«الرؤية» تؤسس للتغيير المستمر

|
التغيير هو الثابت الوحيد، مقولة تتردد بكثرة هذه الأيام، نظرا لوتيرة التغيير العالية وتضافر عوامله بشكل لم نعهده من قبل على مستوى العالم. ولذلك نجد أنفسنا أمام تحديات جديدة تتطلب منا استخدام وسائل إما غريبة في بعض الحالات، وإما حتى تكون صادمة في حالات أخرى. ليس ذلك فقط، بل إن علينا الاستمرار في تقبل التغيير حتى نتمكن من الاستجابة لمتطلبات الواقع المفروض علينا. فثبات نموذج الأعمال هذه الأيام لم يعد ممكنا، بينما الكلمة الأبرز في عالم الأعمال أصبحت هي الإخلال، حيث باتت عمليات الإخلال ترفع من كفاءة استخدام الموارد! الاقتصاد السعودي لم يكن بمنأى عن عوامل التغيير التي أثرت في العالم ككل. فمع الطفرة النفطية الأولى بدأ الاقتصاد بالتوسع بشكل كبير تطلب اللجوء إلى زيادة القوة العاملة في الاقتصاد. نتج عن ذلك عملية إخلال أفقد السعودي متجره، إلا أنها عوضته بفتح آفاق ومجالات اقتصادية جديدة. ومع وصول عملية التحديث الاقتصادي إلى أوجها مع نهاية ثمانينيات القرن الماضي، ركن الاقتصاد السعودي إلى إنجازاته التي رفعت من كفاءة الاقتصاد بشكل كبير، كانت كفيلة بحمله إلى عتبات الألفية الحالية دون اللجوء إلى عمليات إخلال واسعة. فتثاقل الاقتصاد وترهل، حيث اعتمد على زيادة الإنفاق لتحقيق النمو بدلا من الاستجابة لعوامل التغيير المطلوبة. ولذلك كانت "رؤية السعودية 2030" عاملا مهما في تغيير ثقافة المجتمع والاقتصاد بشكل عام، بحيث اعتمدت عمليا على هز أركان الاقتصاد، حتى تتمكن من إعادة بنائه بشكل يسمح بالاستجابة المستمرة لعوامل التغيير، بل ترحب به. فبدأت "الرؤية" بمخاطبة الجانب البشري في عملية التغيير باعتماد خطاب موضوعي وتفصيلي ذي شفافية عالية. حتى باتت مفردات "الرؤية" مثل متابعة الأداء والإصلاح جزءا من مفردات الموظف الحكومي. وقد حقق هذا الخطاب مبتغاه بأن دفع الشعب كله وراء "الرؤية"، حيث أشعرت الشعب بأن التغيير مصيري ولا يمكننا العيش دونه، فوضعت صفيحا ساخنا تحت أقدامنا يخرجنا من منطقة الراحة التي ركنا إليها طويلا. ثم عملت على تغيير إدارة البلاد على أعلى المستويات، التي بمجرد استجابتها للتغيير تمكنت من إرساء دعائمه في المستويات الإدارية التي تلي القيادة واحدا بعد آخر. أهمية عملية التغيير المستمر تكمن في أنها الاستراتيجية الوحيدة التي تمكننا من الاستجابة لعالم متسارع نحاول اللحاق به. وبالتالي فهي الضمانة لمستقبل الأجيال المقبلة، وليست الثروات الطبيعية أو الاحتياطيات المالية. ولكن كل تغيير ينتج عنه رابح وخاسر نتيجة اختلاف الوضع القائم، ولذلك سيكون من الطبيعي وجود مقاومة شديدة للتغيير. لذلك من الضروري أن نؤمن بأن بقاء الوضع الراهن سيؤدي حتما إلى خسارة كل الأطراف على المدى الطويل، بينما التغيير سيؤثر سلبا في فئة محددة على المدى القصير فقط. ولذلك فمن المهم الاستمرار في عملية التغيير وعدم التراجع، ولكن لجعلها أكثر جاذبية، فإن التركيز على نتائج إيجابية يمكن تحقيقها سريعا سيعمل على توفير الدعم للمضي قدما لتحقيق الأهداف بعيدة المدى.
إنشرها