أنا والإنسان الآلي

|
لدي ذكريات جميلة مع الروبوت أو الإنسان الآلي. والروبوت اسم يطلق في اللغة الإنجليزية على أي ماكينة باستطاعتها الحل محل بعض الأعمال التي يقوم بها الإنسان أو إنجاز مهام بشرية محددة إلكترونيا أو من بعد. الذكريات هذه كثيرة وأغلبها ماتعة، بيد أنني سأقتصر حديثي هنا على ثلاث منها وذلك لتأثيرها الكبير في حياتي. الأولى تعود إلى مستهل التسعينيات من القرن الماضي. في حينه، كنت مراسلا لوكالة رويترز (اليوم اسمها الرسمي تومسن ــ رويترز) ومن ثم مسؤولا عن أحد مكاتبها في الشرق الأوسط. استدعيت إلى لندن لحضور دورة تدريبية في فنون الصحافة الغربية. في نهايتها طلب مني مسؤولي المباشر أن أحمل معي جهازا حديثا كان في وقته يعد طفرة في ثورة الاتصال. بواسطة هذا الجهاز كان في الإمكان التواصل مع الأقمار الاصطناعية ومن خلالها مع أي هاتف أرضي أو غيره في العالم. هذا الجهاز كان ثقيل الحمل ومن الصعوبة بمكان نقله. كان يزن نحو 35 كيلو جراما ومربوطا من خلال سلك بصينية كبيرة الحجم (لاقطة) لا يعمل دونها. كان الجهاز يستغرق نحو نصف ساعة كي يعمل بصورة مرضية بعد تشغيله. وكان في الإمكان إرسال صور فوتوغرافية من خلاله، إلا أن إرسال أي صورة كان يستغرق نحو 45 دقيقة. ومن ملحقات الجهاز حاسوب صغير كانت سعته لا تتجاوز 60 ألف كلمة. وكان هذا أول تماس لي مع حاسوب إلكتروني في إمكانه إرسال المحتوى للطرف الآخر وهو محدد الجهة والهوية. والطرف الآخر هو الذي يحدد التواصل وكمية المحتوى المتبادل مع الطرفين. وأينما أخذت الجهاز "السحري" هذا، كان زملائي من الصحافيين الأجانب والمحليين يهرعون لإلقاء نظرة عليه وهم مندهشون ومحبطون في آن واحد. محبطون لأن وكالاتهم الإخبارية ووسائلهم الإعلامية لم تكن لها بعد المقدرة على شراء جهاز مثله ووضعه تحت تصرفهم. أظن أنه من اليسير للقراء الكرام مقارنة هذا الهاتف الذكي البدائي الذي أدهش عالم الإعلام والصحافة في حينه بأي جهاز ذكي يحملونه معهم اليوم ومدى طاقته وإمكاناته الهائلة للتواصل حول العالم، ليس بصفة مرسلين ومتلقين بل كصانعين للمحتوى الذي بودهم إيصاله للآخرين والتفاعل معه. والمواجهة الثانية مع الثورة الرقمية ودورها في تخفيف أعباء الإنسان (إزاحته) وقعت لي في السويد. كنت أسكن في شقة تطل على حديقة كبيرة هي جزء من قصر كبير. والناس هنا يستمتعون بالصيف ويجلسون في شرفات بيوتهم للتمتع بمنظر الشمس، التي قد تشرق لساعات محدودة في النهار. بيد أن هذه الساعات أو بعضها كانت بمنزلة نقمة لي إن بقيت في البيت. صاحب القصر كان يستغل الساعات المشمسة هذه لجز العشب في حديقته بواسطة ماكينة (جزازة العشب) كان صوتها (الضجيج الذي تطلقه) يخترق الصخر. إلا أن الجزازة المخيفة هذه فجأة اختفت عن مشهد الحديقة. لقد استبدلها صاحب القصر بماكينة أصغر منها بكثير وعديمة الضوضاء وتعمل وحدها؛ أي أنها تجز العشب في حديقته المترامية وحدها حتى إن كان صاحب القصر في رحلة خارج السويد. والمواجهة الثالثة حدثت قبل نحو خمس سنوات عند تقديمي طلبا لاستقدام أستاذ شهير في علوم الاتصال والصحافة لإلقاء محاضرة على طلبتي في الدراسات العليا. عندما رأى العميد الكلفة العالية لبطاقة الطائرة والإقامة، رفض الطلب ولكنه أضاف أنه علي من الآن فصاعدا الالتجاء إلى التكنولوجيا وخصيصا برنامج كمبيوتر حديث اشترته الجامعة وهو أدوب كونكت Adobe Connetc . وكان هذا أول تماس لي مع هذا البرنامج. وافق الأستاذ الأجنبي على إلقاء محاضراته من بعد. وبمساعدة التقنيين كنت وطلبتي وإياه وكأننا في صف واحد سوية. الفائدة كانت جمة بالنسبة للجامعة. النفقات كانت أقل من 10 في المائة من التي كنا سندفعها لو قدم الأستاذ إلى ديارنا. والفائدة أعم لأن الأستاذ بقي متواصلا مع الطلبة من خلال البرنامج هذا ساعات بعد انتهاء المحاضرة رسميا. لقد أحدثت التكنولوجيا الرقمية وتقنية المعلومات ثورة كبيرة في حياتنا. وشخصيا لم يدر في خلدي أبدا أن الماكينة والبرنامج الرقمي أو الإلكتروني سنمنحه بعض ميزات عقلنا البشري. التطور والإيجاد والإبداع على قدم وساق ووصل مراحل يراها بعض العلماء خطيرة على مستقبل البشرية، إذ يقولون إننا قد نمنح يوما كل خصائص عقلنا للماكينة وبعدها تبدأ الماكينة في منافستنا وربما إزاحتنا عن الوجود.
إنشرها