مبادئ الحوكمة في القطاع الحكومي السعودي «1»

|
الحوكمة الجيدة في أي قطاع سواء كان حكوميا أو شبه حكومي أو قطاعا خاصا أو حتى القطاع الثالث بكل مكوناته تحتاج كشرط أساسي لها إلى تحديد صارم للنتائج المستهدفة، وهذا بدوره يتطلب تعريفا دقيقا لكل الأنظمة والتشريعات واللوائح التي تفسر الخدمات وطرق تسليمها، وتحقيق الدخل وإعادة توزيعه. ذلك أن الحوكمة في أساسها تهدف إلى تشجيع القطاع "أيا كان" على اتخاذ قرارات أفضل لتعزيز الاستخدام الكفء للموارد، كما تعزز المساءلة عن إدارتها، وثم تأتي آليات الحوكمة لتعمل كضغوط مهمة لتحسين الإدارة، والأداء والتصدي للفساد، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى تحقيق النتائج المقررة سلفا وتتحسن حياة الناس. لكن قبل أن نخوض في مسألة مبادئ الحوكمة في القطاع الحكومي بشكل عام والسعودي على وجه خاص، يجب أن نفهم مشكلة الحوكمة في القطاع الحكومي السعودي، ذلك أن فهم هذه المسألة شرط لازم لاختيارات المبادئ التي سنعمل على تطويرها. مسألة الحوكمة بدأت مع الشركات المساهمة عندما انفصلت الملكية عن الإدارة وظهر المدير التنفيذي المحترف للوجود، لقد كان المدير التنفيذي يمثل الوكيل عن المساهمين أو الملاك في إدارة الأموال. وبالطبع كان المدير يتولى شؤون العمل اليومية من مدفوعات أو نفقات وإيرادات ومبيعات وتسليم للخدمات، ومع تراكم العمل اليومي يصبح المدير ومن يعمل معه هم الوحيدون القادرون على تحديد قيمة الإيرادات والمصروفات وقيم الأصول والالتزامات، بينما بقي الملاك بعيدين عن تلك المعلومات، وهذا سمي عدم التوافق المعلوماتي وهي مشكلة أصيلة في العمل الإداري Information Asymmetry. في نهاية السنة المالية يأتي المدير التنفيذي بالتقرير المالي يتضمن قوائم مالية أعدها فريق عمله تحت إشرافه، يحدد فيها حجم التدفقات النقدية والأرباح التي يحق للملاك تسلمها، ويحدد أيضا مكافأته وفريق عمله، وبسبب مشكلة عدم التوافق المعلوماتي تظهر مشكلة الوكالة وتكاليفها التي تنامت مع الوقت. مشكلة الوكالة ببساطة متناهية هي أن الملاك لا يثقون بالأرقام التي أعدها المدير "ولم يشرفوا على إعدادها" على أساس أنه "قد" يضخم الأرباح والنتائج لتعظيم مكافأته أو يخفض قيم الأصول لأجل أن يختلسها، والمدير التنفيذي وفريقه من جانبهم "لا يثقون" في نيات الملاك، لأنهم "يعتقدون" أنهم إنما يشككون في النتائج لمنع المدير وفريقه من الحصول على حقهم في المكافآت والأرباح، وطلب زيادة الرواتب تباعا للنتائج الجيدة المحققة. لحل هذه المشكلة فإن كلا الطرفين "يرغب" في وسيط مستقل متفق عليه ليراجع ويدقق القوائم المالية وليمنح الطرفين ثقة هم في حاجة إليها لبقاء المؤسسة، وهنا ظهرت الحاجة الاختيارية لمراجع حسابات مستقل، فنشأت مهنة المراجع القانوني، ثم في وقت لاحق ولأسباب ليس هذا مجال ذكرها تحول الطلب على تقرير المراجع إلى إلزامي، ومع تنامي هذا الاتجاه من الإلزام أصبح لدى المراجع القانوني أداة ضغط كبيرة على الشركات لتطوير نظام الرقابة الداخلية وتعيين مراجع داخلي وأيضا إنشاء لجان مستقلة للمراجعة ولجان للترشيح والمكافآت، ولربط هذه الموضوعات معا تم "تطوير مبادئ الحوكمة". وهكذا فإن الطلب على مبادئ الحوكمة "ككل" يأتي أساسا من القبول الطوعي للطرفين "الملاك والمستفيدين من جهة والمديرين التنفيذيين من جهة أخرى" لهذه المبادئ ويأتي حرصهم على تطبيقها، لأنها تبين مدى نزاهة الطرفين وبالتالي استحقاقهم للأرباح والتدفقات النقدية وتبرر حاجتهم إلى التمويل. ولهذا لا يمكن ضمان نجاح تطبيق الحوكمة في أي قطاع ما لم يكن هناك مشكلة وكالة لدى الطرفين "مستفيدين ومديرين" والرغبة الأصيلة نفسها في إقناع الآخرين بالنزاهة. في القطاع الحكومي لكثير من دول العالم يجب على الوزير والوزارة "كمدير تنفيذي" الفوز بثقة الجمهور "كملاك ودافعي ضرائب" للبقاء أو الفوز بمنصب الوزارة وتنفيذ خططه الوزارية، وبينما يريد الجمهور التحقق من قدرة الوزير وإدارته على تحقيق استدامة الخدمات وحسن استخدام الموارد ومكافحة الفساد، ولذلك تظهر مشكلة الوكالة بكل تفاصيلها بين الطرفين ويحتاج كلا الطرفين إلى مبادئ الحوكمة، الوزير "كمدير" يحتاج إليها ليثبت للجمهور عند تطبيقها مدى نزاهته وصدق معلوماته وتقارير أدائه وفريق عمله وبالتالي استحقاقه للمنصب والتمويل، والجمهور بحاجة إليها، لأنها تساعدهم على الثقة بالمعلومات وبالتالي اتخاذ قرارات أفضل، وتعزز المساءلة، وتوفر ضغوطا مهمة لتحسين الإدارة، والأداء، والتصدي للفساد، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى تحقيق أفضل النتائج وبالتالي تتحسن حياة الناس كما أشرنا أعلاه. لأجل هذا التوافق على الحاجة إلى مبادئ الحوكمة فقد ظهرت وانتشرت ونمت في مثل هذه الدول، وهناك مدارس متعددة لها، لكن لدينا وفي بعض الدول المماثلة ليس هناك مشكلة وكالة بين الوزير ووزارته وموظفيه والجمهور من مستخدمي الخدمة. فالفوز بالمنصب أو بالمخصصات المالية للوزارة أو الجامعة أو المؤسسة الحكومية على تنوعها ليس له علاقة بالجمهور ومدى ثقتهم بالوزير، لهذا فمن الصعب تفسير حاجة الوزراء والمديرين في المؤسسات الحكومية لمبادئ الحوكمة، ومن الصعب التحقق فعليا من مدى مصداقيتهم في تطبيقها، وستظل هذه المشكلة عالقة ولن تطبق أي مبادئ للحوكمة ومن بينها المراجعة الداخلية وإدارة المخاطر والرقابة الداخلية ما لم نحل هذه المشكلة ابتداء. المملكة ومن خلال منهجها القائم على أسس إسلامية، واتباعا لمنهج الحكم الملكي وحياد الملك، فإن إمكانية تطبيق نماذج مختلفة في تقييم ثقة الجمهور بالوزير ممكنة، ذلك أن تعريض الوزير والوزارة أو مدير المؤسسة الحكومية أيا كانت لقياس الثقة مهم جدا في تبرير المخصصات التي تحصل عليها الوزارة، والتمويل الجديد للمشاريع، ويمكن أن يلعب مجلس الشورى دورا واسعا في تقييم الثقة بالوزارة والوزير كل فترة معينة، طالما أن سحب الثقة من الوزير أو تحويله للمساءلة تبقى في يد الملك، كما يمكن إنشاء مؤسسة خاصة بمسألة تقييم الثقة تكون مرتبطة بالملك مباشرة، وتعمل جنبا إلى جنب مع مجلس الشورى في هذا الشأن. إن تطويرا مثل هذا، حتما سيشكل فرقا في رغبة الوزير والوزارة في إثبات النزاهة من خلال تطبيق معايير ومبادئ للحوكمة، ومن ثم توفير ضغوط أساسية لتحسن الأداء. في المقال المقبل تفاصيل حول مبادئ الحوكمة التي تتناسب مع هذه المقدمة.
إنشرها