مجلس الشورى .. وحل مشكلة الرقابة الحكومية

|

الأسبوع الماضي أصدر مجلس الشورى قراره بتوصية مهمة جدا، لعلها الأهم في مسيرة الرقابة في المملكة منذ انطلاقة الإدارة العامة الحديثة فيها، جاءت التوصية بنقل جميع مسؤوليات الرقابة من هيئة الرقابة والتحقيق إلى ديوان المراقبة العامة، وهذه التوصية بالذات تحتاج إلى فهم ودعم من أجل إصلاح العمل الرقابي في القطاع العام في المملكة. فنحن نعرف أن أهم الجهات الرقابية في المملكة هي ديوان المراقبة العامة، وهيئة الرقابة والتحقيق قد تم إنشاؤها منذ سنوات طويلة، عندما كان الفكر الرقابي في العالم بأسره في بداياته والنظرية نفسها لم تتجذر بعد، وهناك كثير من التغيرات والتحولات، وفي تلك البدايات كانت الرقابة تصنف سابقة ولاحقة، أو كانت مالية وإدارية على أن الإدارية في ذلك الوقت لم تكن واضحة ومفهومة بشكل جلي، ولم تكن معاييرها وطرقها قد اكتسبت أي رسوخ حقيقي، ولهذا جاءت التطبيقات هزيلة ومجرد رقابة على الحضور والانصراف وبعض الأعمال الإدارية التي هي من مسؤولية مدير الجهاز الحكومي، وخلال الـ30 عاما الماضية تطورت مهنة المراجعة بشكل مذهل، ومفاهيم الرقابة أصبحت أكثر عمقا وتفصيلا، وأصبحنا نعلم الطلاب في الجامعات معنى الرقابة الداخلية، والرقابة المانعة الرادعة ورقابة الاكتشاف، أصبحنا نتحدث معهم عن الخطوط الدفاعية الثلاثة في مواجهة الغش والأخطاء والفساد، ونضع في كل مستوى من هذه المستويات نوعا من الرقابة، سواء كانت رادعة أو مانعة أو اكتشافية، وسواء كانت مراجعة داخلية أو خارجية، أو كانت المهمة مالية أو أداء أو امتثالا. كل هذا التطور المذهل يجعل من الصعب اليوم، بل من المستحيل علينا مواجهة مرض الفساد دون تغير جذري حقيقي في استراتيجية الرقابة في القطاع الحكومي في المملكة.
لا ينكر أحد ألبتة، أن هناك جهدا ضخما بذله رجال مخلصون لهذا الوطن، جهدا أثمر إنشاء هيئة مكافحة الفساد وإقرار لائحة وحدات المراجعة الداخلية، لكن مع كل هذا الجهد والإخلاص تبقى الصورة مشوهة قليلا طالما لم نعمل على تطوير جذري من خلال إعادة توزيع الصلاحيات والمسؤوليات بين الجهات العاملة في الرقابة الحكومية، وفي هذا الطريق بالتفكير المنهجي يمكن القول، إن هيئة الرقابة والتحقيق قد أدت عملا رائعا خلال سنوات مضت وفي فترة لم تتطور فيها مفاهيم المراجعة كما يجب، لكن الآن ومع المفاهيم الحديثة، فإننا نستطيع إحراز تقدم أكبر مع ممارسة التخصص في العمل، ولهذا جاءت توصية مجلس الشورى بأن تتفرغ هيئة الرقابة والتحقيق إلى عملها في التحقيق الإداري والتعامل القانوني وتحريك الدعوى ضد الفساد والاحتيال وسوء استخدام السلطة، وهذا كله جزء من مفاهيم رقابة الردع، فقدرة هيئة التحقيق على إيقاع العقوبات المناسبة على من يتورط في قضايا الفساد سيكون من أهم أعمال الردع لمن تسول له نفسه ذلك، وتبقى أنواع الرقابة سواء المانعة أو الاكتشاف بيد جهات أكثر تخصصا، ومنها إدارات المراجعة الداخلية وديوان المراقبة العامة، فإذا تم نقل جميع مسؤولية الرقابة الاكتشافية إلى ديوان المراقبة العامة، إضافة إلى أعمال مراجعة الأداء ومراجعة الامتثال "مدى الالتزام" فإن التخصصية ستلعب دورا كبيرا في تعزيز العمل المهني لدى الديوان، خاصة أن على رأس هرم ديوان المراقبة العامة اليوم شخصية مهنية وعملية معروفة ومشهود لها هو الدكتور حسام العنقري.
على هذا المسار فإنه يمكن لديوان المراقبة العامة التوسع في أعماله وتعديل نظامه بما يحقق تطويرا شاملا لأعمال المراجعة، حيث يتم التعامل مع الجهات الحكومية بطريقة المراجعة الشاملة التي ينادي بها الديوان، وهي تعني قراءة أعمال ومسؤوليات الجهة الحكومية بطريقة شاملة من حيث الأداء المالي والتشغيلي والالتزام بالأنظمة والقواعد والعقود المبرمة، كما أن عليه التحقق "وهذا من أهم الأعمال التي لم يزل ديوان المراقبة غافلا عنها" من مدى سلامة وكفاية نظام الرقابة الداخلية في كل جهة حكومية وتنفيذ اختبارات متخصصة ومستقلة لمدى الالتزام بها إذا وجدت، ولعل ما كان يعيق الديوان حتى الآن عن تحقيق هذا الأمر هو تضارب الصلاحيات بينه وبين هيئة الرقابة والتحقيق التي تمارس الدور نفسه تقريبا، لكن مع تحقيق وتنفيذ توصية مجلس الشورى فإن هذه المسؤولية ستنحصر في أعمال ديوان المراقبة.
لعل من النقاط المهمة جدا التي قلما يلتفت إليها أحد في هذا التحول الذي أقره مجلس الشورى هو مسؤولية ديوان المراقبة عن اكتشاف الفساد والأخطاء أمام هيئة الرقابة والتحقيق، ذلك أن الوضع القائم حاليا يشير إلى أن ديوان المراقبة لم يفعل نظامه الخاص بتحريك الدعوى ضد من يثبت تورطه في الفساد والاحتيال والتضليل أو منع موظفي الديوان من ممارسة أعمالهم، وهذا أخل كثيرا بموضوعية أعمال الديوان، ولا يوجد سبب واضح ومفهوم لعدم ممارسة الديوان حقه القضائي وتحريك الدعوى إلا إذا كان مسؤولو الديوان يستشعرون أن تحريك الدعوى من أعمال هيئة الرقابة والتحقيق التي عليها اكتشاف الفساد والتلاعب بذاتها لأنها جهة رقابية. ولكن مع التطوير الذي يطالب به مجلس الشورى سيصبح عمل هيئة الرقابة والتحقيق مرتبطا تماما بما يحققه ديوان المراقبة من إنجازات في اكتشاف الفساد وجمع الأدلة المؤيدة له، وهذا يشبه إلى حد ما العمل بين جهاز الأمن والنيابة العامة، لا ينبغي للأمن تحريك الدعوى، ولكن عليه جمع الأدلة المؤيدة ولا النيابة تجمع الأدلة، بل عليها تقييم الأدلة وتحريك الدعوى، فإن لم يعمل الأمن بكفاءة فإن ذلك سينعكس على أداء النيابة العامة، وهكذا الحال فإذا لم يعمل ديوان المراقبة بكفاءة لا تعمل هيئة التحقيق بكفاءة، وعليه فإن الديوان سيكون ملزما بتطوير أعماله بشكل جذري حتى لا يسأل من قبل هيئة الرقابة والتحقيق. والله أعلم.

إنشرها