كيف نحمي محدودي ومتوسطي الدخل من التضخم؟

|

قد يستغرب البعض الحديث عن حماية شرائح المجتمع الدنيا والمتوسطة الدخل من التضخم، في الوقت الذي تظهر آخر الإحصاءات الرسمية انخفاضه للشهر الخامس على التوالي بنهاية أيار (مايو) الماضي (-0.7 في المائة). لإزالة هذا اللبس؛ يجري الحديث الآن عن التضخم المرتقب في تكاليف المعيشة، والمتوقع أن يتأرجح بين 5 إلى 6 في المائة خلال الأعوام القليلة المقبلة، وبعض السيناريوهات تتوقع بلوغه 8 في المائة، تأتي تلك التطورات كنتيجة لبدء تطبيق الضريبة الانتقائية خلال الشهر الجاري، ثم تحرير أسعار استهلاك الطاقة محليا، وتحصيل رسوم العمالة الوافدة خلال الشهر المقبل، ومع مطلع 2018 سيتم بدء تطبيق ضريبة القيمة المضافة (5.0 في المائة)، على جميع المنشآت والمؤسسات التي تزيد إيراداتها على 375 ألف ريال، ثم تبدأ جولة أخرى إذا دعت الضرورة إلى مزيد من تحرير أسعار استهلاك الطاقة مع مطلع عام 2019، سيتزامن معها هذه المرة إعادة تسعير الاستهلاك السكني للمياه، وسيتكرر الأمر أيضا بحلول عام 2020م.
كما تمت الإشارة إليه في المقال الأخير (التضخم والنمو الاقتصادي)، يُعد استقرار معدل التضخم في مستويات أعلى من معدلات النمو الحقيقي للاقتصاد طوال الأعوام القليلة المقبلة، تحديا تنمويا جسيما، سيكون له آثار مؤلمة على الاقتصاد والقطاع الخاص تحديدا، والمجتمع بوجه عام، وسيُنظر إلى ما سيؤول إليه معدل البطالة بين العمالة الوطنية، واحتمال تأثّره سلبا مع حالة الانكماش المتوقعة على أداء منشآت القطاع الخاص، التي ستواجه تحديات جسيمة خلال الأعوام القليلة المقبلة، بدءا من ارتفاع تكلفة الإنتاج نتيجة تحرير أسعار استهلاك الطاقة محليا، إضافة إلى ارتفاع تكلفة تشغيلها للعمالة الوافدة، إضافة إلى ضريبة القيمة المضافة، وانعكاس كل تلك المتغيرات على هوامش الأرباح المهددة بالانكماش، ما قد يُضعف قدرتها على توليد الوظائف أمام الباحثين عنها من المواطنين والمواطنات، دون أن ننسى الانكماش المتوقع في القوة الشرائية؛ نتيجة إمّا انخفاض السكان غير السعوديين لعديد من الأسباب المعلومة لدى الأغلبية، لعل من أهمها ترحيل شريحة واسعة من العمالة الوافدة لأُسرها المرافقة، أو لإعادة أرباب الأُسر من السعوديين لإنفاقهم الشهري، نتيجة الارتفاع المرتقب على تكاليف المعيشة نتيجة لتحرير أسعار استهلاك الطاقة محليا والضريبتين الانتقائية والقيمة المضافة.
قامت الدولة بوضع حزام للحماية الاقتصادية والاجتماعية "حساب المواطن"، يستهدف مساعدة الشرائح الاجتماعية الأدنى والمتوسطة الدخل على التكيّف مع الآثار العكسية المحتملة لارتفاع تكلفة المعيشة، ولا يعلم حتى تاريخه عن حجم الدعم النقدي المباشر المتوقع دفعه لتلك الأُسر المستحقة، لعدم إعلان السياسات والإجراءات وحجم الدعم المستحق حتى تاريخه، ويؤمل أن يأتي كافيا وملائما على أرض الواقع. هنا نحاول معا استقراء الكيفية التي يمكن بالفعل أن تؤدي إلى نجاح هذه الحماية الاجتماعية والاقتصادية والمالية المستهدفة، التي تأكّد لدى الجميع الأهمية القصوى للقيام بها، بعد أن ثبت أن السياسات السابقة باعتماد الدعم المعمم، أفضتْ إلى استفادة الأفراد والأُسر الغنية غير المستحقة أصلا له أكثر بكثير من الأفراد والأسر المستهدفين في الأصل به!
أظهرتْ دراسة بنود أو مكونات التضخم، أنّ ارتفاعه بأي نسبة كانت، أن ضغوطه المعيشية تأتي بنسب مضاعفة على ذوي الدخل الأدنى أو المتوسط. بافتراض ارتفاع معدل التضخم إلى نحو 8.0 في المائة على سبيل المثال، كنتيجة لما تقدّم ذكره أعلاه من تحرير لأسعار استهلاك الطاقة، وفرض للضرائب الانتقائية، إضافة إلى الرسوم الجديدة على العمالة الوافدة، وانعكاساتها المباشرة وغير المباشرة على تكاليف معيشة أفراد المجتمع، تؤكد بيانات بنود التضخم حسب أوزانها النسبية في المعدل، وحسب أوزانها في متوسط إنفاق الأسرة السعودية الشهري حسب مجموعة الإنفاق الرئيسة وفئة الإنفاق الشهري، أن معدل التضخم بالنسبة للأُسر التي يأتي إنفاقها من 3.0 آلاف ريال شهريا فما دون، سيتأرجح معدل التضخم الواقع عليها بين 28 في المائة كحد أدنى إلى 34 في المائة كحد أعلى، بينما سيتأرجح التضخم على الأُسر التي يقع متوسط إنفاقها الشهري بين 15 ألف ريال إلى 3.0 آلاف ريال فأعلى بين 10.4 في المائة كحد أدنى إلى 15.1 في المائة كحد أعلى، وأن يتأرجح التضخم بالنسبة لذوي الإنفاق الشهري بين 25 ألف ريال إلى 15 ألف ريال فأعلى بين 7.2 في المائة كحد أدنى إلى 8.1 في المائة كحد أعلى، ويتناقص معدل التضخم تدريجيا لمن يبلغ متوسط إنفاقهم شهريا 25 ألف ريال فأعلى من 8.1 في المائة إلى أن يتلاشى تقريبا لأصحاب الدخل المرتفع جدا.
وحسبما ذكرت في المقال الأخير (التضخم والنمو الاقتصادي)، أنه يوجد عديد من الخيارات الأخرى أو الإضافية، التي سيمكن تفعيلها من زيادة قدرة الأسر ذات الدخل الأدنى والمتوسط على التكيّف مع تلك التطورات والمتغيرات المعيشية المرهقة، بل يمكن حتى توظيفها في اتجاهات قد تتيح لها مستويات معيشة أفضل بكثير مما كانت عليه سابقا، واللافت في هذه الخيارات الأخرى أنها لا تتطلب دفع مزيد من الأموال من طرف الدولة، بل على العكس تماما؛ ستؤدي إلى زيادة إيراداتها غير النفطية، وفي الوقت ذاته ستنعكس إيجابياتها العديدة على كثير من المتغيرات ذات العلاقة. أشرت إليها في المقال الأخير؛ أنها ذات العلاقة بإصلاح تشوهات السوق العقارية المحلية، والإسراع بها.
يشكل السكن (إيجار سنوي، أقساط شراء) وزنا نسبيا عاليا جدا في ميزانية الأسر، تراه يرتفع كلما انخفض متوسط دخل الفرد، يصل إلى نحو 63 في المائة للأسر التي دخلها 3.0 آلاف ريال شهريا فما دون، ويتأرجح بين 44 في المائة ونحو 34 في المائة للأسر متوسطة الدخل، وبحال نجحت سياسات إصلاح تشوهات السوق العقارية كما هو مأمول لا كما هو معمول به الآن من قبل وزارة الإسكان، فإن انخفاض تكلفة السكن (شراء، أو إيجار) بنسبة 35 في المائة، سيؤدي إلى عدم ارتفاع التضخم على الأسر ذات الدخل الأدنى أو المتوسط بأكثر من 2.0 في المائة سنويا، وكلما انخفضت تكلفة السكن بأعلى من 35 في المائة، كلما أسهم ذلك في زيادة قدرة أفراد وأُسر المجتمع على امتصاص الصدمات التضخمية بصورة أكبر، وهي الخيارات المناسبة التي تتوافر لدى الأجهزة الحكومية القائمة على برامج تحول الاقتصاد الوطني، ولم يتم الاستفادة منها حتى تاريخه! وكم هو مهم جدا الاعتماد عليها بدرجة كبيرة في هذا الشأن، خاصة أنها لن تكلّف ريالا واحدا على كاهل ميزانية الدولة، بل على العكس تماما، سينتج عنها تدفقات هائلة لإيرادات الدولة، يمكن العودة إلى تفاصيل تحققها في مقال آخر بإذن الله تعالى. والله ولي التوفيق.

إنشرها