ثقافة وفنون

من أعشاش «المخاضرة» إلى جنوب جدة.. قليل من الحزن يكفي

كم جميل أن تقع يدك على رواية تاريخية ثقافية تنبش من الماضي الدفين ذكريات تلامس مشاعر كل من عاشها أو سمع عنها، تنفض غبار الأيام المعاصرة التي لا ترتبط مع العصر الغابر إلا بحبل يتأرجح ويتهالك مع ابتكارات تحاول السيطرة علي العقول لقطع حبل صرة الماضي بكل أحداثه وذكرياته. لكن هذه الحرب تفشل أحيانا كثيرة، فتأتي الذكريات شامخة رافعة رأسها بأحداث تجعلك تبتسم وتفرح وأنت تقرأها، كما حصل مع من قرأ رواية «جنوب جدّة شرق الموسم» للروائي السعودي عمرو العامري، لتجد نفسك منصهرًا داخل حروفها فتصبح إنسانا معاصرا بلحظات تبدو من الماضي البعيد بل والموغل في القدم، فيها كثير من طيبة الزمان وبساطة المكان.
في هذه الرواية يكتب العامري عن "المخاضرة" (والمخاضرة هم أفراد وجماعات يغادرون قراهم أيام الحصاد بحثا عن الرزق، بعضهم له مستقر يعود إليه وآخرون جوالون أشبه بالغجر الرحل في بلاد أخرى) الذين ابتلعتهم الأيام حتى كأنهم ما عادوا هناك كما أننا اليوم هنا. اختفى ضحكهم وغناء حناجرهم وركض أطفالهم.. واختفت حتى مواسمهم.
يسلط الضوء على شخصية محسن الذي عاد بالزمن خمسين عاماً ليرافق خاله حسين في رحلة انكساراته، خاله حسين الذي سافر غاضبا من كل شيء مخلفا ومتخليا عن كل شيء، كان يدافع عن قضيته الأولى في زمن لم تكن فيه كثير من القضايا وهي قضية قلبه.
يستهل الكاتب روايته بسرعة الزمان الذي يؤثر في حياتنا فيقول: "مخطئون لو كنا نظن أن المايكرويف في المطابخ فقط، حياتنا أيضا تتعرض لعملية مايكرويف هائلة جدا وبأقصى ما يكون".

ليالي الفرح
يأخذنا العامري في روايته إلى أعشاش المخاضرة حيث الكل يرقص ويلهو ويغني، يصف لنا أصواتهم وهي تنشد فرحا فتشعر بكلماته تصدح في أذنيك كأنك تتمايل بينهم، وتتدلى معها، وهذه هي براعة الكاتب الذي يبحر بك بين كلماته فتشعر أنك قبطان هذه الرواية.
وبطريقة سلسة يمرر الكاتب بعض السياسة عندما يتحدث عن برنامج "الفدائيين" الذي كان يبث على الإذاعة.
في الرواية يمسك العامري بأيدينا ويسير بنا بصمت بينما كل شيء حولنا يتحدث، أحيانا لا تحتاج إلى كثير من الجهد من أجل فتح ذاكرة الماضي، كل ما في الأمر القليل من حزنك الذي رافقك يكفي للعودة إليه.
الوطن لم يكن يعني للمخاضرة سوى البقعة التي تستوطنها أقدامهم، والمكان الذي يدفنون فيه حكاياتهم إلى جوار الموتى في المقابر وكأنهم يعلمون جيدا أن هذه الأماكن المنسية تشتاق للأحياء أيضا.

بداية الحزن
لم يطل الكاتب في سرده التفاصيل حتى بدأ الموت يخيم على الرواية فتوفيت خديجة إحدى فتيات المخاضرة التي كانت ترقص وتلهو تحت ضوء القمر، فتألم محسن لرحيلها وتحسر على تلك الليالي التي ضربها القدر بيد من حديد، فخطت على لوحه مصائر جديدة، وبدأت المشاكل والمعضلات بالتكاثر مع حسين الذي قرر أن يعاند والده ويذهب إلى مدينة جدة غير مكترث لمصيره وغير متوقع أن هذا القرار سيكلفه شتات العمر. إنه عناد شاب غرته ساعة غضب وعناد رجل لم يسمع يوما من أحد مفردة لا. سبب هجرته كانت سلمى، الفتاة التي أحبها من قلبه وأرادها زوجة له لكن والده رفض وأراد تزويجه ابنة عمه.
غادر مع صديقه مروعي إلى جدة وانضم إلى قافلة أسلافه الذين سافروا بهدف البحث عن فرصة عمل وبالتالي حياة أفضل.
عمل حسين في مصنع البيبسي وكان يتقاضى يوميا سبع ريالات، في حين حصل مروعي وظيفة في شركة بن لادن مقابل راتب مئتين وثمانين ريالا مع السكن، وتحسنت الأحوال وقرر مروعي زيارة القاسمية.

قلب مكسور
ازدادت الرواية تعقيدا وحزنا فكان الكاتب يتنقل بين دمعات وحسرات ومآس ويأخذك معه بخفة، حيث تتداخل الأفراح مع الأحزان كتداخل جسد تحت الشلال، يقدم فكرة الفرح والغناء والرقص ثم ينتقل إلى حدث دامع، فحسين الذي كان يحب الجمال والغناء والنشيد ومغرما بسلمى تلقى صفعة قوية من صديقه مروعي الذي ذهب إلى القاسمية وتزوج سلمى.
وأشرفت الرواية على النهاية الحزينة وكبرت كل الشخصيات وأثقل الكاتب كاهلها بكثير من التعب، وانحنت ظهورهم لقساوة الزمن، إنها الحياة في القرى التي تقوم على توازنات صنعتها الحياة على مدار السنوات الكثيرة الماضية.

السياسة حاضرة
ربط العامري روايته التي تعود أحداثها إلى خمسين عاما بما يحصل في أيامنا هذه بطريقة سلسة لم يشعر القارئ بأي نقلة بين زمنين كفراشة تنقل بين زهرتين، ولقد كانت السياسة هي المحور، لطالما اهتم الكاتب بالجانب السياسي، حيث إن الأسماء والمدن والقرى التي كانوا يسمعون عنها عبر إذاعة الراديو القديم عادت إلى الأذهان وأذان الجميع، "عدنا نسمع الطوال والموسم وحرض وعدن وصنعاء ونسمع مفردات قصف وقنابل وقتل وحرب وموت وتهجير ونازحون وهاربون" ووصفها بفاصل زمني كومضة حلم تبخر وعاد الجانبان للاحتراب.
أما الموت فكان شبحه يطوف على كلمات الصفحات الأخيرة، يختبئ بين عمق الصفحات تارة ويظهر بين الأسطر تارة أخرى، يلاحق العامري كأنه ظل. والملاحظ أن العامري كان يبكي حقيقة وهو يكتب. بكى بعيني محسن وهو يودع (خديجة) ومنديلها الملون، وبكى خاله (حسين) الذي لم تنصفه الحياة، وبكى أمه التي وجدت نفسها محاطة بالفقد، الفقد الذي يراه العامري ابنا بارا للحزن المالح والدموع المرة. الفرح مجرد نسمة عابرة يتيمة تظهر وتختفي سريعا.
ما بين صفحات الرواية تمايلت الأفراح ودمعت العيون في الأحزان، لم تكن الطريق من شرق الموسّم إلى جنوب جدة رحلة نقاهة، بل كانت محفوفة بالمطبات الوعرة للهاربين من الأحزان العاطفية ومثاقل الحياة القوية، رحلوا آملين بالاختباء من خيبات القرية ووجع الخيانة لكنهم لم ينجحوا في خلق حياة جديدة سعيدة، كان ظل الحزن يرافقهم أينما ذهبوا، أخذوا المال لكن السعادة لم ولن تكون في ما جنوا.
وها هو الروائي عمرو العامري يقص نثراته الأدبية على لسان محسن بطل الرواية فكأنه يتحدث عن نفسه، وما شخصية حسين إلا استنساخ آخر، غدر بهم الزمن وكالت بهم الحياة التي كان نصيبهم منها الخسارات، فهل انصفهم الكتاب كما قال العامري قبل أن يطوي صفحته الأخيرة أم أنه مثل الحياة غير عادل ولا منصف ولا قادر على الوفاء؟!
عمرو العامري كاتب وروائي سعودي صدر له "مذكرات ضابط سعودي"، وفي الرواية "تذاكر العودة"، وفي القصة "رغبات مؤجّلة" و"طائر الليل"، أما رواية "جنوب جدة.. شرق الموسم" فلقد صدرت أخيرا عن "دار الساقي".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون