النهوض بالرعاية الطبية الخيرية

|
يعاني الفقراء - أفرادا ودولا- الأمراض أكثر من غيرهم، حيث تفتك بحياة كثير من البشر، أو تقعد آخرين عن العمل، أو تقلل من إنتاجيتهم. ويتعذر على الفقراء ومحدودي الدخل الحصول على الخدمات الطبية المناسبة لتدني مواردهم وعجز الخدمات الصحية العامة عن الوصول إليهم في الوقت المناسب. وإضافة إلى الفقر يحول الموقع الجغرافي، والعادات الاجتماعية والمعتقدات، والكوارث الطبيعية، والحروب والنزاعات دون وصول الرعاية الطبية المناسبة لمحتاجيها. يفاقم تعذر أو تأخر الحصول على الرعاية الطبية ضنك معيشة ومآسي الفقراء ومن هم في أمس الحاجة إليها. ولا يخفى على أحد أن توفير الرعاية الطبية للمحتاجين من أعظم أصناف الإحسان والبر وفعل الخير في جميع المعتقدات. يتحمل المجتمع المحلي والعالمي ممثلا في الحكومات والأفراد والمؤسسات الاقتصادية والمدنية كالمؤسسات الخيرية واجبات إنسانية لتوفير الرعاية الطبية للمحتاجين غير القادرين على الحصول عليها. وترتفع أهمية العمل الطبي الخيري كلما ارتفعت نسب انكشاف السكان على المخاطر الصحية، إما لعدم تغطية المنظومة الصحية لجزء من السكان وإما لانخفاض نوعية الخدمات الصحية العامة أو التأخر في توفيرها. يُقدَم العمل الطبي الخيري على عدة هيئات وصور تشمل بناء وتشغيل مؤسسات طبية متكاملة من مستشفيات أو مراكز صحية أو عيادات متخصصة غير هادفة للربح. وتقدم هذه المؤسسات الخدمات الطبية للمحتاجين دون مقابل أو برسوم مخفضة، لتمكين المنشآت قدر الإمكان من الاستمرارية التي يعوقها ارتفاع تكاليف تقديم الخدمات الطبية. يكلف بناء وتشغيل مؤسسات طبية متكاملة موارد ضخمة يتعذر توفيرها إلا من عدد محدود من المؤسسات والأثرياء، ولهذا هناك صور أخرى أقل تكلفة للخدمات الطبية مثل تقديم خدمات للمرضى كالمواصلات والإقامة أو رعاية عائلاتهم. كما يمكن تقديم العمل الخيري الطبي على هيئة منح مالية لتغطية تكاليف علاج محتاجين، أو على هيئة دعم وتبرعات لتأمين أجهزة ومعدات ومواد لمقدمي الخدمات الطبية الخيرية والعامة، وذلك لمساعدتهم على رفع نوعية الخدمات المقدمة للمرضى أو تسريعها. ومن الأعمال الطبية الخيرية جمعيات التوعية ونشر المعلومات الصحيحة لتجنب أمراض معينة مثل أمراض القلب ودعم برامج الإقلاع عن التدخين والمسكرات والمخدرات ومحاربة السمنة. من أبرز الأعمال الطبية الخيرية – التي تقل في بلداننا - تقديم المنح والدعم لتطوير الأدوية واللقاحات لأمراض معينة أو توفيرها للمحتاجين إليها داخل البلاد وخارجها. وهناك مؤسسات خيرية عالمية ضخمة تخصص مبالغ كبيرة لتطوير وتوفير لقاحات للمحتاجين في الدول الفقيرة من أبرزها مؤسسة جيت الخيرية. توجد أيضا أعمال طبية خيرية تستهدف أمراض محددة مثل أمراض السرطان أو العمى أو الفشل الكلوي، حيث يركز بعض الأفراد على محاربة أمراض بعينها أو التصدي لمعضلات صحية محددة ضمن نطاق جغرافي معين. ويأتي هذا بسبب ميول شخصية لعديد من الناس الذين لمسوا معاناة أمراض محددة أو تأثروا بها من خلال مرضى مقربين منهم. تكثر الأعمال الخيرية في هذا المجال ونجد عديدا منها في المملكة، ومن الأمثلة على ذلك جمعيات محاربة ورعاية أمراض سرطان الأطفال والتوحد والفشل الكلوي. من أبرز أنواع العمل الطبي الخيري المساعدات الطبية التي تقدم لمتضرري الكوارث الطبيعية والحروب سواء داخل البلدان أو خارجها. وينشط عديد من الجهات في المملكة في تقديم الدعم الطبي للدول الفقيرة وضحايا الحروب والكوارث في أماكن عديدة مثل سورية واليمن. ولكن مازال هناك حاجة إلى مزيد من التطوير والدعم خصوصا من القطاع الخاص أفرادا ومؤسسات، الذين يبدي كثير منهم استعدادا لزيادة مساهمته وتطوير مؤسسات متخصصة للقيام بالأعمال الإغاثية الطبية سواء داخل البلاد أو خارجها. لا يعوق كثير من الخيرين من التبرع إلا الشكوك حول كفاءة الجمعيات الخيرية الطبية واستفادة المرضى المحتاجين من معظم مواردها. ولهذا يستحسن وضع حد أعلى لتكاليف إدارة هذه الجمعيات (20 في المائة مثلا)، كما أن هناك حاجة ماسة إلى الشفافية وإلى تخصيص الموارد للأغراض التي أسست من أجلها. ما زالت فكرة التبرع بالوقت مجالاتها محدودة في المملكة، ولهذا ينبغي توسيع مجالاتها وتنظيمها والتعريف بها وذلك لزيادة إسهامها في الأعمال الخيرية بشكل عام والطبية بشكل خاص، حيث يستطيع الممارسون الطبيون وغيرهم تخصيص جزء ولو قليل من أوقاتهم للعمل الخيري. وللنهوض بالأعمال الخيرية الطبية وزيادة قدرتها على الاستمرار. لا بد من تطوير وتشجيع الأوقاف الخيرية للأغراض الطبية وكذلك تشجيع المستشفيات الخاصة – وإلزامها في حالة الضرورة - بتقديم جزء من خدماتها كخدمات خيرية وفق أنظمة وشروط تأهيل معينة تحددها الجهات الخيرية أو الرسمية. كما يمكن الاستفادة من آليات تشجيع الاستثمار الأجنبي والوطني خصوصا في المجالات الطبية وغيرها واشتراط دعم العلاج الطبي الخيري للتمتع بمنافع هذه الآليات والحسومات الضريبية.
إنشرها