FINANCIAL TIMES

مبررات استمرار حاجة ترمب إلى العمل مع بانون

حلفاء أمريكا في أوروبا يتنفسون الصعداء بشكل مسموع. فلاديمير بوتين، الرئيس الروسي، لم يُعد أفضل صديق لترمب. ولا يزال المتشددون الديمقراطيون والجمهوريون على حد سواء يغدقون ترمب بالثناء. موجة أخرى من صواريخ توماهوك ينبغي أن تُرسّخ الصفقة. كل شيء الآن يُغفر. وداعاً بانون. مرحباً بالنسخة الثانية من ترمب.
للأسف، هناك عيب في هذا الرأي شبه العالمي. بانون لا يزال موجودا. في الواقع، كبير مختصي استراتيجية البيت الأبيض هو الشخص الوحيد في إدارة ترمب القريب من امتلاكه دماغا استراتيجيا.
جاريد كوشنر، مثل حماه، هو سمسار عقارات مع موهبة امتلاك علاقات. لكنه لا يملك وجهة نظر عالمية. جيمس ماتيس، وزير الدفاع، لديه عقل عسكري بارع، لكن لا ينبغي الخلط بين عقل ساحة المعركة وبين الاستراتيجية.
الأمر نفسه ينطبق على إتش آر ماكماستر، مستشار الأمن القومي، الذي انضم إلى القوى الأخرى مع كوشنر لتهميش بانون، والتخلص منه في مجلس الأمن القومي. كما أن ريكس تيلرسون، وزير الخارجية، المقبل من خلفية نفطية يعد كمية غير معروفة وغير قابلة للتحليل حتى الآن.
ومن المتوقع أيضاً أن يتأرجح. بعد هجمات الأسبوع الماضي على سورية، قال تيلرسون "إن هدف إدارة ترمب هو إزالة بشار الأسد". في الأسبوع الذي سبق ذلك، قال العكس بالضبط. ويبدو أن من الصعب مواكبة ترمب فيما قد يبدو عليه من تحولات.
سواء أحببناه أم كرهناه، وجهة نظر بانون متناسقة. كما تُعتبر الأقرب إلى وجهة نظر ترمب. علاوة على ذلك، لا يزال ترمب بحاجة إليه. وجهة نظر بانون للعالم واضحة. أمضت الولايات المتحدة وقتا طويلا في اتّباع تعاليم مؤسسة السياسة الخارجية في واشنطن، التي نادراً ما تسمع عن ضربة صاروخية لا تحبها. قيل إن بانون كان مُعارضاً لهجمات الأسبوع الماضي. كانت لديه أسبابه. الأول هو أن الولايات المتحدة لا تستطيع تحمّل الانجرار إلى ورطة أخرى في الشرق الأوسط.
من الممكن تماماً - وحتى من المحتمل - أن إجراءات ترمب حدثت في فراغ استراتيجي. لقد شاهد المذبحة السورية على التلفزيون ومد يده إلى جهاز التحكم عن بُعد. صواريخ توماهوك الـ 59 تلك كانت بمنزلة تغريدة جاءت على شكل ذخيرة حية. التالية قد تكون مختلفة.
من ناحية أخرى، هذا يُمكن أن يكون الجزء الأول من مرحلة جديدة يتولى فيها ترمب مسؤولية مستقبل سورية. نتمنى حظاً جيداً في هذا المسعى. سيحتاج الأمر إلى أحابيل هنري كيسنجر وحظ رونالد ريجان لإصلاح سورية.
قد يكون ترمب أفضل حالاً بالاستماع إلى بانون في المرة التالية حين يُثيره الدافع. بلا شك، هو قادر على تقديم نصيحة حارقة بنفس القدر في ظروف مختلفة - صدام مع الصين، على سبيل المثال، لكن فيما يتعلّق بالشرق الأوسط، ربما كانت غرائز بانون سليمة.
كما يعمل ترمب أيضاً على تهميش نصيحة بانون الاقتصادية.
في الأسابيع المُقبلة ستكشف إدارة ترمب عن خطط للإصلاح الضريبي في الولايات المتحدة. الجزء الأكثر أهمية لناخبي ترمب هو الوعد بتحديث البنية التحتية بقيمة تريليون دولار.
كان ذلك هو جوهر تعهده لما يُسمى الأمريكي المنسي. سيجلب الوظائف إلى الغرب الأوسط ويعيد مشاعر الاعتزاز إلى اللحامين.
هنا أيضاً أصوات المؤسسة كانت لها اليد العليا في الجدال. ترمب مُحاط بمستشارين تقليديين في مجال خفض الضرائب من وول ستريت والحزب الجمهوري.
إذا كان ترمب سيُركّز بدلاً من ذلك على الحزمة المالية العامة للطبقة المتوسطة، فسيكون بحاجة إلى توحيد القضية مع الحزب الديمقراطي. جميع الدلائل هي أنه يذهب في الاتجاه المُعاكس.
واشنطن تعود بسرعة إلى أنواع السياسات التي رفضها الناخبون بغضب في العام الماضي. تماماً كما تضغط الجنرالات لإخراج نداء ترمب "أمريكا أولا" من السياسة الخارجية، كذلك فإن الاتجاه المضاد في وول ستريت يفوز بالنقاش الاقتصادي.
في كلتا الحالتين بانون هو الخاسر. بالطبع، في كثير من الحالات الكبيرة يستحق ذلك. الجدار مع المكسيك دائماً ما كان أمر مُكلفا خارج الموضوع. حظر السفر على مواطنين من ستة بلدان في الشرق الأوسط هو استفزاز لا داعي له يستحق أن تغلقه المحاكم. غمزات التحبب نحو بلطجية اليمين البديل لا تغتفر.
على أنه لا ينبغي أن نخلط بين الذين صوّتوا لترمب والفاشيين، أو حتى "مجموعة من الناس الذين يؤسف لهم". ملايين الأمريكيين الذين صوّتوا لترمب صوّتوا أيضاً لباراك أوباما.
كما يقول المثل، قاعدة ناخبي ترمب أخذته على محمل الجد، لكن ليس حرفياً. ما سمعوه كان وعدا لوضع الطبقة المتوسطة الأمريكية في دائرة الضوء.
هذا كان يعني عدم خوض مزيد من الحروب المتهورة. هجوم ترمب على حرب العراق التي شنّها جورج دبليو بوش كان لحظة حاسمة في حملته.
كما كان يعني أيضاً عدم تدليل أصحاب الثراء الفاحش. حملة ترمب كانت أول محاولة ناجحة للناخبين العمال في تاريخ الحزب الجمهوري. بانون كان واحدا من مهندسي هذا النجاح.
من المستحيل ذرف الدموع على بانون. كما سيكون أيضاً أمرا سابقا لأوانه، فالرجل لا يزال على بُعد مرمى حجر من المكتب البيضاوي.
علاوة على ذلك، ليست جميع نصائحه فظيعة. ينبغي لأي سياسي على الأقل محاولة تحقيق جزء مما وعده للناخبين.
إذا كان انتخاب ترمب يُشير إلى أي شيء أصلا، فهو أن مؤسسة واشنطن فاشلة. السياسة الأمريكية تستحق التعطيل. ولا تزال كذلك. حظوظ بانون هي أفضل مقياس حصلنا عليه حول ما إذا كان ترمب يتذكّر سبب انتخابه، أم لا.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES