أخبار اقتصادية- عالمية

محللون دوليون لـ "الاقتصادية": الثقة تهتز بالاقتصاد الأمريكي.. الدولار في مأزق استثنائي

وصف محللون دوليون لـ "الاقتصادية" مسيرة العملة الأمريكية في 2017 بأنها تمر بضعف استثنائي ولا ينافسها في هذا الوهن سوى العملة البريطانية.
وأثارت تعليقات صندوق النقد الدولي بشأن تقديره للقيمة الحقيقية للدولار جدلا وبلبلة واسعة في أسوق العملات الدولية. فعندما يصرح كبار المسؤولين في أهم مؤسسة مالية في العالم، بأن قيمة الدولار الأمريكي مبالغ فيها بنسبة تراوح بين 10 و20 في المائة، مستندين في ذلك على تقييمهم لأساسيات الاقتصاد الأمريكي في الأجل القصير، فإنه لا يمكن اتهام تلك التقديرات بالانحياز ضد واشنطن، أو المبالغة وعدم الدقة، وإنما يجب تحليلها بدقة والتعامل معها باهتمام شديد.
وزاد من خطورة التصريحات أن الصندوق قيم خصوم الدولار من العملات الدولية مثل اليورو والين الياباني واليوان الصيني بأن قيمتهم متماشية تماما مع الأساسيات المالية بصفة عامة.
وفي الواقع فإن تصريحات الصندوق، أضفت صبغة رسمية على جدل تشهده الأسواق منذ بعض الوقت، بشأن وضع الدولار بين العملات الدولية والقيمة الحقيقية له.
ومع هذا فإن التباين بين المعلقين والخبراء والمصرفيين، بشأن تلك التصريحات تواصل، ولم يحسم حتى الآن بشأن مستقبل الدولار، وإلى أي مدى تصب تقديرات الصندوق في صالح الاقتصاد العالمي والأمريكي على وجه التحديد.
يعتقد المصرفي البريطاني جون لومونت أن تقديرات الصندوق صائبة تماما، وأنها ستعزز اتجاه الهبوط الذي ستشهده قيمة الدولار خلال الفترة المقبلة.
ويؤكد لـ"الاقتصادية"، أن هناك مجموعة من العوامل التي أسهمت في وصول الصندوق إلى تقديراته، تلك العوامل ستواصل العمل خلال الفترة المقبلة لخفض قيمة العملة الأمريكية، حيث إن المضاربين في سوق العملة كانوا تماما كنظرائهم من المضاربين في سوق الأسهم، من أشد السعداء بفوز الرئيس ترمب بالانتخابات الأمريكية، وفي شهر نوفمبر من العام الماضي وبفوز ترمب وصل الدولار إلى أعلى سعر صرف له منذ 2005، لكن منذ ذلك الحين تغير الوضع، فبينما واصلت سوق الأسهم ارتفاعها، لم يحدث ذلك للدولار.
وحول أسباب ذلك من وجهة نظره يقول إن أسواق الأسهم لم يقف تفاعلها على مدى التزام ترمب بتعهداته الانتخابية، وإنما اعتمدت على مدى تحقيق الشركات المسجلة في البورصة لأرباح ومعدلات تلك الأرباح، فالدولار على العكس من ذلك خسر نحو 8 في المائة من قوته لأنه راهن على التزام ترمب بتنفيذ تعهداته الانتخابية، سواء بإصلاح النظام الضريبي وهذا لم يحدث، أو إلغاء النظام الصحي للرئيس السابق والمعروف باسم "أوباما كير".
وأضاف "قد فشل في ذلك أيضا ولعوامل تعود إلى عدم مناصرة أعضاء في الحزب الجمهوري لمخططه، أضف إلى ذلك غياب أي خطوات متخذة بشأن إصلاح البنية التحتية التي تعهد ترمب بأنه سيخصص تريليون دولار لها، عدم الإيفاء بتلك التعهدات مثل هزة ثقة من قبل المضاربين في العملة، بأن طموحات ترمب كانت أكبر بكثير من قدرته في الواقع أو قدرته على تحقيقيها".
وتوقع أن تنخفض قيمة الدولار خلال الفترة المقبلة، والسبب فقدان المستثمرين والمضاربين الثقة في قدرة الاقتصاد الأمريكي، خاصة بعد التقرير الأخير لصندوق النقد بأن نمو الاقتصاد الأمريكي سيكون هذا العام والعام المقبل، أقل من المتوقع.
وجهة النظر تلك تجد دعما من بعض الخبراء الاستثمارين ومن بينهم الخبيرة الاستثمارية ويندي أليكسندر. وتعتقد ويندي أن وجهة نظر صندوق النقد بشأن الدولار ستجد ترحيبا شديدا من قبل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
وتوضح لـ"الاقتصادية" أن الوضع السياسي في الداخل الأمريكي يؤثر بشدة في قيمة الدولار، فالصراع المحتدم بين العاملين في البيت الأبيض، والتوتر المشوب بالحذر بين الرئيس وأعضاء حزبه الجمهوريين في الكونجرس، تؤثر في قيمة الدولار بالانخفاض، ومع انخفاض العملة الأمريكية فإن قدرة الاقتصاد الأمريكي على زيادة الصادرات ستكون أقوى، كما سينزع ذلك عن منافسيه سواء الاتحاد الأوروبي وتحديدا ألمانيا وبالطبع الصين واليابان التحجج بأن واشنطن تخفض سعر الدولار عمدا لزيادة حصتها من الصادرات العالمية وخفض نصيبها من الواردات الدولية، إذ إن أكبر مؤسسة مالية في العالم تشير إلى أن الدولار مقيم بأعلى من قيمته الحقيقية.
لكن هناك جوانب سلبية أخرى لخفض قيمة الدولار وهي فقدانه الجاذبية من حيث مدى الإقبال الدولي على شرائه، مقارنة بالعملات الدولية الأخرى، لكن الخبيرة الاستثمارية ويندي أليكسندر تعتقد أنه بمجرد إقدام البنك المركزي على رفع أسعار الفائدة المحلية فإن الإقبال على الدولار سيرتفع بشدة، وستتدفق الاستثمارات على الأسواق الأمريكية.
مع هذا لا يعدم الدولار أن يجد مدافعين عنه ومتفائلين بمستقبله. الدكتور جوف كودلي أستاذ التجارة الدولية يذكر أن معظم العوامل السلبية التي دفعت إلى انخفاض قيمة الدولار في الفترة الماضية عوامل تصلح للتحليل قصير الأجل وحسب، وإن الدولار سيعاود الصعود قريبا نظرا لعدم قدرة تلك العوامل على الاستمرار على الأمد الطويل.
ويشير لـ"الاقتصادية" إلى أنه خلال هذا العام كان الدولار ضعيفا بشكل استثنائي، ولا ينافسه في هذا الوضع الضعيف غير العملة البريطانية، التي تراجعت بشدة منذ صوت الناخب البريطاني لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، وحتى الآن فإن هناك ثلاثة عوامل أدت إلى انخفاض سعر صرف الدولار.
وتابع "أولها انتصار الحمائم في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وهذا التيار لا يزال يرى أنه من المبكر رفع سعر الفائدة، ولكن بمجرد رفعها كما هو متوقع خلال الأشهر المقبلة فإن المشهد برمته سيتغير، وسيفقد حديث صندوق النقد أي معنى له بأن العملة الأمريكية مقيمة بأعلى من قيمتها، والعامل الثاني وهو ما يركز عليه صندوق النقد في بناء وجهة نظره تجاه الدولار، فإنه يتمثل في أن الدولار يعد مرتفعا نسبيا مقارنة ببيانات الاقتصاد الأمريكي، ولكن تلك البيانات لن تواصل الانخفاض إلى أجل غير مسمى، وبمجرد إظهار قدر ضئيل من التحسن، فإن الاتجاه الصعودي سيكون هو الطريق الذي سيسلكه الطلب على الدولار، ومن ثم سعر صرفه مقارنة بالعملات الدولية الأخرى".
ويواصل الدكتور جوف كودلي الحديث قائلا " أما العامل الثالث فيتمثل في التأثير النفسي للتوقعات الاقتصادية على قيمة الدولار، فعلى الرغم من أن الرئيس الأمريكي لم يظهر حتى الآن موهبة إدارية، وهو ما يبدو جليا في سلسلة الفضائح المتتالية التي تصيب البيت الأبيض، وينجم عنها توليد عناوين سلبية في الإعلام ، فإنه بمجرد أن يبدأ الهمس بشأن استعداد إدارة ترمب لطرح خطته بشأن الإصلاح الضريبي أو تطوير البنية التحتية فإن المشهد الدولاري سيتغير تماما".
وفي ظل ذلك الصخب والتباين، بات التساؤل هل يظل الدولار مجالا ملائما للاستثمار تساءلا مشروعا. المحلل المالي في بورصة لندن مارك براش يؤكد لـ"الاقتصادية" أن سعر صرف الدولار كان منخفضا خلال الأشهر التسعة الماضية، ومع هذا يعتقد خبراء صندوق النقد بأن الدولار مقيم بأعلى من قيمته، وإذا كانت التجاذبات السياسية في الداخل الأمريكي لعبت دورا في خفض سعر صرف الدولار، فإنه حتى لو اتحد السياسيون الأمريكيون فإن الدولار سيواصل الانخفاض، والسبب ببساطة أن الاقتصاد الأمريكي كان الأفضل أداء منذ عام 2009 أي منذ بداية الأزمة الاقتصادية العالمية، وحتى أواخر العام الماضي، وهذا منح الدولار جاذبية عالمية وزاد الطلب عليه.
وأضاف "الوضع الآن مختلف فالاقتصادات الأخرى في البلدان المتقدمة تنمو بمعدلات أفضل من الاقتصاد الأمريكي، وفي الحقيقية ثلثا البلدان المتقدمة تنمو أسرع من الولايات المتحدة، ثانيا إن نمو تلك الاقتصادات جعل سندات الخزانة لديها أكثر جاذبية من نظيرتها الأمريكية، كما أن ملامح ارتفاع معدلات التضخم في الاقتصاد الأمريكي تلوح في الأفق، ما يجعل شراء الدولار غير مستحب".
ولكن إذا كان هذا هو الوضع فما أفضل القنوات الاستثمارية المتاحة حاليا؟ يعتقد مارك براش أن الاستثمار في السلع والمضاربة عليها في البورصات خيار إيجابي في الأشهر المتبقية من هذا العام.
ويشير إلى أن معدل العائد منها سيكون أعلى من الاستثمار في العملة الأمريكية. كما ينصح بمتابعة تطورات أسعار سندات الخزانة وأسعار الفائدة البنكية في عديد من الاقتصادات الناشئة، ويحبذ شراءهم الآن قبل أن يشهد الدولار مزيدا من الانخفاض بنهاية العام.
وبينما ينصح بالبعد عن سندات الخزانة الأمريكية التي يتوقع أن تتأثر سلبيا بشكل كبير إذا ما ارتفعت أسعار الفائدة الأمريكية، فإنه يلفت إلى أن كثيرا من التقديرات تؤكد أن سعر برميل النفط الخام لربما سيتجاوز الـ60 دولارا في الفترة المقبلة، وهو ما يجعل الاستثمار في قطاع الطاقة، وتحديدا النفط جذابا في ظل أسعار صرف الدولار المتراجعة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية