بحوث التسويق وعلاقتها بالبحث العلمي

|

بينت في مقال سابق أن هناك خلطا بين عدة مفاهيم في مجال التسويق، قد تستخدم بالمعنى نفسه، نتيجة التشابه الكبير فيما بينها. وأهم هذه المصطلحات ما يطلق عليه "بحوث التسويق"، فهناك خلط بين هذا المفهوم وبين البحوث الاستخباراتية، والبيانات الداخلية. وقد وضحت الفروق عن طريق عرض مكونات نظم المعلومات التسويقية، باعتبار بحوث التسويق جزءا من هذا النظام. فإذا فهم نظام معلومات التسويق بمكوناته اتضح مصطلح بحوث التسويق، واتضحت أيضا الفروق بينه وبين بقية مكونات النظام مثل البيانات الداخلية والبيانات الاستخباراتية.
وبقى أن نبين الفروق بين بحوث التسويق والبحث العلمي. فعلى الرغم من العدد الهائل من تعاريف بحوث التسويق التي تزخر بها أدبيات الأعمال، إلا أنه لوحظ أن هناك تباينا فيما بينها، كما لوحظ الخلط بين بحوث التسويق وبين البحث العلمي. وفي هذا المقال نريد أن نوضح ذلك.
يتكون البحث العلمي من كلمتين: الأولى البحث والثانية العلم. والبحث يعني التحري أو الاستقصاء أو السؤال والاستفسار عن شيء، أما العلم فيعني المعرفة الموثقة الشاملة حول موضوع محدد. ولكن ما الفرق بين العلم والمعرفة؟ ماذا يقصد بالعلم وماذا يقصد بالمعرفة؟ المعرفة هي الإدراك والوعي وفهم الحقائق عن طريق العقل المجرد، أو اكتساب المعلومة عن طريق فهم العقل للتجربة أو الخبر، أو من خلال التأمل في طبيعة الأشياء، أو من خلال الاطلاع على تجارب الآخرين وقراءة استنتاجاتهم. والمعرفة مرتبطة بالبديهة والبحث لاكتشاف المجهول وتطوير الذات وتطوير التقنيات. كما تعرف المعرفة أيضا بأنها: وصف لحالة أو عملية لبعض الجوانب الحياتية بالنسبة لأشخاص أو مجموعات مستعدة لها. فمثلا إذا كنت "أعرف" أنها ستمطر، فإنني سوف آخذ مظلتي معي عند الخروج.
إذا نظرنا إلى كلمة علم من حيث اشتقاقها اللغوي فسنجد أنها ترجمة للكلمة الإنجليزية science المشتقة من الكلمة اللاتينية scire؛ ومعناها أن يعرف. وكلمة علم في اللغة العربية تحمل معنيين مختلفين. المعنى الأول يرادف المعرفة؛ ومن ذلك قوله تعالى "وقل ربي زدني علما" أي زدني معرفة أيا كان ميدان هذه المعرفة. نحن نقول في حياتنا اليومية "لا علم لي بهذا الموضوع" أي لا أعرف عنه شيئا. والمعنى الثاني معنى ضيق هو الذي يرادف العلم التجريبي science على نحو ما يتمثل في عالم الفيزياء وعلم الكيمياء وغيرهما من العلوم، وهو ضرب من المعرفة المنظمة التي تستهدف الكشف عن أسرار الطبيعة بالوصول إلي القوانين التي تتحكم في مسارها.
إذا مفهوم المعرفة ليس مرادفا لمفهوم العلم. فالمعرفة أوسع حدودا ومدلولا وأكثر شمولا وامتدادا من العلم. والمعرفة في شمولها تتضمن معارف علمية ومعارف غير علمية، وتقوم التفرقة بين النوعين على أساس قواعد المنهج وأساليب التفكير التي تتبع في تحصيل المعارف. فإذا اتبع الباحث قواعد المنهج العلمي في التعرف على الأشياء والكشف عن الظواهر فإن المعرفة تصبح حينئذ معرفة علمية؛ وبناء على ذلك فإن العلم هو المعرفة الموثقة، والمعرفة أشمل من العلم لأنها قد تحتوي على علوم.
ويعرف البحث العلمي بأنه أسلوب منظم في جمع المعلومات الموثوقة، وتدوين الملاحظات، والتحليل الموضوعي لتلك المعلومات باتباع أساليب ومناهج علمية محددة بقصد التأكد من صحتها، أو تعديلها، أو إضافة الجديد لها، ومن ثم التوصل إلى بعض القوانين والنظريات والتنبؤ بحدوث مثل هذه الظواهر والتحكم في أسبابها. من هذا التعريف يتضح أن الطريقة المتبعة في البحث العلمي يجب أن تكون علمية وموضوعية، كما أن الهدف الأساس من البحث العلمي هو التحري عن حقيقة الأشياء، ويتعامل البحث العلمي مع القضايا الحياتية ويتم تعميم النتائج.
ولكن ما علاقة البحث العلمي ببحوث التسويق موضوع المقال؟ تأخذ بحوث التسويق جميع خصائص البحث العلمي وخطواته الرئيسة والفرعية من بداية المشكلة مرروا بالدراسات السابقة، فتحليل البيانات وانتهائها بكتابة التقرير. والفرق الجوهري بين البحث العلمي وبحوث التسويق يتمثل في أن هذه الأخيرة تطبق جميع مبادئ وخطوات البحث العلمي، ولكن يقتصر أداؤها على حل المشكلات التسويقية مثل انخفاض الأرباح لسلعة ما، أو عدم وجود تأثير للإعلان في حجم المبيعات.
وحتى تؤدي بحوث التسويق عملها وتصل إلى توصيات لحل المشكلات فإنها تقوم بمزيج من البحث المكتبي والبحث الميداني. البحوث المكتبية هي التي تعتمد على جمع البيانات الثانوية، أي تلك التي تم جمعها وتسجيلها من قبل باحثين آخرين وقد يكون تم نشرها والاستفادة منها. كما تشمل البيانات الثانوية جميع الدراسات التي تم إجراؤها من قبل سواء على شكل نظريات، أو نماذج، أو نتائج بحوث ميدانية. أما البحوث الميدانية فهي التي تعتمد على جمع بيانات لأول مرة، بمعنى أن يكون الباحث نفسه هو أول من قام بجمع هذه البيانات من خلال الملاحظة أو الاستقصاء ثم قام بالتحليل وتوصل إلى نتائج. ولهذا يطلق عليها البيانات الأولية، أي البيانات التي تم جمعها لأول مرة من الميدان بواسطة الاستقصاء أو الملاحظة أو أي وسيلة أخرى من وسائل جمع البيانات.

إنشرها