الاحترافية في السوق العقارية

|
عندما نتحدث عن الاحترافية فلا بد من توضيح معناها، حيث إنها تطلق اليوم بشكل عشوائي بعض الشيء ويحاول أن ينتسب للاحتراف في مجال معين عديد من الأشخاص، وغالبا ما يطلق وصف المحترف على الشخص الذي يمتهن مجالا معينا ويستطيع أن يحصل على دخل مقابل تقديم خدمات ومهارات تتعلق بالمجال الذي امتلك خبرة فيه، ويوضح بينيون في كتابه "أخلاقيات المحترف" ستة عناصر، التي في حال توفرها في مجال أو مهنة معينة من الممكن أن يطلق على ممتهنيها صفة الاحترافية، ولذلك سأحاول توضيح هذه العناصر الستة كذلك محاولة تطبيقها على واقع المهن العقارية، لكن تجدر الإشارة إلى أن مهنة التقييم العقاري قد تطورت بشكل ملحوظ خلال السنوات الخمس الماضية، التي كان للهيئة السعودية للمقيمين المعتمدين دور مهم في هذا التحسن والتطوير، ولذلك سيكون التركيز في هذا المقال على المهن العقارية الأخرى، التي تحتاج إلى أن يتم الالتفات لها لوضع الأسس السليمة لاحترافيتها، وذلك لأن السوق العقارية السعودية تحتاج إليها بشدة مثل الوساطة العقارية وإدارة الأملاك والمرافق ووساطة التمويل العقاري، وغيرها من المهن التي تعد أساسا في رقي وتطور أسواق العقار على مستوى العالم، ويرى بينيون أن العناصر الستة إذا توافرت في مجال معين جعلت منه مهنة احترافية بشكل واضح وجلي، وتتلخص فيما يلي: وجود القاعدة المعرفية والأكاديمية، ووجود الخبرات والممارسة، وتوفر الخدمات الاستشارية في المجال، وأصالة الخدمات، ووجود مؤسسة أو هيئة تمثل أهل المهنة وتوفر ميثاقا لأخلاقيات وسلوكيات المهنة. أما من حيث توفر القاعدة الأكاديمية والمعرفية فتعني وجود هيكل تعليمي منظم ومواد دراسية تجمع بين تعزيز المهارات العملية على أرض الواقع، وكذلك المعرفة والأسس النظرية، التي يجب أن تخضع للاختبار بحيث لا تحسب الساعات الدراسية لمصلحة الدارس إلا بعد تجاوزه للامتحان، وهناك عديد من الطرق المناسبة لطرح مثل هذه البرامج الأكاديمية، التي من الممكن أن تراعي عدم تفرغ بعض العاملين في المجال الذين يرغبون في الحفاظ على أعمالهم وفي نفس الوقت تطوير مهاراتهم ومعرفتهم، وفي هذا الصدد سيكون للهيئة العامة للعقار المزمع بدء عملها قريبا دور مهم في ربط المهن العقارية بأساس علمي ومعرفي متين، حيث جاء في لوائح وأنظمة تنظيم الهيئة أنه من ضمن اختصاصها "العمل على توفر التدريب والتأهيل اللازمين للمرخص لهم بمزاولة الأنشطة العقارية وللعاملين في هذه الأنشطة"، وكإحدى مبادرات وزارة الإسكان تم إقرار إنشاء المعهد العقاري السعودي، الذي يسعى القائمون عليه إلى تأصيل المعارف العقارية، وفقا لأفضل الممارسات العالمية، ولكن بقالب محلي يتناسب مع الوضع الحالي للسوق والمهن التي تتطلبها. أما من حيث توفر الخبرات والممارسات، فلا شك أن في السوق العقارية السعودية بعض المؤهلين، الذين يقدمون خدمات عقارية جيدة، لكن دورهم محدود بسبب وجود العشوائية وضعف تنظيم المجال، وحاليا يحق لأي كان أن يطلق على نفسه خبيرا ومحترفا عقاريا دون وجود أساس علمي وعملي لهذا الوصف، وبهذا ضعفت ثقة المتعاملين بالسوق بشريحة من يسمون أنفسهم خبراء ووسطاء عقاريين واختلط على طالب الخدمة الصالح والطالح وبهذا خسرت السوق هذا المجال الحيوي، بل مع الأسف وصل الحال بوصم من يعمل بالمجال العقاري بأوصاف لا تليق بسبب الممارسين غير المؤهلين الذين أضروا هذا المجال كثيرا. وبعد أن يثق المتعاملون بالسوق في الأساس المعرفي ووجود الخبرات المناسبة سيكون هنالك طلب على الخدمات الاستشارية التي تعد من سمات تطور الاحترافية في السوق العقارية، وهذا ما يعول عليه العاملون في المجال العقاري بأن تقوم الهيئة العامة للعقار بدور مهم في رفع الثقة للمتعاملين مع أصحاب المهن العقارية من خلال مراقبة الأنشطة العقارية والتأكد من التزام جميع العاملين بالأنظمة وأخلاقيات المهنة، ولهذا عندما طرح بينيون عنصر أصالة المهنة كان المقصد أن يكون لدى أصحاب المجال الوعي الكافي ليستشعروا أهمية الخدمات التي يقدمونها للمجتمع وأنهم جزء من منظومة اجتماعية واقتصادية لا بد أن يسهموا في تنميتها وتحسينها من خلال مجالهم. ومن أهم العناصر وجود مؤسسة أو هيئة أو جمعية لتنظيم وتمثيل العاملين في مجال معين، وهنا ستكون الهيئة العامة للعقار، التي نشرت لوائحها وأنظمتها في جريدة أم القرى في تاريخ 1438/5/5هـ، وقد أعطت هذه اللوائح والأنظمة عديدا من الصلاحيات للهيئة لضمان رفع مستوى الاحترافية وجودة العمل، ولذلك المسؤولية كبيرة على من سيتولى هذا الملف لإعادة هيكلة المهن العقارية ورفع مستوى الكفاءات الوطنية في السوق العقارية السعودية، وكذلك سيكون من مسؤولية الهيئة توفير العنصر السادس وهو إيجاد ميثاق لأخلاقيات وسلوكيات أصحاب المهن العقارية، حتى يعزز الثقة في المتعاملين في السوق العقارية ويصبحوا خير معين لمن يرغب بالحصول على جودة عالية من الخدمات العقارية.
إنشرها