صناعة الموردين والقطاع الخاص الجديد

|

عندما عجزت الشركات الكبرى عن إيجاد مقدمي الخدمات الذين يكملون سلسلة إمداداتهم صنعوا هذه السلسلة بأنفسهم. مطعم الوجبات السريعة الشهير يقوم بتصنيع الزيت وتربية الدجاج وتغليف البلاستيك وربما توريد بعض أجهزة الطبخ. مصنع الألبان العملاق يصنع الأعلاف وينتج الأبقار ويعالج الألبان ويوزع منتجاته بشبكة عملاقة من اللوجستيات الآلية والبشرية. وحتى عند كثير من الشركات العائلية نجد أن المجموعة الضخمة تعمل في عدد محدود من مجالات الأعمال، ولكنها تملك عددا كبيرا من الشركات المتخصصة لدعم هذه الأعمال، مثل التسويق والتوزيع والتقنية والتخرين.
نصفق لهذه الكيانات التي سدت الفراغ بنفسها وسيطرت على مواطن الخطر بالطريقة الجريئة المباشرة. في عالم الأعمال لن يقبل أحد أن يعتمد على مورد لا يستحق الثقة أو مورد غير موجود بشكل مستمر، لذا نجدهم يصنعون مورديهم بأنفسهم. مع الوقت قد تتحول هذه الممارسات إلى بعض أشكال الاحتكار أو تمنع دخول صغار المستثمرين إلى السوق وعندها تصبح مشكلة أخرى تحتاج إلى حل. في كل الأحوال، هي ممارسات ممتازة ذات تأثير إيجابي حسب الظروف التي نشأت فيها، ولكن هذا لا يعفيها من المراجعة والتعديل.
لا تملك المنشأة الصغيرة القدرة على صناعة الموردين، خصوصا بالطرق السريعة مثل الاستثمار في الامتيازات والاستحواذ. ومع الأسف مازالت برامج الدعم تقليدية ومباشرة في محاولاتها، إذ تنحصر الجهود في محاولات تيسير التمويل والاستشارات، وحتى في هذه الجوانب لا تزال فرص التطوير كبيرة. ولهذه الأسباب، ولأن الحاجة واضحة جدا، بدأت اليوم ظاهرة إيجابية جديدة في النشوء. نرى اليوم المنشآت المحلية الجديدة تعمل بطرق مبتكرة لإكمال بعضها بعضا. بعد خروج مجموعة من المنشآت التي تتعامل مع المستهلكين مباشرة، رأينا اليوم جيلا جديدا من الأعمال الناشئة التي تم تصميم نماذج عملها للتعامل مع المنشآت الأخرى، وهو ما سمح بدعم سلاسل الإمداد، على الأقل، على المستوى الذي تعمل به هذه المنشآت.
من الجميل أن نرى محاولات جدية – خصوصا في غياب الدعم المتخصص الذي يسد هذا الفراغ – لتأسيس بنية تحتية خاصة للاعبين الجدد. ومن الرائع، أن نرى ابتكار المنشآت الصغيرة يعمل على سد النقص الموجود في البنية التحتية "مشكلة النقل على سبيل المثال" وينتج بشكل أسرع نماذج حقيقية تتم تجربتها على أرض الواقع حتى قبل أن ترفع ـــ في مكان مختلف تماما ــــ مسودة دراسة حل المشكلة المقترح للشخص المسؤول! غياب وسائل المواصلات المتنوعة وتردي الخدمات اللوجستية صنع فرصا عديدة تنبه لها رواد الأعمال الجدد وقاموا بتجربة الحلول المختلفة. نجد اليوم عشرات النماذج المختلفة من منصات التوصيل والنقل بنماذج عالمية معدلة وأخرى جديدة بالكامل، أعتقد أن هذا كنز للباحثين الذين يودون الاستمتاع بمشاهدة التحرك الابتكاري المجتمعي وفهم تفاعلاته. وهي طبعا فرصة ثانية ليراجع المسؤول المكلف بدعم بيئة الأعمال أداءه.
قابلت أحد أصحاب الأعمال وهو يعمل في مجال تصنيع إكسسوارات الجوال حسب الطلب، يقول: "حتى مشكلة الدفع وتحدياتها أصبحت اليوم مرتبطة بالبنية التحتية للتوصيل والنقل. جزء كبير من العملاء يفضل الدفع عند الاستلام وهذا يجعلنا نفكر في أسلوب ونموذج التوصيل ومدى ملاءمته للتعاطي مع طريقة الدفع المتاحة". ثم يضيف: "تحسن أنظمة الدفع وتغيير عادات وتوقعات العملاء سيأخذ مزيدا من الوقت، ولكننا لن ننتظر، لقد بدأنا فعليا في الحديث مع شركات جديدة تعمل بطرق مبتكرة وتقدم حلولا مختلفة للتوصيل والدفع، هذا ما سيغير الواقع، وليس الانتظار لحلول البنية التحتية التي طال انتظارها".
التكامل الجديد لسلاسل إمداد الأعمال هو تكامل متعدد الأطراف وليس تكاملا احتكاريا متوحدا. وهذه في نظري من خصائص القطاع الخاص الجديد الذي يصنع طريقه بنفسه. نعم، لم نصل بعد للزخم الذي يمكننا من مشاهدة هذه الصور البديعة بوضوح ولكنها موجودة. أعتقد أن معظم رواد هذا القطاع الجديد لا يبحثون عن الدعم الحكومي أو برامج اجتماعية تساندهم، ولكن جل ما يريدونه هو ألا يقف في طريقهم أحد. طالبت في السابق بمشاركة كبريات الشركات لرواد الأعمال الجدد، ليس عن طريق برامج المسؤولية الاجتماعية الدعائية، ولكن عن طريق التفاعل الحقيقي ومشاركتهم في الخدمة والإنتاج، وهذا ما يفعله كثير من الشركات المحترمة في أماكن أخرى من العالم، إذ تصنع قوانين خاصة بها للتعامل ـــ في مجالات محددة ـــ مع صغار الموردين فقط أو الموردين المحليين. أعتقد أن الشركات الكبرى ستضطر عاجلا أم آجلا لترتيب مزيد من التفاعلات مع رواد القطاع الخاص الجديد، والكسب الحقيقي لمن يسبق.

إنشرها