الأوقاف .. الثروة المعطلة

فهد العيلي
كنت من أوائل الكتاب الذين نادوا بضرورة إنشاء هيئة أو "مؤسسة عامة للأوقاف" تعمل بفكر اقتصادي وتستثمر بذكاء في واحد من أهم القطاعات التنموية المعطلة، وقد كتبت هنا في "الاقتصادية" مقالين أتحسر فيهما على تلك الثروات المهملة من مزارع وأراض وعقارات. ولم يطل الأمر حتى جاء قرار مجلس الوزراء في ديسمبر 2015 بفصل وكالة الأوقاف في وزارة الشؤون الإسلامية وتحويلها إلى هيئة عامة تتولى حصر كل الأوقاف واستثمارها من خلال آليات جديدة ومرنة تلبي الطموحات التنموية والاقتصادية لقطاع الأوقاف. ثم جاءت "رؤية 2030" لتؤكد الدور المستقبلي لقطاع الأوقاف وتنميته ليكون رافدا أساسيا للتنمية الاجتماعية المستدامة. وخلال بحثي عن الإحصائيات المتوقعة للأوقاف الموجودة ومواقعها الجغرافية وعوائدها الاستثمارية المستقبلية كنت أواجه صعوبة لندرة المعلومات ولم أستطع العثور على شيء يحدد ملامح المرحلة المقبلة للهيئة الوليدة. وفي 18 ديسمبر الماضي أفردت الصحف تغطية شاملة للمحاضرة التي أقيمت في الغرفة التجارية بالرياض بحضور حشد من المهتمين ألقاها عبد الله بن محسن النمري مستشار رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للأوقاف، كشف خلالها كثيرا من الإحصاءات التي كنت أبحث عنها، ومنها حصر الأوقاف الحالية في المملكة التي بلغت 33229 وقفا، مسجل منها في الحاسب الآلي 8570 وقفا فقط بينما 24650 وقفا ما زالت مدونة في السجلات الورقية، 44 في المائة منها مزارع وأراض والبقية عقارات، ومعظم هذه الأوقاف مسجلة في مكة المكرمة. تليها المدينة المنورة ثم جدة، والطائف. وحسب الإحصائيات فقد سجلت إيرادات أوقاف مكة والمدينة المنورة 325 مليون ريال، أما قيمة أصول الأوقاف الحالية فقدرت بـ 14 مليارا والمأمول أن ترتفع قيمتها في عام 2030 إلى 140 مليارا، فيما يصل حجم الاستثمارات إلى 350 مليارا من خلال محافظ استثمارية متنوعة. ولم يكتف النمري بسرد هذه الأرقام باعتباره يتحدث كمستشار ورئيس لفريق العمل الذي أعد استراتيجية الهيئة، بل ذكر "نظام الهيئة العامة للأوقاف" الذي تضمن 25 مادة تنظم عمل الهيئة، وتعزز المحافظة على الأوقاف واستثمارها بشكل فاعل في التنمية الاجتماعية، وتركز على عناصر أساسية في تحديث الأنظمة وحوكمة القطاع وتنميته. كما عززت الاستراتيجية الإطار التنظيمي من خلال تحسين الأنظمة والتشريعات التي تضمن تحفيز قطاع الأوقاف ليكون قطاعا جاذبا في حالة نمو مستمر. وكذلك الدور التشغيلي الذي يعنى بالاستثمار وتحديد برامج الأوقاف المستقبلية. حيث هناك مجموعة من التحديات ستواجهها الهيئة مستقبلا أهمها حصر الأوقاف القائمة، وإنشاء قاعدة بيانات لجميع الأوقاف وربطها بالإحداثيات، إضافة إلى تفعيل الرقابة والمحاسبة المالية. وتحديات أخرى في صياغة الأنظمة والتشريعات، واستقطاب الكفاءات، وتفعيل خطط التدريب والتسويق لتعزيز الجوانب الاستثمارية وقصور في استخدام التقنية. كما ستعمل الهيئة بحسب المحاضر على تلافي مشكلة تمويل المصارف للأوقاف من خلال عقود pot وكذلك صكوك التمويل وأفكار أخرى تجعل من الهيئة مطورا للمنتجات الوقفية التي تتضمن منتجات حديثة تدعم الجامعات والإسكان والبحث العلمي. والحقيقة أن ما ذكر خلال محاضرة المستشار النمري أمر مدهش وفي منتهى الإيجابية فالرؤية واضحة والأرقام مبشرة، لكن الشهور مرت دون أثر لانطلاق الهيئة المنتظرة التي تحولت من وزارة الشؤون الإسلامية إلى وزارة التنمية الاجتماعية ولا أعرف لماذا تأخرت كل هذا الوقت؟ ومن سيدير محافظها الاستثمارية؟ وما وضع الأوقاف في هذه الفترة الانتقالية؟ أسئلة ملحة لا تحتمل التأخير.
إنشرها