قرار دونالد ترمب هذا الشهر التخلّي عن الجهود العالمية لمكافحة تغير المناخ جلب استنكارا من بعض أقرب حلفاء أمريكا وكثير من حكومات الولايات داخل أمريكا، التي تبقى مصممة على مكافحة الاحتباس الحراري.
انسحاب الرئيس من اتفاق باريس يُلحق الضرر بالاتفاق الدولي المهم، لكنه وفقا لمديري أصول بارزين، قدم أيضا دفعة غير متوقعة للحملة العالمية من أجل مستقبل أكثر استدامة بيئيا.
اتفاق باريس الطوعي الذي تم توقيعه في أواخر عام 2015 جعل المستثمرين على المدى الطويل، مثل صناديق التقاعد ومديري الأصول، عازمين على حماية محافظهم من خطر تغير المناخ.
يقول كولين لو دوك، رئيس قسم الأبحاث في "جنريشين لإدارة الاستثمار"، الشركة المتخصصة في الاستثمار المستدام في الولايات المتحدة التي تدير 16 مليار دولار: "ترمب لا يستطيع إعادة المارد الأخضر إلى القمقم".
لكن رفض ترمب لاتفاق باريس أحدث شكوكا جديدة في سياسات الطاقة والبيئة في الولايات المتحدة بالنسبة للمستثمرين الذين يعانون بالأصل من أجل تقييم أفضل الطرق للتكيّف مع مخاطر تغير المناخ.
بلاك روك، أكبر شركة لإدارة الأصول في العالم، حذّرت في العام الماضي من أن المستثمرين والحكومات بطيئون في إدراك المشاكل المتعلقة بالاحتباس الحراري ولا يمكنهم الاستمرار في تجاهُل مخاطر تغير المناخ. وأعادت تأكيد هذا الموقف الأسبوع الماضي بعد إعلان ترمب.
قال إوين كاميرون وات، العضو في مجلس إدارة بلاك روك: "إذا وضعنا السياسة جانبا، لم يعُد بإمكان المستثمرين تجاهُل مخاطر المناخ وتأثير الأنظمة المتعلقة بالمناخ والتقدم التكنولوجي على الشركات التي يستثمرون فيها".
الانسحاب من اتفاق باريس أثار غضبا واسع النطاق بين بعض من أقرب حلفاء الولايات المتحدة، بما في ذلك ألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وكندا، واليابان. كما دفع راي داليو، رئيس مجلس إدارة بريدجووتر، أكبر شركة لإدارة صناديق التحوّط في العالم، إلى إبداء تحفّظات بشأن نهج ترمب في الشؤون الدولية.
يقول داليو: "أنا أشعر بالقلق إزاء المسار الذي يسير عليه، وأشعر بالقلق بشكل خاص بشأن عواقب سلوكه في الدخول في كثير من النزاعات".
فريدريك ساماما، نائب الرئيس العالمي للعملاء المؤسسين في "أموندي"، شركة الصناديق الفرنسية، يقول إن قرار ترمب كان من الممكن أن يكون بمثابة "كارثة" لو أنه أُعلن قبل خمسة أعوام.
ويضيف: "لكن الآن هذه مجرد أخبار سيئة. ظهرت قوى جديدة في المجتمع المدني والمشهد قد تغيّر. شركات إدارة الأصول تملك الآن أدوات جديدة، مثل السندات الخضراء، وتعرف أن أقرانها يتّخذون خطوات للتعامل مع مخاطر الاحتباس الحراري".
عشر ولايات أمريكية أو نحو ذلك، بما فيها كاليفورنيا ونيويورك وواشنطن، تبقى ملتزمة بتخفيض الانبعاثات بمعدل الربع عن مستويات عام 2005 بحلول عام 2025؛ التخفيض المُقترح للولايات المتحدة من قِبل الرئيس السابق باراك أوباما في اتفاق باريس.
وتعهّد الائتلاف الحكومي، المعروف باسم ائتلاف المناخ في الولايات المتحدة، أيضا بالوفاء أو تجاوز التخفيضات في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من توليد الكهرباء المتصوّر بموجب خطة الطاقة النظيفة في إدارة أوباما، التي وعد ترمب بالتخلّص منها.
يقول بيرتران جاكون، رئيس مكتب التأثير في لومبار أودييه، البنك السويسري الخاص: "يتم التحكّم في نحو 70 في المائة من انبعاثات الكربون في أمريكا على مستوى الولايات. حكومات الولايات المتضررة بشكل مباشر من خطر المناخ، بما في ذلك كاليفورنيا وفلوريدا، والولايات التي تستفيد من ثورة الطاقة المتجددة، مثل تكساس، ستستمر في تنفيذ سياسات المناخ والمضي قُدماً بالأجندة".
ويل أولتون، الرئيس العالمي للاستثمار المسؤول في فيرست ستيت إنفستمنتس، فرع إدارة الأصول الذي يدير 207 مليارات دولار أسترالي في بنك الكومنويلث الأسترالي، يقول إن إعلان ترمب نفسه لم يكُن صدمة كبيرة نظراً لبياناته قبل الانتخابات، لكن قوة رد الفعل من الحلفاء الدوليين، وحكومات الولايات الأمريكية، والشركات، كانت مفاجأة.
ويقول إن ترمب "لا ينسجم" مع المستثمرين. ويضيف: "تغير المناخ يُمثّل مخاطر مالية أساسية، لكنه سيوفّر أيضاً فرصا استثمارية مهمة في الأعوام القادمة، سواء كانت الولايات المتحدة داخل أو خارج اتفاق باريس".
لكن أولتون يُحذّر أيضاً من أن تحوّل السياسة يُمكن أن يؤثر على بعض الشركات التي لديها آفاق زمنية قصيرة جداً. ويقول: "قد يكون هناك بعض من الذين يستخدمون هذا الموقف على أنه سبب للتراجع عن الاستثمار في مستقبل الكربون المنخفض، لكن هذا لن يحدث لأغلبية الشركات".
عند الإعلان عن قراره بالانسحاب من اتفاق باريس في بداية حزيران (يونيو)، أشار ترمب إلى توقعات من شركة الأبحاث الاقتصادية الوطنية، الشركة الاستشارية الأمريكية، التي تتوقع أن الاقتصاد الأمريكي يُمكن أن يخسر 6.5 مليون وظيفة صناعية بحلول عام 2040 إذا بقيت ملتزمة بالاتفاق.
وزعم الرئيس أيضاً أن إنتاج الفحم والغاز الطبيعي سوف ينخفض بنسبة 86 في المائة و31 في المائة على التوالي إذا لم تنسحب الولايات المتحدة من التزاماتها لاتفاق باريس.
جيم ماكوجان، الرئيس التنفيذي لشركة برينسيبال جلوبال إنفستورز، شركة إدارة الأصول متعددة الشركات القائمة في دي موين، يقول إن ترمب يُريد تعزيز صناعة الفحم في الولايات المتحدة وتشجيع إنتاج النفط على اليابسة، لكن الناخبين في جميع أنحاء العالم المتقدم أظهروا أنهم لن يتسامحوا مع تلوث الهواء والماء.
ويقول: "طلبات المستهلكين والناخبين سوف تتغلّب على أي رغبة على المستوى الفيدرالي بعدم المشاركة في اتفاق باريس".
ويشعر ماكوجان أيضاً بأن سياسة ترمب "أمريكا أولاً" تتجاهل حقيقة أن الشركات الأمريكية تتنافس في اقتصاد عالمي. ويقول: "لإرضاء زبائنها وشركائها في الخارج، سيكون على الشركات الأمريكية الامتثال للمعايير البيئية الدولية".
ويرى لو دوك أن تحوّل سياسة ترمب يمكن أن يوفر "اندفاعا رائعا" على المدى القصير لشركات إنتاج الفحم، لكنه "لن يكون قادراً على منع التدهور الهيكلي لصناعات الوقود الأحفوري التي لم تعد صالحة للغرض".
ويُشير أيضاً إلى أن كثيرا من التكنولوجيات والمنتجات التي تطوّرت للمساعدة في تحقيق التحوّل نحو مستقبل مستدام بيئياً لم تعُد تعتمد على المساعدات الحكومية أو الدعم التنظيمي.
هذه وجهة نظره يُرددها ماكوجان. فهو يُشير إلى أن التحسينات في تكنولوجيا البطاريات تعني أن الطاقة الشمسية أصبحت ذات قدرة تنافسية مع الوقود الأحفوري من حيث الأسعار.
يقول ماكوجان: "المنافسة ستُساعد في جعل الاقتصادات خضراء ونظيفة".
الانسحاب من اتفاق باريس ليس أول قرار لرئاسة ترمب يُثير الجدل بيئياً. في شباط (فبراير)، وقّع مذكرة تدعم استكمال خط أنابيب داكوتا أكسس الذي تبلغ تكلفته 3.7 مليار دولار، على الرغم من احتجاجات قبيلة ستاندينج روك سيوكس (من السكان الأصليين) التي تخشى أن المشروع سوف يلوّث مياه الشرب ويُلحق الضرر بمواقع الدفن المقدسة.
وهذا دفع نورديا، شركة إدارة الأصول الاسكندنافية، إلى منع مديري محافظها من الاستثمار في الشركات التي تبني خط الأنابيب الذي ينقل النفط من حقول باكن في داكوتا الشمالية إلى إلينوي. توماس سورنسن وهينينج بادبرج، المديران المُشاركان في صندوق أسهم تغير المناخ والبيئة التابع لشركة نورديا لإدارة الأصول، يقولان إن قرار ترمب برفض اتفاق باريس يعد "ضربة واضحة"، لكنه لن ينتقص من الحوافز لكل من المستهلكين والشركات للاستثمار في الشركات المستدامة بيئياً.
ويقول سورنسن: "الشركات في أنحاء العالم كافة تضع أهدافا طموحة لتوفير الطاقة، والمواد والموارد. هناك فهم على نطاق واسع للغاية بأن زيادة الاستدامة هي أمر حيوي من أجل الحفاظ على القدرة التنافسية".

