الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

البعد الشيعي لحرائق الإرهاب.. المال إيراني و«الحطب» عربي

"الاقتصادية"
"الاقتصادية"
الاثنين 13 مارس 2017 2:23
البعد الشيعي لحرائق الإرهاب.. المال إيراني و«الحطب» عربي
البعد الشيعي لحرائق الإرهاب.. المال إيراني و«الحطب» عربي

في محاولة لمعرفة ما يجب القيام به حيال تنظيم داعش، يبدو أن المجتمع الدولي نسي الوجه الآخر من الموضوع، ألا وهو الميليشيات الشيعية في العراق وسورية ولبنان ودول أخرى في المنطقة المدعومة من إيران. فمكافحة الإرهاب تتطلب إلقاء نظرة أوسع على الجماعات الإرهابية، وفهم أنها تتغذى من الخطابات الطائفية لبعضها البعض.

ووفقا لتقرير أعدته الباحثة اللبنانية حنين غدار، ونشر في معهد واشنطن للدراسات فإنه بينما يستخدم تنظيم داعش خطاباً طائفياً مناهضاً للشيعة من أجل تجنيد المحاربين، تقوم إيران بالشيء نفسه من خلال استخدام خطابٍ مناهضٍ للسنّة - أو مناهض للتكفير - بصورة متزايدة. ومن أجل إلحاق الهزيمة بتنظيم داعش، يجب ألا نتجاهل الميليشيات الايرانية المسلحة والفظائع التي ترتكبها في المنطقة، والعكس بالعكس. ومع ذلك، لا يعني هذا أنّ الحل هو قصف الميليشيات الايرانية في سورية والعراق، أو الاستمرار في قصف التنظيم للتخلص منه. فمع التدخل الروسي في سورية، وإدماج «وحدات الحشد الشعبي» في الجيش العراقي، وسيطرة «حزب الله» على مؤسسات الدولة في لبنان، فإن الحل العسكري ليس بهذه البساطة.

لقد أسهم حدثان أساسيان في وضع المنطقة على مفترق طرقٍ في السنوات الثلاث الماضية هما: ظهور داعش، و«خطة العمل المشتركة الشاملة»، التي تُعرف عموماً بالاتفاق النووي الإيراني الذي تم التوصل إليه في فيينا في 14 تموز (يوليو) 2015 بين إيران و«مجموعة الخمسة زائد واحد». ولكن بينما كان العالَم يركّز على هذين الحدثين وتداعياتهما في المنطقة وأوروبا والولايات المتحدة، كانت إيران تعمل بانتظام من أجل تحقيق هدفيها الأساسيين، وهما تعزيز هيمنتها الإقليمية وربط طهران عبر العراق وسورية بجنوب لبنان، وتنفيذها كلا الهدفين من خلال توفير ممر جغرافي يمتد عبر الدول الثلاث، والاستحواذ على القرار السياسي في العواصم الثلاث: بغداد ودمشق وبيروت.

غيّرت سورية أولويات «حزب الله» واستراتيجياته وخطابه، فأصبحت معظم ميزانيته مخصّصة للعمليات العسكرية. وعلى الرغم من استمراره في تمويل الخدمات الاجتماعية، إلا أن القسم الأكبر من هذه الأموال قد وُجّه للعائلات والمؤسسات المرتبطة بالبنية التحتية العسكرية الخاصة بـ «الحزب». كما أن "المقاومة" ضد إسرائيل أصبحت ثانوية إذ غيّر «الحزب» تركيزه وبدأ يوجهه نحو النزاع السوري.

واليوم، يتردد حزب الله في شنّ حربٍ على إسرائيل علناً (...) فبعد أن اعتُبر الحزب يوماً قوةً حققت انتصاراتٍ سريعة وحاسمة، أصبح حالياً قوةً تشحن إلى الوطن جثث "الشهداء" الذين قُتلوا في حربٍ أجنبية.

وفي حين تترسخ جذور «حزب الله» بعمق أكثر في سورية، تحوّلت المقاومة التي كانت تجذب إليها سابقاً متطوعين متحمسين، إلى مؤسسةٍ مشتركة لمقاتلين يبحثون عن دخلٍ أو منصب. وبعيداً عن تلبية النداء، أصبح المجنّدون الجدد يتقدّمون الآن للعمل في الحرب السورية، بعد أن أغراهم الراتب الذي يراوح بين 500 و1200 دولار أمريكي شهرياً، فضلاً عن المنافع الإضافية.

واليوم، ينظر العديد من الشيعة في لبنان إلى حزب الله كحامٍ للطائفة وكمُستخدِم. فالخطاب الطائفي الذي فاقم الخلاف بين السنّة والشيعة في المنطقة تسبب في عزل المجتمع الشيعي عن جذوره اللبنانية والعربية، فحرّمه من فرص العمل في لبنان ودول الخليج. وأصبح القتال في سورية مصدر الدخل الوحيد تقريباً للمسلمين الشيعة الذين ينتمون إلى عائلات وأحياء فقيرة. ولم يعُد للحرب أي معنى، حيث أصبحت ضرورةً فقط.

وقد أدّى ذلك إلى حدوث تغييرات جدّية في صفوف حزب الله، فأصبح المقاتلون المدربون الذين انضمّوا إلى الحزب قبل الحرب السورية يغادرون حالما يجدون مصدر دخلٍ آخر، في حين يتدفق قادمون جدد، الذين هم أقل تدريباً، وليسوا بنفس القدر من الولاء، وأقل تديناً، لكنهم أكثر طائفية.

بصرف النظر عن ذلك، أنجزت إيران خطتها الإقليمية تقريباً - بمساعدة المجندين الشيعة الجدد من لبنان والعراق وأفغانستان وباكستان. فاليوم، يشكّل حزب الله و«وحدات الحشد الشعبي» العراقية وميليشيات شيعية باكستانية وأفغانية أخرى - يُشار إليها بـ "الفاطميين" - قوةً واحدةً تقع تحت سيطرة الحرس الثوري الإيراني. فهذا الجيش القومي الشيعي تم إنشاؤه وتمويله وتدريبه من قبل الحرس الثوري من أجل تعزيز السيطرة الإيرانية على المنطقة. وتتمثل المهمة الرئيسية لهذا الجيش الشيعي في سورية، في حماية «سورية المفيدة» - وهي ممر جغرافي يمتد من الساحل العلوي عبر حمص وضواحي دمشق وصولاً إلى القلمون على الحدود اللبنانية. ويمر أيضاً عبر حمص إلى الحدود العراقية مروراً بحلب ودير الزور، وبالتالي يربط بين سورية والعراق عبر تلعفر، حيث تمارس وحدات الحشد الشعبي نشاطاً كبيراً اليوم.

وعلى الرغم من تدخل روسيا في سورية وازدياد سيطرتها على مؤسسات الدولة السورية، إلا أن «سورية المفيدة» الخاصة بإيران لا تزال على ما هي عليه. [فقيام] ممر إيراني في سورية لا يشكل أهمية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين طالما أن طهران لا تحاول التجاوز على قدرة روسيا في دمشق.

وإيران تعلم أنها بحاجةٍ إلى موسكو، نظراً لأن إدارة ترمب الجديدة أشارت إلى موقف أمريكي أكثر صرامة تجاه الاتفاق النووي ومصالح إيرانية أخرى. لذلك، إذا أرادت روسيا التحكم في الأمور في الساحة الدولية بينما تؤمّن إيران مركزها في سورية، فلن تثير طهران الكثير من المشاكل.

بيد أنه، بالنسبة لإيران، لن يكون هذا الممر آمناً إلا إذا تم إخلاؤه من السنة، وتأمينه من قبل الميليشيات الشيعية، وخاصةً حزب الله، ويعود ذلك إلى انعدام الثقة بين الحرس الثوري الإيراني والجيش السوري. لذلك، في الوقت الذي كان فيه الأسد يحمي دمشق من خلال توقيعه اتفاقات مع المتمردين في القرى المحيطة بها بعد محاصرتها لسنوات، كانت إيران تستغل تلك الاتفاقات لإخلاء السنة إلى شمال سورية.

ومسبقاً، نفّذ حزب الله تطهيراً عرقيّاً خاصّاً به في بعض المناطق على طول الحدود (على سبيل المثال، حملتيْهِ في عام 2013 في القصير ومنطقة القلمون). كذلك، تم إجلاء مئات الآلاف من السنة من حمص بين عامي 2011 و2014، عندما تم التوصل أخيراً إلى اتفاق مع قوات النظام بعد أن بلغت المجاعة مستويات مرعبة. ووفقاً للصحافة العربية، تم نقل عوائل عراقية، "خاصةً من المحافظات الجنوبية [التي يسكنها] الشيعة"، إلى سورية من أجل إعادة تأهيل ضواحي دمشق التي تم إخلاؤها أخيراً. وتفيد بعض التقارير إن «حركة حزب الله النجباء»، وهي قوة شبه عسكرية شيعية عراقية مقرّبة من إيران، أشرفت على إعادة توطين 300 عائلة من هذه العائلات التي حصل كلٌّ منها على منزل ومبلغ ألفي دولار.

وهذا الممر السوري مهم لإيران لأنه سيكون بمثابة الجسر الذي سيربط طهران بجنوب لبنان. ومن الناحية المادية، سيشكّل طريقة أرخص بكثير وأقل صعوبة لنقل الأسلحة والمعدات والمقاتلين، لكنه يشكل أيضاً منصة للنفوذ تعزز وجود إيران وكلمتها في القرارات السياسية والعسكرية.

وقد استثمرت إيران الكثير من الموارد والأموال والمقاتلين والطاقة في سورية، [بحيث لا يمكن التوقع أن توافق] على التخلي عن مصالحها إذا تم التوصل إلى اتفاق دولي. فإيران موجودة هناك لتبقى، كما أن حزب الله لن يعود إلى لبنان في المستقبل القريب.

على الرغم من عزم إيران على الاستحواذ على هذا الممر وتأمينه، ستبرز تحديات يمكن أن يستغلها المجتمع الدولي. فهذا الممر سيكون محاطاً ببحرٍ من السنّة الغاضبين الذين لن يرضخوا للهيمنة الإيرانية - دون حل سياسي تعترف به جميع الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية. وما زالت إيران تفضّل حلا عسكريّاً، على الأقل إلى أن تُكمل سيطرتها على «سورية المفيدة» وتربطها بكل من الحدود العراقية والحدود اللبنانية. ومع أنه ليس من السهل تعطيل هذا الممر، لم يفت الأوان بعد للمحاولة، على الأقل في المناطق التي لم ينته أمرها بعد. فباستطاعة حل سياسي استراتيجي طويل المدى أن يضع حدّاً للإجراءات العسكرية الإيرانية، ويُلزِم الحرس الثوري بإيقاف خطته لإكمال إقامة هذا الممر. غير أنه لا يمكن لأي حلّ أن يكون مجدياً إذا توسطت فيه روسيا فقط - مثل اتفاق الأستانة. ومن الضرورة لأي حل أن يشمل الجهات الإقليمية كافة، وفي هذا الصدد لا يمكن أن تقف الولايات المتحدة موقف المتفرج.

وقد تشكّل العقوبات الإضافية التي تستهدف الكيانات المتورطة في العمليات الإقليمية الإيرانية، وسيلة أخرى لزيادة الضغط على الميليشيات الشيعية التي تحارب تحت رعاية الحرس الثوري الإيراني. لكن هذه الأداة قد تحقق نجاحاً أكبر إذا اقترنت بتوفير بدائل اقتصادية للمجتمع الشيعي.

على سبيل المثال، قال عددٌ كبير من المقاتلين وغير المقاتلين الشيعة الذين أجريتُ معهم مقابلاتٍ إنهم لم يكونوا ليفكّروا في الحرب في سورية لو تمكنوا من الحصول على وظائف أو قروض للبدء بأعمال صغيرة. وتكمن المشكلة في أنهم يعتمدون على حزب الله إلى حد كبير وليست لديهم خيارات أخرى. ولم يكن هذا الاعتماد المالي يمثّل مشكلة قبل الحرب في سورية، بسبب خطاب المقاومة الذي رافقته الخدمات الاجتماعية. فجميع الأمور كانت واضحة ومنطقية. أما اليوم، فبسبب إضفاء الطابع العسكري على المجتمع الشيعي في لبنان، يريد الكثيرون إيجاد مخرَج [من هذا المأزق]. لذلك، فإن إعادة هذا المجتمع إلى وضعه الطبيعي تتطلب جهوداً جدية وطويلة المدى لفصله ماليّاً عن حزب الله وإيران. والخبر السار هو أن كثيرين في هذا المجتمع يرغبون في ذلك اليوم.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية