بطارية سعودية في بورتلاند

|
استمتعت وأنا أشاهد مقطع الفيديو المنتشر للمبتعث السعودي سليمان الرميخان، وهو يصف متحمسا فرحة شرائه من متجر "والمارت" بولاية أوريجون التي يعيش فيها بطارية لسيارته اكتشف أنها مصنعة في السعودية Made in Saudi، وهي من إنتاج شركة الشرق الأوسط للبطاريات بالدمام. جربت وقع هذا الإحساس "الفاخر" سابقا عندما شاهدت قبل بضع سنوات ألواح ليكسان "سابك" في أحد متاجر مواد البناء بمدينة لندن، إذ يستخدمها اللندنيون في تصميم وبناء ديكورات متاجرهم الفاخرة. لم نحظ بعد كسعوديين برؤية صادراتنا على أرفف المتاجر وأروقة المعارض بالشكل المطلوب، وهذا ليس لأننا لا نعرف تجربة التصدير، ولكن لأن التجربة الحالية لا تزال بعيدة كمّا ونوعا عن طموحاتنا العالية، التي تتجاوز بكل تأكيد تصدير النفط إلى تصدير القيمة التي نستطيع إضافتها إلى النفط، وإلى كل ثروة أخرى نملكها. مراجعة التعليقات الإيجابية على مقطع البطارية المصنعة في السعودية تبعث على السعادة، وفيها من المشاهدات والتعريف الجيد كذلك بصادرات سعودية أخرى قد لا يعرف عنها الجميع، من المشاهدات الشخصية لحديد "سابك" في سياتل ودبلن إلى أقنعة الجراحة الطبية في جنوب إفريقيا، وبالطبع أجهزة التكييف في الدول العربية، ناهيك عن منتجات الألبان والأطعمة التي تصدر إلى أماكن مختلفة يصل بعضها إلى أقصى بقاع الأرض. بالأرقام، بلغت صادرات اللدائن والمطاط خلال عام 2016 أكثر من 30 في المائة (من إجمالي الصادرات السلعية غير النفطية البالغة 177 مليار ريال) ومثلها كانت الصناعات الكيماوية، بينما بلغت الآلات والأجهزة والمعدات الكهربائية 6 في المائة فقط، وأقل من ذلك المنتجات الحيوانية والغذائية والأحجار الكريمة. من يشاهد حجم التعليقات على مقطع المبتعث سليمان مستعرضا تجربته الوطنية الماتعة سيتعرف على مقدار الفراغ المعرفي المتعلق بحركة الصادرات الوطنية. كم نصدر، وماذا نصدر؟ وإلى أين؟ لماذا يفاجأ الكثيرون بوجود مثل هذا المنتج السعودي على أرفف متجر أمريكي، هل هناك افتراضات ضمنية عامة بأننا لا نصدر إلا النفط، وكل آخر نصدره هو استثناء نادر؟! الوعي الاقتصادي لا ينحصر عند البدلات والمكافآت، ومساهمة الفرد دعما وتفاعلا في اقتصاد وطنه لا تنحصر في الحديث عن الأسعار وتقلباتها. كل مواطن مسؤول عن الإسهام بالوعي في حل أحد أهم تحدياتنا التنموية. نظريا (وعمليا كذلك) يفترض أن تحظى المؤسسة الناشئة والشركة الكبرى وأي جهة تسهم في التصدير على امتيازات خاصة متعلقة بالتصدير. أقل هذه الامتيازات هي دعم المواطنين لها، إضافة إلى دعم المسؤولين والجهات الحكومية والخاصة كذلك. ولكن المواطنين لن يعرفوا أن هذه الجهة أو تلك من الجهات المصدرة إلا إذا تعرفوا على الصادرات بشكل واضح ومحدث، في أي قطاع تنمو؟ وما المنتجات التي تستحق الدعم والتقدير. نحن نتحدث هنا عن وعي عام ووعي متخصص والتعامل مع كل منهما يتطلب أسلوبا مختلفا. كنت أتمنى سابقا أن أرى جهة وطنية تعمل على سد هذه الفراغات على غرار ما تقوم به الهيئة البريطانية المسؤولة عن الصادرات. مع أن بريطانيا تملك أحد أكبر سجلات التصدير التاريخية في العالم، إلا أن هيئتها تقوم بحملات شعبية وأنشطة مدرسية ودعم للابتكار ولرواد الأعمال بشخصية نشطة وحيوية، إضافة إلى برامجها المتخصصة الأكثر استقرارا والتي تدعم كبار المصدرين وتسهم في عقد الشراكات وتهيئة المنتجين والأسواق. قبل بضع سنوات تأسست هيئة تنمية الصادرات التي تقوم اليوم بأعمال مشابهة لمثيلتها البريطانية، أكثر ما لفت نظري فيها الخدمات التعريفية وورش العمل المنوعة ولكن التوقعات لا تزال أكبر بكثير من الواقع. لا نجد رفع الوعي بأهمية التصدير ونشر المعرفة الإيجابية ذات العلاقة ضمن الأهداف الاستراتيجية المباشرة للهيئة (ترتبط الأهداف بتطوير جاهزية المنشآت، إيجاد الفرص، وتحسين كفاءة بيئة التصدير) إلا أنها من الخطوات الضمنية والأساسية لكل أعمال الهيئة. أتمنى أن أرى في كل أسبوع تعريفا جديدا بمنتج وطني مثل "البطارية" يحظى بالاعتراف والتقدير، ويصبح مصدرا للفخر والاعتزاز الوطني، المؤثر والقابل للنمو.
إنشرها