FINANCIAL TIMES

همس أمريكي .. كوهن خليفة لجانيت ييلين

لو أشار أحد ما قبل عام إلى أن جاري كوهن، رئيس جولدمان ساكس السابق، قد يكون رئيس الاحتياطي الفيدرالي التالي، لكان زملاؤه قد ضحكوا من الفكرة. ولكان كوهن نفسه قد ضحك أيضاً.
فقبل كل شيء، كوهن البالغ من العمر 56 عاماً بنى حياته المهنية من خلال التجول قي الأسواق بمهارة، وممارسة السلطة بكفاءة لا ترحم. لكنه لم يُقدّم نفسه قط على أنه مُفكّر كبير أو خبير اقتصادي. في الواقع، أحياناً كان يمزح قائلا إنه أكمل الجامعة فقط باستخدام قوة الإرادة الشرسة (يُعاني عُسرا في القراءة) وحصل على وظيفة في وول ستريت من خلال العمل بجد (جاء من خلفية عامل واضطر إلى الكفاح من أجل كل فرصة).
لكن هذه الأيام واشنطن هي مكان لا يُمكن التنبؤ به بشكل غريب. لذلك ربما من المناسب أن هناك شائعات تقول إن دونالد ترمب يعتزم استبعاد جانيت ييلين من رئاسة الاحتياطي الفيدرالي عندما تنتهي فترة ولايتها العام المُقبل ووضع كوهن، كبير مستشاري الاقتصاد في البيت الأبيض، مكانها.
من يعرف إن كان هذا سيحدث. لدى كوهن على الأقل منافس رئيس واحد هو كيفين وارش، وهو محافظ سابق في الاحتياطي الفيدرالي ومدير صندوق، يعمل في مجلس استشارات الأعمال التابع لترمب. أسماء مثل خبراء الاقتصاد، جريج مانكيو وجلين هوبارد، ورد ذكرها أيضاً. ومن المحتمل أيضا أن يغير ترمب موقفه في النهاية كليا ويقرر إبقاء ييلين.
لكن في الوقت الذي تدور فيه الشائعات، هناك ثلاث نقاط ينبغي أن يتذكرها المستثمرون. أولاها، وأكثرها وضوحاً، هي أن الملحمة تظهر أن من الخطأ تحليل أعمال البيت الأبيض من خلال مداولات الحكومة التقليدية.
كانت الإدارات السابقة تبدأ البحث عن رئيس جديد للاحتياطي الفيدرالي قبل عام من نهاية ولاية الرئيس الموجود على رأس البنك، بغرض إعداد الأسواق وتهيئتها. لكن هذه المرة العملية والتوقيت غير مؤكدين.
يعتقد بعض مراقبي الاحتياطي الفيدرالي أن اسم كوهن قد ظهر لأنه يُريد مغادرة البيت الأبيض. ويغلب على ظن آخرين أن كوهن يُريد أن يحل محل راينس بريبوس، رئيسا لموظفي البيت الأبيض، لكن منافسه، ستيف بانون، كبير خبراء الاستراتيجية لدى ترمب، يُحاول إبعاده. أكثر من ذلك، أن الشخص الذي من المفترض أن يُدير عملية البحث للاحتياطي الفيدرالي هو كوهن نفسه.
في كلتا الحالتين، الطريقة الوحيدة لفهم هذا هي تصوّر البيت الأبيض ليس كبيروقراطية حكومية، لكن كمجلس إمبرطوري، مع إمبراطور متقلب مُحاط بموظفين متنافسين. التنبؤ بنتيجة البحث للاحتياطي الفيدرالي صعب بقدر ما هو بالنسبة لتخمين من الذي سيعينه الملك هنري الثامن في إنجلترا أو لويس الـ 14 في فرنسا في منصب الأسقف التالي.
هذا يُسلط الضوء على نقطة ثانية: مستقبل الاحتياطي الفيدرالي غير مؤكد للغاية. إذا أصبح وارش الرئيس، قد يكون لدينا بعض الإحساس بما يمكن أن يفعله، لأنه ألقى أخيرا خطابات يدعو فيها إلى إصلاح استراتيجية التواصل من الاحتياطي الفيدرالي، وحوكمة الشركات ونهج السياسة. وهو يُريد التركيز أقل على توقعات التضخم وأكثر على القضايا الأساسية مثل الإنتاجية.
في الوقت نفسه، خطط كوهن عبارة عن لغز. تحدث في العام الماضي في مؤتمر القيادة المالية العالمية في فلوريدا واعترف بأن "الاحتياطي الفيدرالي في موقف صعب جداً" لأن الأسواق العالمية مترابطة بشكل وثيق جداً بحيث "إننا نجحنا في عولمة العالم" والسياسة النقدية.
وأضاف: "نحن نواجه مشكلة النمو العالمي ونحاول حلها بسياسة داخلية"، مُحذّراً أن "الأمر لن ينجح". هذا يُشير إلى أن كوهن سوف يُدير سياسة الاحتياطي الفيدرالي مع البراجماتية نفسها التي هيمنت على حياته المهنية، معتمدا على خبرته في السوق أكثر من نماذج الاقتصاد الكلي. وما إذا كان هذا سيجعله لطيفا أو متشددا فهو أمر يعتمد تماما على التخمين.
وهذا يُسلط الضوء على النقطة الثالثة الحاسمة: في أدنى الأحوال، هذه الدراما هي صفعة في وجه كبار كهنة الاقتصاد. في العقود الأخيرة، كان يُفترض على نطاق واسع أن البنوك المركزية يجب أن تُدار من قِبل أشخاص لديهم درجة دكتوراه في الاقتصاد. لكن لا كوهن ولا وارش يحمل هذه الدرجة. ربما هذا ليس بالأمر السيئ: هاجس نماذج الاقتصاد الكلي ترك البنوك المركزية عمياء بشكل خطير عن فقاعة الائتمان قبل عقد من الزمن. وجود رئيس للاحتياطي الفيدرالي مع خبرة في الأسواق قد يكون أمراً معقولاً، بالنظر إلى أن هناك فرصة جيدة أننا سنرى بعض الصدمات المالية الكبيرة في الأعوام المقبلة في الوقت الذي يتم فيه تفكيك برنامج التسهيل الكمي.
لكن هل سيكون كوهن، أو وارش إن شئت، قادراً على إيجاد إجماع عملي داخل الاحتياطي الفيدرالي؟ هل بإمكانهم حماية استقلاليته السياسة المهمة جداً وسط الضغوط المالية أو الاضطرابات السياسية؟ هذا أمر غير واضح. الشيء الوحيد الذي نعرفه هو أنه إذا تقدّم ترشيح كوهن، سيكون هناك صراخ غاضب من العاملين في مهنة الاقتصاد. ليحذر المستثمرين: إجماع النخبة المريح في الأعوام الأخيرة يتدهور، وحتى الاحتياطي الفيدرالي ليس منيعاً.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES