بعد مرور ثلاث سنوات على الأزمة المالية العالمية، بدأ المطورون في بيع أول الشقق "الفاخرة جدا" في برج "وان 57"، وهو برج زجاجي جميل مكون من 90 طابقا على امتداد الجانب الجنوبي من سنترال بارك في نيويورك، وهو من تصميم المهندس المعماري الفرنسي كريستيان دي بورتزامبارك.
أحدث ذلك ضجة كبيرة. في غضون ستة أشهر، بيع نصف الشقق السكنية في البرج بأسعار وصلت إلى ملايين الدولارات للشقة. في عام 2013 وافق تكتل من الشركات برئاسة مدير صندوق التحوط، بيل آكمان، على دفع 91.5 مليون دولار لشراء مجمَّع يضم عددا من الشقق ضمن المبنى، مساحته 1250 مترا مربعا. قال آكمان في مقابلة أجريت معه "إنه ليست لديه مخططات للعيش في ذلك المجمَّع". فقد كان يعتزم هو وأصدقاؤه بيعه مرة أخرى بسعر أعلى بعد عقد عدة حفلات فيه. تم بيع مجمَّع آخر بسعر يزيد على 100 مليون دولار.
لكن القصة مختلفة اليوم. شركة التطوير، إكستيل، تعمل الآن على بيع الشقق المتبقية في برج "وان 57" بخصومات متزايدة. في العام الماضي تمكن مشتر من تخفيض مبلغ 12.7 مليون دولار من السعر المطلوب لواحدة من الشقق، ومن المقرر تنظيم مزاد في الأسبوع المقبل لاسترداد شقة أخرى بيعت أصلا بمبلغ 21.4 مليون دولار.
الوضع الذي آل إليه برج "وان 57" يشير إلى حدوث ركود اجتاح "صف أصحاب المليارات" - وهو منطقة تضم أبراجا جديدة جنوب سنترال بارك عملت على إعادة تشكيل أفق المدينة في السنوات الأخيرة - وما تبقى من الأسواق الفاخرة التي كانت ساخنة للغاية في الماضي في نيويورك.
ويشعر المطورون من ذوي المستوى الراقي في المدن الأخرى بذلك الركود أيضا. طفرة الازدهار العالمي التي دامت خمس سنوات في سوق العقارات الراقية جدا التي عملت على تغيير وجه المدن، بدءا من فانكوفر وصولا إلى شنغهاي، تبدو كأنها تنتهي على شكل تخمة عالمية. في نيويورك ولندن فقط، يحاول السماسرة بيع عشرات الآلاف من الشقق الفاخرة وسط هبوط حاد في الأسعار.
يقول أندرو جيرينجر، العضو المنتدب في شركة الاستشارات السكنية "مديرو التسويق" في نيويورك "نحن الآن في منطقة لم يسبق لها مثيل من حيث أعداد المنازل الكبيرة. لا أحد يعلم كيف كان ظهور كثير من أصحاب المليارات وأنصار حكم القلة، لكن في الواقع كانت سوقا محدودة جدا".
أفرزت حمى إنشاء المباني الفاخرة عددا يفوق الحد من المباني، وتحولت المواقف السياسية لتعمل ضد القطاع. حاولت الصين تضييق الخناق على الأموال المتدفقة إلى الخارج، في الوقت الذي عملت فيه أسعار النفط المنخفضة والعقوبات المفروضة على كبح جماح المشترين الروس. وتفرض المدن في كل أنحاء العالم ضرائب جديدة على مشتري العقارات الأجانب، وهناك تدقيق متزايد على عمليات غسل الأموال من خلال العقارات الفاخرة. وأشار كل من عمدة لندن وعمدة نيويورك إلى الأبراج السكنية اللامعة على أنها رموز للتفاوت وسط نقص مزمن في الإسكان الميسور.
ويأمل جاري بارنيت، رئيس "إكستيل"، أن الحفلة لم تنته بعد بالنسبة إلى مطوري العقارات الراقية. ويقول "العالم بأسره يريد حقا امتلاك شقة في نيويورك".
نشر الثروة
بدأت طفرة الشقق الفاخرة بعد مرور فترة قصيرة على الصدمات التي حصلت في عام 2008، عندما لاحظ مطورو العقارات أن صفوف الأثرياء آخذة في التزايد على الصعيد العالمي – وكذلك شهيتهم في الحصول على العقارات وغيرها من الأصول المادية.
يقول ونستون تشيسترفيلد، مدير شركة ويلث إكس للأبحاث "على مدى السنوات العشر الماضية، شهدنا اقتناء بلدان مختلفة على مستوى العالم ثروات هائلة - في شرق آسيا، وفي الشرق الأوسط، ولا سيما في المدن الكبرى".
ازداد عدد الأشخاص الذين يمتلكون أصولا بقيمة 30 مليون دولار أو أكثر بنسبة 68 في المائة في العقد المنتهي في عام 2015، ليصل إلى 212600 شخص، بحسب "ويلث إكس". وبلغ عدد من "الأغنياء المتواضعين نسبيا" - أي الذين يمتلكون أصولا قابلة للاستثمار تبلغ قيمتها مليون دولار أو أكثر - رقما قياسيا بلغ 15.4 مليون شخص في عام 2015، مرتفعا من 10.9 مليون شخص في عام 2010، وفقا لـ "كابجيميني".
وعملت سلسلة من المشتريات التي احتلت عناوين الصحف على لفت الانتباه إلى ذلك الاتجاه. اشترت شركة ترتبط بعائلة ملياردير البوتاس الروسي، ديمتري ريبولوفليف، شقة في 15 سنترال بارك وست في عام 2011 بقيمة 88 مليون دولار، وهو رقم قياسي في نيويورك في ذلك الحين. في العام نفسه، اشترى رومان إبراموفيتش، المالك الروسي لنادي تشيلسي لكرة القدم، قصرا يعود تاريخه إلى القرن السابع عشر بالقرب من قصر كينجستون في لندن مقابل 90 مليون جنيه استرليني.
يقول فريدريك بيترس، الرئيس التنفيذي لشركة واربورج ريالتي العقارية في مانهاتن "في أعقاب بعض الصفقات الباهظة التي تمت مع مشترين روس، كانت هناك توقعات بأنها ستكون سوقا أكثر عمقا بالنسبة إلينا".
لم يقتصر المشترون على الروس فقط. فقد اكتشف وكلاء العقارات في لندن سوقا مجزية بين الآسيويين حديثي الثراء، فأقدموا على تسويق عقارات بأسعار أقل - لكنها لا تزال باهظة الثمن بحسب المقاييس المحلية - من خلال عروض متنقلة في بكين وشنغهاي وهونج كونج وكوالالمبور وسنغافورة.
شهد هؤلاء المشترون توسعا في ثرواتهم في الوقت الذي ارتفعت فيه قيم الأصول العالمية نتيجة برامج التسهيل الكمي التي تطبقها البنوك المركزية. في عالم يتسم بانخفاض حجم العائدات، دفع البحث عن عائدات أكبر إلى دخول مبالغ طائلة من الأموال إلى سوق العقارات.
ولأن المصارف أخذت في الانسحاب من سوق الإقراض العقارية، بدأت صناديق التحوط ومجموعات الأسهم الخاصة في تمويل مشاريع التطوير العقاري. ولإرضاء المستثمرين لديها، كانت الصناديق بحاجة إلى تلك العائدات الأعلى التي قدمها قطاع الشقق الراقية. وكثير من المشترين - مثل آكمان – كانوا ينظرون إلى عقاراتهم على أنها استثمارات، وليست منازل للسكن. وثمة عامل آخر هو التحول نحو الأصول التي يتصور أنها آمنة، في الوقت الذي كان فيه الأثرياء ينقلون رؤوس أموالهم إلى خارج الصين وروسيا وبلدان الشرق الأوسط التي شهدت انتفاضات "الربيع العربي".
يقول جوناثان ميلر، رئيس شركة ميلر صمويل الاستشارية التي يوجد مقرها في نيويورك "كان أساس كثير من هذا التطور هو هرب رؤوس الأموال. كنا نؤسس أغلى صناديق الإيداع الآمن في العالم. كل ما عليك هو أن تضع ممتلكاتك القيمة في شقة ما دون أن تزورها أبدا".
مع ذلك، يمكن لمثل هذه التدفقات الرأسمالية أن تتلاشى سريعا. مثلا، أنفق المشترون من الصين وهونج كونج وتايوان مبالغ بحدود 27 مليار دولار لشراء المنازل في الولايات المتحدة في آذار (مارس) من عام 2016، وفقا للجمعية الوطنية للوسطاء العقاريين، لكن يقول الوكلاء "إن أعداد المشترين من البر الصيني الرئيسي آخذة في التقلص، لأن رؤوس الأموال المتجهة إلى الخارج تواجه رقابة أكثر صرامة من قبل بكين".
وتعرض المشترون الروس للضرر بسبب انخفاض أسعار النفط والعقوبات المفروضة بعد غارات على شرقي أوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم، فضلا عن انخفاض قيمة الروبل 43 في المائة مقابل الدولار في عام 2014. يقول ميلر "غزا الروس أوكرانيا في عام 2014، وكان ذلك ذروة البناء الجديد هنا في مدينة نيويورك". ويضيف بيترز أن "مشتريات الروس للمنازل في نيويورك بعد ذلك اضمحلت حتى اقتربت من الصفر تقريبا".
كانت النتيجة هي وجود عدد كبير عالق من المنازل المبنية حديثا في الوقت الذي تراجع فيه الطلب - ووجود رافعات في سماء المدن، مثل نيويورك، بحيث أعادت إلى المشترين المحتملين قدرتهم التفاوضية الجديدة مع المطورين. ويقدر ميلر أن في مانهاتن أكثر من 12300 وحدة سكنية غير مبيعة، إما أنها مبنية، وإما قيد الإنشاء، أو قيد التخطيط، مقابل مبيعات تقارب 1400 وحدة في عام الواحد. والأرقام في لندن مماثلة: وفقا لمزود البيانات "موليور لندن"، منذ عام 2014 تجاوزت مشاريع البناء في لندن المبيعات بمقدار 13500 وحدة.
ويسعى المطورون إلى بيع أكبر قدر من الوحدات السكنية "على المخطط" للمساعدة على تسديد تكاليف البناء، والمبيعات التي من هذا القبيل تكون غالبا أحد شروط قروض البناء. مع ذلك، من المقرر إنجاز مزيد من الوحدات السكنية غير المبيعة هذا العام في لندن أكثر من أي مكان آخر على مدى العقد الماضي، بحسب ما تقول "سافيلز". وتقدر وكالة العقارات أن 58 في المائة من الطلب في لندن يتركز على منازل سعرها أقل من 4850 جنيها لكل متر مربع، لكن 25 في المائة فقط من المنازل التي يجري بناؤها تكون بمثل هذا الثمن.
قال معهد بحوث السكان الأسترالي العام الماضي "إن ملبورن وسيدني واجهتا فائضا في عرض الشقق شاهقة الارتفاع، مع نحو 22 ألف شقة كان من المقرر أن يكتمل بناؤها في المدينتين في عام 2016 والعدد نفسه من الشقق في عام 2017". وفي سوق العقارات السكنية "الراقية" في دبي، العرض يفوق الطلب، بحسب شركة فيدار الاستشارية. وفي سنغافورة حذر ديريك هينج، وهو محلل عقارات في "ماي بانك كيم إنج"، في العام الماضي من أن "سوء توزيع رأس المال في قطاع العقارات" تسبب في حدوث فائض في العرض.
تفاقم الوضع
يقدم مطورو العقارات الفاخرة حوافز سخية للمشترين المحتملين، بدءا من خصومات على الأسعار وحوافز ضريبية، وصولا إلى بطاقات هدايا وتذاكر حضور فعاليات رياضية ومجموعات أثاث. أحد مشاريع التطوير شمالي لندن يتباهى بأنه يقدم سيارة مجانية لكل مشتر. يقول هنري بريور، وهو وكيل شراء عقارات في لندن "إضافة إلى خصومات "اشتر واحدة واحصل على الأخرى مجانا"، لست متأكدا ما الذي يمكنهم فعله أيضا".
أدى ذلك إلى تعريض المطورين إلى ضغط مالي، خاصة الذين اشتروا الأراضي بعد ارتفاع الأسعار بشكل كبير. في نيويورك يقول جيرينجر "إنه تلقى مكالمات هاتفية مليئة بالخوف من المصارف التي حلّ موعد تسديد قروضها لمخططات مشاريع الوحدات السكنية الفاخرة جدا، حيث لا يستطيع المطورون تسديدها بسبب قلة المبيعات".
لم يحدد جيرينجر المصارف التي تواجه تلك المشكلة. لكن معظم المصارف النشطة في سوق نيويورك للوحدات السكنية في السنوات الأخيرة هي من المصارف الموجودة في الخارج.
وبحسب جيرينجر "تقول المصارف: ما المبلغ الذي تستطيعون الحصول عليه من تأجير المساكن؟ لكنك تحتاج ما بين 50 ألفا إلى 100 ألف دولار من الأجرة شهريا لتجعل الأمر مجزيا من الناحية المالية، ولا يمكنك تأجير 50 وحدة سكنية راقية بمثل تلك الأسعار. كان بإمكانهم أن ينتبهوا لهذا الأمر قبل ثلاث أو أربع سنوات".
ويوفر بعض المقرضين "قروضا بضمان وحدات السكن" لتحل مكان قروض الإنشاء والبناء التي قد تتعرض للإعسار خلافا لذلك، ما يؤدي إلى ترك المطورين يعانون تكاليف اقتراض أعلى، بحسب جيرينجر. وبدأت صناديق التحوط أيضا في إثارة مخاوف العام الماضي. يقول ميلر "كانوا مصابين بالذهول والحيرة والارتباك فيما يتعلق بالعرض المفرط".
على الأغلب، استثمار حقوق الملكية الخارجية يعني أن الأرباح التي سيحصل عليها المطور مرتبطة بمبيعات آخر الشقق القليلة ضمن مبنى معين. ويضيف ميلر "لا يعني هذا أن المطورين سيتعرضون للإفلاس، لكن يتعين عليهم مراجعة توقعات أرباحهم. إن كنتَ قد اشتريتَ الأرض قبل عامين فقط، فسيكون الأمر صعبا".
شهدت شركة إكستيل، مطورة مشروع "وان 57" ومشاريع أخرى في نيويورك، طفرة في عائدات سنداتها المدرجة في تل أبيب العام الماضي، ما اضطر بارنيت للسفر إلى إسرائيل لطمأنة المستثمرين.
ويواجه المطورون أيضا مشكلة أخرى: استخدام منتجاتهم رموزا واضحة تدل على التباين الاجتماعي والفساد. في فانكوفر وسيدني استجابت الإدارات المحلية من خلال فرض ضرائب لردع المشترين الأجانب. واتخذت الولايات المتحدة تدابير لمواجهة مشكلة غسل الأموال في القطاع: ارتبطت شقق نيويورك الفاخرة بفضيحة 1MDB في ماليزيا، مثلا.
في آذار (مارس)، اختار بيل دي بلاسيو، عمدة نيويورك، "432 بارك أفنيو"، أطول مبنى سكني في العالم، ليكون خلفية لمؤتمر صحافي يدعو إلى فرض ضريبة على مبيعات الشقق التي تفوق قيمتها 2.5 مليون دولار. قال دي بلاسيو، وهو يقف بجانب امرأة متقاعدة تحدثت عن عدم قدرتها على تحمل تكاليف شراء منزل في المدينة "إن المبنى مثال على الثروة التي تدعو إلى التباهي".
ريتشارد وولجرين، نائب الرئيس التنفيذي للمبيعات والتسويق في شركة ماكلو للعقارات، يرد بأن المبنى "432 بارك أفنيو" هو "مولِّد هائل للضرائب لمدينة نيويورك".
لكن باريكا وليامز، نائبة مدير جمعية تطوير الأحياء والسكن في نيويورك، تقول "الناس يشعرون بالإحباط (...) لأن لديهم عددا كبيرا جدا من المساكن الجديدة في الجوار لا تقع ضمن قدرتهم وأسعارها غير معقولة".
حتى في الوقت الذي يعترك فيه مطورو العقارات الفاخرة مع الركود الاقتصادي، يسأل النشطاء إن كان هناك شيء أصلا يقدمه هؤلاء المطورون للمجتمعات المحلية المحيطة.
تقول وليامز "تقريبا جميع هذه المشاريع الجديدة تحصل على إعفاءات ضريبية من مدينة نيويورك ومن ولاية نيويورك. نحن نعطي العوائد والحسومات إلى هذه المشاريع – السؤال هو ما الذي يمكن أن نفرض عليهم أن يعطونا إياه في المقابل"؟


