FINANCIAL TIMES

تمويل الإرهاب تهمة تلاحق شركة فرنسية - سويسرية عملاقة

أن تكون شريك أعمال مع "داعش" ليس وصفاً يمكن أن تُرحّب به مجموعة صناعية أوروبية رائدة. لكنه وصف كان يُستخدم لمجموعة لافارج هولسيم، شركة صناعة الأسمنت المُدرجة في سويسرا، التي تواجه اتهامات بالتعاون مع جماعات إرهابية في سورية التي مزقتها الحرب.
النيابة العامة الفرنسية ومجموعات حقوق الإنسان تنظر في اتهامات بأن الشركة، التي تملك مصنعا في الجلابية، شمال شرقي سورية، دفعت إتاوات الإرهابيين.
قال جيكوب ويرنيس، الذي كان مديرا للمخاطر في لافارج في سورية حتى تشرين الأول (أكتوبر) 2013: "يقول الناس الذين يقرأون الأخبار اليوم إننا كنّا بمثابة صرّاف آلي لـ"داعش"، لكن لا يُمكن إصدار الحُكم دون النظر إلى السياق".
مع ذلك، المشكلات التي حلّت على مصنع الجلابية تعود لمُطاردة المجموعة التي تشكّلت عام 2015 من خلال عملية دمج بقيمة 41 مليار يورو بين شركتي لافارج الفرنسية وهولسيم السويسرية.
هذا الشهر اعترفت الشركة بأنها اتّخذت تدابير "غير مقبولة" للحفاظ على عمل المصنع في الوقت الذي تكثّفت فيه الحرب الأهلية عام 2013. وقالت إن المسؤولين عن المصنع الذي أُخلي في أيلول (سبتمبر) 2014، ارتكبوا "أخطاء كبيرة في الحُكم".
وأبلغت الشركة "فاينانشيال تايمز" أن تقريرا من المُقرر أن يصدر خلال الأسابيع المقبلة سيكشف عن "الحقائق الكاملة" بشأن العملية. وأوضحت أن شركتي المحاماة "بيكر ماكينزي" في واشنطن و"دارويس فيلي" في باريس شاركتا في إعداد التقرير.
لكن النيابة العامة في باريس فتحت تحقيقا أوليا في الصفقات المزعومة بين لافارج ومجموعات تقع تحت طائلة عقوبات في سورية بعد شكوى من وزير المالية الفرنسي. وتواجه الشركة أيضاً تساؤلات حول ما إذا كانت الأرباح قد تصدرت أولوياتها بدلا الموظفين الذين خاطروا بالتعرّض للخطف.
ورفعت مجموعات لحقوق الإنسان في فرنسا دعوى قضائية تدعي فيها وجود "علاقات عمل" مع "داعش" واحتمال تقديم تمويل. وقالت ماري لورجيسلان، المحامية في "شيربا"، التي رفعت الدعوى القضائية: "هذا مثال على الشركة الأم التي لم تُظهر أي واجب رعاية".
وقالت "لافارج هولسيم" إنها "ترفض تماماً مفهوم تمويل الجماعات الإرهابية المذكور" في بيان صدر في تشرين الثاني (نوفمبر).
وأضافت المجموعة الشهر الماضي: "الشركة المحلية قدّمت الأموال لأطراف ثالثة لوضع ترتيبات مع عدد من (...) الجماعات المسلحة، بما في ذلك الأطراف المُعاقبة، من أجل الحفاظ على العمليات وضمان المرور الآمن للموظفين والإمدادات من وإلى المصنع".
لكن تحقيق الشركة الأولي "لم يستطع أن يؤكد بنوع من اليقين الجهات النهائية التي استلمت الأموال".
ولا يزال من غير الواضح ما نوع الإجراء الذي سيتم اتخاذه. فبعد الكشف عن نتائجها، قالت الشركة إن برونو لافون، الرئيس التنفيذي السابق في لافارج، سيتنحى من منصب رئيس مجلس الإدارة المُشارك في المجموعة - قرار يربطه عدد من الأشخاص المُقرّبين من الشركة بالتقرير المتعلق بسورية.
ورفض لافون التعليق عندما اتّصلت به "فاينانشيال تايمز"، لكن شخصا مُقرّبا منه قال لم يكُن هناك "أي اتصال" مع سورية. وأَضاف: "دائماً ما كان يقول إنه بمجرد أن تعمل عملية الدمج بشكل جيد، سيقلب الصفحة [ويتنحى عن المنصب".
وقالت المجموعة الفرنسية - السويسرية إنها اشترت المصنع القريب من الحدود مع تركيا عام 2007، من شركة أوراسكوم المصرية لصناعة الأسمنت وشركة "من أجل سورية" المملوكة لرجل الأعمال السوري فراس طلاس، الذي احتفظ بحصة نسبتها 1 في المائة.
ومنذ أواخر عام 2012، بعد أن تصاعدت الاحتجاجات ضد الرئيس بشار الأسد وتحولت إلى حرب أهلية، ومع عدم السماح للرعايا الفرنسيين بالبقاء في سورية، كان المصنع يُدار من القاهرة.
طلاس الذي كان قد انضم إلى المعارضة هرب من البلاد، لكنه استمر في العمل بالنيابة عن "لافارج". ووفقاً لجماعات مسلحة في المنطقة، دفع طلاس إلى "وحدات حماية الشعب الكردي" التي كانت تسيطر على المنطقة، ما يصل إلى 100 ألف دولار شهرياً للحماية.
وجماعة حماية الشعب الكردي غير مُدرجة ضمن قوائم العقوبات الأمريكية أو الأوروبية، وهي الشريك الميداني الرئيس للولايات المتحدة في معركتها ضد "داعش".
لكن طلاس الذي كان يتولى ترتيب الصفقات مع مجموعة تتغير باستمرار من الجماعات المسلحة أبلغ "فاينانشيال تايمز" قوله: "سورية في عام 2012 وعام 2013 كانت في فوضى تامة. أي شخص كان بإمكانه وضع نقطة تفتيش على الطريق أي شخص".
الشركات الأجنبية الأخرى باعت المصانع أو هجرتها، بما في ذلك مجموعتا الطاقة "رويال داتش شل" و"صانكور"، لكن الأعمال كانت منتعشة تماما في مصنع الأسمنت. وقال أحد المُعارضين المحليين: "الجميع اعتبر مصنع لافارج بقرة حلوب كبيرة. كانت هناك أموال يُمكن جنيها - طلب كبير على الأسمنت في ذلك الوقت".
مع ذلك، إنتاج الأسمنت لم يكُن سهلاً. ووفقاً لويرنيس، دفعت "لافارج" 220 ألف يورو إلى جماعات الجيش السوري الحر، لإطلاق سراح تسعة موظفين اختُطفوا عام 2012.
وقالت الشركة إنها "على علم بالمزاعم التي تنطوي على عمليات الخطف في سورية" لكنها لن تُصدر أي تعليق بشأن الإجراءات الأمنية المتعلقة بالأفراد.
وقال ويرنيس إن "لافارج" كان ينبغي لها إغلاق المصنع في منتصف عام 2013، بمجرد أن أرست الجماعات المسلحة وجودا راسخا هناك. وحتى قبل أن تتعدى "داعش" على المنطقة، يبدو أن "لافارج" انتهكت العقوبات من خلال الدفع في نقاط التفتيش التي يُسيطر عليها النظام.
وبمجرد أن سيطرت "داعش" على المنطقة، راحت تسعى لاستغلال الأصول الاقتصادية فيها لضمان الاكتفاء الذاتي المالي، بدلاً من أن يتم تمويلها من الخارج مثل سابقتها "القاعدة".
وقال طلاس إن عددا لا يُحصى من الوسطاء المحليين عرضوا خدماتهم على "لافارج" لمحاولة تأمين ممر آمن عبر مناطق "داعش" بدرجات متفاوتة من النجاح. الرقة، العاصمة الفعلية للجماعة الإرهابية، منطقة غنية بمادة بوزولانا، المادة الخام المُستخدمة في صناعة الأسمنت.
ولم تؤكد "لافارج هولسيم" ما إذا كانت أي من هذه المدفوعات انتهى بها المطاف إلى "داعش". ولم تذكر أيضاً عدد، -إن وجد- كبار المديرين بمن فيهم إيريك أولسين، الذي أصبح الرئيس التنفيذي عام 2015 الذين كانوا على علم بأنشطة طلاس، باستثناء الإشارة إلى أن أولسين لم يكُن مسؤولاً عن العمليات في سورية.
وقالت الشركة: "من غير الحكمة التعليق على أي أسئلة محددة بشأن التحقيق الداخلي حتى ينتهي في الأسابيع المُقبلة".
وبحلول أيلول (سبتمبر) 2014 بقي أقل من 30 موظفا في المصنع السوري. وكانت "لافارج" قد أعدّت خطة إخلاء وقالت إن جميع الموظفين خرجوا بسلام. غير أن محامين في باريس يختلفون مع ذلك. قالت جيسلان: "لم يتم إجلاؤهم، اضطر الموظفون إلى الهرب بأنفسهم". لكن "لافارج هولسيم" شددت على أن سلامة الموظفين هي دائما "الأولوية الأولى" للشركة.
وأشار ويرنيس، مدير المخاطر السابق، إلى أن الوضع المعيشي للموظفين المحليين وعائلاتهم كان يعتمد على الرواتب التي كانوا يتلقونها من الشركة. وقال إن السؤال هو كما يلي: "هل تستطيع أن تدير شركة في منطقة تسيطر عليها الفوضى ولا أحد فيها يلتزم بالقواعد، وأن تظل أنت نفسك مع ذلك تلتزم بالقواعد؟".
ورغم أن الظروف التي نشأت بفعل النزاع كانت ظروفا غير عادية، إلا أن سمعة الشركة على المحك. فهي معلقة الآن على ما إذا كان بمقدورها تقديم أجوبة مرضية بشأن الكيفية، والسبب في إبقاء أعمالها مستمرة خلال تلك الفترة الطويلة في منطقة طمست فيها معالم السلوك الأخلاقي والمبادئ الأخلاقية بسبب الحرب.
وأنشئت "لافارج هولسيم" بعد مفاوضات اندماج صعبة لتشكل أكبر شركة أسمنت في العالم من حيث المبيعات. وكادت الصفقة تنهار في أوائل عام 2015 وسط خلافات حول الشروط المالية والإدارة العليا. وتم إنقاذها حين وافقت "لافارج" على تولي لافون، رئيسها التنفيذي، قيادة الشركة الناتجة عن الاندماج.
وقاوم أولسين، الرئيس التنفيذي، بقوة من أجل إزالة شكوك المساهمين حول ما إذا كانت الشركة المندمجة ستعطي العوائد التي تم الإعلان عنها وسط نمو ضعيف في الاقتصاد العالمي وفائض في الطاقة الإنتاجية في الأسواق الرئيسة للشركة.
وحتى الآن أبقى أولسين على التقدم في مساره، بعد تقليصه الإنفاق على الاستثمار وبعد سلسلة من عمليات التخلص من الأصول. وارتفعت الأرباح المعدلة قبل الضرائب في السنة الماضية نحو 9 في المائة، بحسب كل شركة على حدة، لتصل إلى 5.8 مليار فرنك سويسري (5.8 مليار دولار)، على نحو ينسجم مع الأهداف.
وارتفع سعر السهم أكثر من 40 في المائة خلال السنة الماضية.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES