أخبار اقتصادية- خليجية

قطر قد تواجه رقابة مالية وأمنية دولية لضمان وقف تمويلها للإرهاب

يوما بعد آخر ومع مواصلة الدوحة لتعنتها أمام الجهود الدولية لحل الأزمة مع الدول الداعية لمكافحة الإرهاب، تتزايد القناعة لدى الأروقة الاقتصادية والسياسية والأمنية في العالم، وتحديدا في أوروبا التي تعاني من تصاعد في معدل الهجمات الإرهابية، بأن التعنت القطري لا يزيد عن كونه مسعى مدبرا ومحسوبا لإخفاء ما تخشى سلطات إمارة قطر عن إماطة اللثام عنه.
ويبدو واضحا الآن أن الأصوات تتصاعد في وسائل الإعلام الغربية عامة، وخاصة الأوروبية منها، بأن الرقابة المالية والأمنية على قطر، ربما تكون أحد أنجح الحلول المطروحة لوضع حد نهائي للأزمة، وضمان وقف الدوحة دعمها المتواصل للإرهاب إعلاميا وماليا.
لكن طرح فكرة مراقبة قطر ماليا وأمنيا عبر آليات دولية، يبدو بالنسبة لبعض المختصين الأوروبيين المعنيين بملف الشرق الأوسط، والعاملين في مجال مكافحة الإرهاب، حلا نهائيا وناجحا لوضع النقاط على الحروف، لكنه يتطلب تعاونا صادقا من الدوحة وهو ما لا تظهر في الأفق بعد أي بوادر أو علامات عليه من وجهة نظرهم.
"الاقتصادية" استطلعت آراء مجموعة من المختصين الدوليين بشأن إمكانية تطبيق حل الرقابة الدولية، وما طبيعة الصعوبات والتحديات التي تواجه ذلك؟ وهل هناك مدى زمني لتطبيقه؟ وهل يمكن أن يمثل وسيلة فعالة لوضع حد لتورط الدوحة إعلاميا وماليا وأمنيا في دعم الإرهاب؟
الدكتور غوردن جلير أستاذ الاستراتيجية الدولية، يبدو متشائما حيال إمكانية تطبيق خيار الرقابة الدولية جراء ما يعدّه رفضا قطريا للتعاون إقليميا ودوليا.
وقال لـ"الاقتصادية"، "علينا التفريق بين الإمكانية العملية والإمكانية الواقعية، فالإمكانية العملية تشير بالطبع إلى القدرة على تشكيل آلية دولية لمراقبة قطر ماليا وأمنيا، للاطلاع على تفاصيل علاقتها بالمنظمات الإرهابية ماليا وإعلاميا وحتى تنظيميا، فالمجتمع الدولي لديه خبرات متراكمة وثرية للقيام بذلك، لكن الإمكانية الواقعية قد تجعل من الصعب القيام بذلك عمليا، فأولا لا بد من الحصول على موافقة قطر لضمان تعاون السلطات القطرية مع الآلية التي ستشكل للمراقبة، وبشكل شخصي استبعد موافقة الدوحة على ذلك، ولا يمت الأمر بأي علاقة بقضايا السيادة كما تحاول قطر وأجهزتها الإعلامية أن تروج لذلك، وإنما لأن مثل تلك الآلية ستكون ذات طابع دولي محايد وحيادي، ومن ثم أي تقرير يصدر منها سيكون من الصعب للغاية على الدوحة نفيه أو إنكاره، ويمكن أن يفضح تاريخا طويلا من علاقاتها مع التنظيمات الإرهابية".
وأضاف، "لكن إذا واصلت قطر رفضها، فإنه يمكن استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي، بشأن تشكيل مجموعة دولية لمراقبة قطر، لكن هذا سينقل الصراع إلى مرحلة، أكثر تعقيدا، وربما تصبح منطقة الخليج على حافة تهديدات أمنية شديدة، لأن طهران وأنقرة ستسارعان بالتدخل لمحاولة التغطية على حلفائهما في الدوحة".
واستدرك قائلا، "كما أن استثمارات قطر الخارجية التي تبلغ نحو 200 مليار دولار، تضمن لها تجنيد عديد من الأشخاص بعضهم في أجهزة إعلام دولية، وآخرين في مراكز صنع القرار على المستوى الدولي، وهؤلاء لا شك سيساندون قطر في توجهاتها الرافضة للرقابة الدولية، ما يعرقل أي جهود حقيقية في هذا المجال".
على النقيض تماما، ترى الباحثة في شؤون الشرق الأوسط بربرا اندرسون، أن الرقابة الدولية على قطر ستكون هي نهاية المطاف للخروج من الأزمة الخليجية.
وقالت لـ"الاقتصادية"، إن "قراءة الخطاب السياسي لوزير الخارجية القطري منذ مقاطعة الدول العربية الأربع للدوحة، وردود الفعل الدولية تكشف في بعض جوانبها، عن وعي قطري ودولي بأن طول أمد الأزمة سيؤدي إلى خسائر اقتصادية لا قبيل للدوحة بها، وأن الرقابة الدولية ماليا وأمنيا على سلوك المؤسسات والمواطنين والمقيمين في قطر المتورطين في الدعم والتحريض على الإرهاب إقليميا ودوليا، سيكون حلا نهائيا، لكن هناك مماطلة قطرية لتلبية ذلك المطلب في مسعى لتعظيم مكاسب الدوحة عبر خفض أو الحد من سقف مطالب الدول العربية الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب، ودوليا لا يزال الموقف العالمي في مرحلة اختمار والأفكار تتبلور حول أفضل آليات الرقابة المالية والأمنية".
وأضاف، "عمليا قطر قبلت بالخضوع للتفتيش الأمني، ولكن بصيغة ثنائية ومحدودة للحفاظ على ماء الوجه، وذلك ما وضح في تصريحات وزير الخارجية الألماني بأن قطر وافقت على فتح جميع ملفاتها للاستخبارات الألمانية، والاتفاق الذي وقعه وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون مع الدوحة أخيرا يتضمن أيضا رقابة من قبل واشنطن، لكن الدوحة ترفض بشدة حتى الآن الرقابة الدولية، وذلك لأنها تعول على أن تكون الاتفاقات ذات الطابع الثنائي للرقابة المالية والأمنية حلا بديلا، إذ يمكن إلى حد كبير أن تقدم رشوة إلى تلك الدول عن طريق عقد صفقات سلاح ضخمة أو التعهد باستثمارات بعشرات المليارات مقابل غض الطرف، بينما يستحيل القيام بذلك في حالة المراقبة الدولية ذات الطابع الجماعي".
من ناحيته، اعتبر الاستشاري المصرفي ديفيد كوسكب، أن اتساع نطاق الاستثمارات القطرية في عدد كبير من بلدان العالم خاصة الاقتصادات المتقدمة، وكذلك الاستثمار في عدد من القطاعات الحيوية مثل البورصات والمصارف الدولية، يجعل من الرقابة العالمية المالية ضرورة ملحة لضمان وقف أي أنشطة مالية رسمية أو غير رسمية تقوم بها الدوحة لدعم تنظيمات إرهابية.
وقال لـ"الاقتصادية" حول الآليات اللازمة لضمان فاعلية الرقابة المالية والفترة الزمنية لها، إنه "يصعب وضع حد زمني للرقابة المالية، فالحرب على الإرهاب طويلة المدى، وإنما يفضل ألا يرتبط الأمر بفترة زمنية، وإنما بمجموعة من المعايير التي تضمن إضعاف قدرة المؤسسات القطرية في تمويل الإرهاب والإرهابيين، ومع تحقيق كل مجموعة من تلك المعايير يمكن تخفيف حدة الرقابة المالية على الأداء المالي لقطر".
وأضاف، "أما بالنسبة لطبيعة الآليات التي يمكن اللجوء إليها لضمان فاعلية أساليب الرقابة، فهناك عدد من السبل لتحقيق ذلك، إذ يمكن تشكيل لجنة من المختصين الدوليين تابعة للأمم المتحدة لمراقبة الجانب المالي لأداء الحكومة والمؤسسات القطرية، وفي تقديري أن هذا أفضل أسلوب لضمان عدم احتكار أو تأثير دولة بمفردها على أساليب المراقبة المالية، وهناك إمكانية لتشكيل لجنة من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، مدعومة من قبل عدد من الفاعلين الدوليين مثل روسيا والصين".
لكن البعض يعتقد أن الرقابة المالية هي الجزء الأيسر من الرقابة الشاملة، التي يمكن أن تقبل به قطر نتيجة الضغط الإقليمي والدولي عليها، بينما يعد الجزء الأكثر تعقيدا هو الرقابة الأمنية.
أما الخبير الأمني جليهام جلير، فقال، إنه "منذ إطاحة الشيخ حمد بوالده، تكثف التعاون الذي أقامه هو ووزير الخارجية السابق حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني مع عدد من المنظمات والتنظيمات الإرهابية في العالم مثل تنظيم القاعدة وحزب الله اللبناني وجماعة الإخوان المسلمين وبعض التنظيمات المسلحة في دارفور وحديثا مجموعات مسلحة في سورية".
وأضاف لـ"الاقتصادية"، أن "خيوط المشهد باتت معقدة للغاية ليس بطريقة يصعب كشفها، وإنما بطريقة يؤدي الكشف عنها إلى تداعيات خطيرة للغاية على النظام القطري ذاته، وهذا تحديدا ما يجعل الحكومة القطرية تقاوم بعنف فكرة الرقابة الأمنية عليها، إذ يعني ذلك الكشف عن حجم التعاون الذي تم مع الإيرانيين في عدد من الملفات في العراق، وبالتأكيد لا الجانب الإيراني ولا القطري يرغبان في ذلك".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- خليجية