ثقافة وفنون

شباب سعودي يتطوع لخدمة الثقافة .. ولا مظلة تحتويه

تتعدد أشكال التطوع وميادينه، الجانب الثقافي يتخذ منه عنواناً، وفي هذا الميدان ينطلق المتطوعون من إحساسهم تجاه ثقافة وطنهم وتراثها، دون أن ينتظروا مقابلاً لما يؤدونه، ما يرفع من مكانة الثقافة ويعلي شأنها، ويزيد خبرات المتطوع، فضلاً عن استثمار أوقات الفراغ فيما ينفع.
"الاقتصادية" سلطت الضوء على تجارب سعودية تطوّعت لخدمة الثقافة، فرسمت صورة مضيئة للشاب المعطاء، الذي كوّن نموذجاً يحتذى به، وبات نبراساً على قدرٍ عالٍ من المسؤولية.

فكرة خاطئة

"فكرة خاطئة تلك التي قبعت في أذهان الناس طويلاً حول التطوع، فهم يحصرون الأعمال التطوعية في وقت الأزمات فقط، أو في خدمة المساجد، أو أعمال الخير في شهر رمضان، أو توزيع المواد الغذائية على عمال النظافة والمحتاجين، غافلين مآرب أخرى للتطوع، مثل التطوع البيئي والإعلامي والثقافي".. بهذه الكلمات ابتدأ الشاب مهند الشريف حديثه لـ "الاقتصادية" حول فريقه التطوعي في مجال الثقافة.
يقول الشريف "إن شباب الوطن يبحثون عن فرص تطوعية بصفتها أنشطة إنسانية مهمة، ولا سيما أن الشباب السعودي مبادر، محبٌ للخير، يريد ازدهار مجتمعه، ويبحث عن فرص تطوعية خارجة عن المألوف، تضيف إلى خبراته، وتزيد ثقته بنفسه".
وكشف عن مشاركة فريقه وقوامه تسعة متطوعين في أعمال تطوعية مختلفة، مثل المساهمة في تنظيم أحد معارض الرسم والفن التشكيلي في مدينة أبها، فيما كانت آخر مشاركاتهم التطوعية في معرض الرياض الدولي للكتاب 2017.

فرص شحيحة

وحول طريقة تقديم خدماتهم كفريق تطوعي، يقول الشريف "إنهم غالباً ما يتتبعون أخبار المعارض والمؤتمرات الثقافية عبر الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي، ثم يتم تبادل الأفكار حول كيفية تقديم خدماتهم وجهودهم التطوعية، التي تراوح ما بين مساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة، وتنظيم الدخول والخروج، وإرشاد الزوار الذين لا يتحدثون اللغة العربية، إضافة إلى تنظيم فقرات الحفل أو المناسبة، بما في ذلك تقديم حفل الافتتاح، وتغطية المناسبات الثقافية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومساعدة الباحثين في البحث عن المراجع في المكتبات العامة، وتقديم دورات تدريبية في مبادئ التصوير الفوتوغرافي وترميم المخطوطات"، ولعل أكثر تجاربهم تأثيراً في نفوسهم - وفقاً للشريف - المشاركة في برنامج "القارئ المتجول" ضمن فعاليات معرض الرياض للكتاب خلال العامين الماضيين، بالتعاون مع جمعية المكفوفين الخيرية في منطقة الرياض "كفيف"، حيث كان المتطوعون يقرأون عناوين الكتب للزائر الكفيف، ويساعدونه في البحث عن العناوين التي تناسبه، ومساعدته على الشراء والتعامل مع الباعة.
يصف الشريف الفرص التطوعية في هذا الجانب بـ "الشحيحة"، مضيفاً أنها "يتم تباحثها في مجموعات دردشة على تطبيق "واتساب"، إذ يتعارف على غيره من المتطوعين في كل تجربة، ويتم تبادل أرقام التواصل للاستفادة من الفرص المتاحة"، كاشفاً عن شغف الشباب السعودي بالفرص التطوعية، خصوصاً طلاب الجامعات، الذين يبحثون عن شهادة خبرة غالباً، وفرصة لاكتشاف مواهبهم، مردفاً أنه "كان من قادة الفرق التطوعية في معرض الرياض للكتاب العام الماضي، وتقدم لهم نحو ثلاثة آلاف متطوع، وبعد مراحل فرز، تم اختيار نحو 300 متطوع من الجنسين".
ودعا الشاب مهند الشريف في حديثه لـ "الاقتصادية" إلى وجود مظلة لاحتواء الشباب المتطوعين، خصوصاً أنهم يقدمون جهودهم لخدمة الثقافة دون مقابل، لكن لا جهة تدعمهم، أو تقدم لهم الخبرات اللازمة والدعم المعنوي، أو حتى يتم إبلاغهم بوجود فرص تطوعية ثقافية، مؤكداً أن هذا الدور ينتظر من يقوم به، سواءً وزارة الثقافة والإعلام، أو جمعية الثقافة والفنون، أو المراكز الثقافية والأندية الأدبية، أو الهيئة العامة للثقافة، التي ينتظر أن تنطلق بقوة.

تجارب عالمية

العالم يشهد كثيرا من الأعمال التطوعية في ميدان الثقافة، لعل من أبرزها التجارب الأوروبية، خصوصاً في فرنسا وإيطاليا، حيث يعمل أمناء المكتبات العامة والمسارح ومعارض الفنون التشكيلية، وحتى دور السينما وبعض المنظمات الثقافية، متطوعين، لا يتلقون أجوراً لقاء جهودهم، عدا أجور زهيدة تكفيهم للتنقل.
فيما ينشر مخرجون سينمائيون ومسرحيون فرنسيون إعلاناً عن تصويرهم أفلاماً قصيرة أو نخبوية يطلبون ممثلين متطوعين، فتنهمر الطلبات عليهم لدعم العمل دون الحصول على أي مبالغ، خصوصاً إن كانت هذه الأعمال السينمائية تناقش قضايا مجتمعية تهم بلدانهم، أو مجرد أعمال تلفت الانتباه إلى تلك التفاصيل الصغيرة التي قد تعني الكثير للمشاهدين وتثير عواطفهم وإنسانيتهم.
وفي ألمانيا، يستطيع الشباب التطوع في إحدى المنشآت الثقافية لعام واحد، ويتم ذلك بأنظمة ولوائح من المؤسسات الحكومية تؤسس لعمل منظم وواضح، وهذه المنشآت الثقافية قد تكون متحفاً، أو مسرحاً، أو مكتبة عامة، أو حتى مركز ثقافي، وفيها يتعرف الشاب على الأعمال اليومية لهذه المهن، ويكتسب ثقافة وفكرا وخبرة في أداء الأعمال، فضلاً عن تهذيب أخلاق المتطوع وتعزيز ثقته بنفسه، فيما تستفيد المؤسسات الألمانية من الشباب في تقليل نفقات هذه المنشآت وزيادة كفاءتها، وتقديم خدمات متنوعة، وإتاحة الفرصة للشباب الألمان لاكتشاف أنفسهم، وخدمة القطاع الثقافي ككل.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون