفت الانتباه الكافي، لا يمنع أن يكون مشروع البحر الأحمر تذكرتنا لإضافة عديد من عناصره إلى مواقع التراث العالمي المسجلة في اليونيسكو، فحيد البحر الأحمر المرجاني لا يقل جمالا عن حيد أستراليا العظيم، أو جزر كاليدونيا، أو الـ 29 موقعا للشعاب المرجانية المسجلة باليونيسكو. بيئة البحر الأحمر بيئة غير استوائية ولكنها بصفات استوائية فريدة، هي رمز للتنوع ومخبأ للنوادر، استثنائية على مستوى العالم وكذلك ينبغي التعامل معها.
إنشرها