المشراق

الرحلة من بريدة إلى دير الزور على الإبل

صدر هذه الأيام كتاب "العقيلات في سوريا" للباحثة حنان خالد الخضيري. ويأتي صدور هذا الكتاب في سياق الدراسات والأبحاث المكثفة التي بدأت في الصدور عن "العقيلات" ودورهم التاريخي والاقتصادي والاجتماعي، وهي دراسات ركزت في أغلبها على عقيلات العراق ومصر، لذلك تأتي أهمية هذا الكتاب بأنه اختص بعقيلات نجد في سورية، أولئك الذين تزايد نشاطهم منذ معاهدة لندن عام 1256هـ/ 1840م، التي أخرجت محمد علي باشا من سورية والجزيرة العربية. وتوثق الباحثة أن آخر رحلة قام بها العقيلات إلى سورية كانت في عام 1371هـ/ 1951م.
تناولت الباحثة في كتابها تاريخ العقيلات وبحثت عن سبب التسمية، والأماكن التي انطلقوا منها وتلك التي رحلوا إليها. وعرضت أسباب النزوح، سواء أكانت اقتصادية أو سياسية أو أمنية، خاصة تلك الأسباب المتعلقة بعقيلات سورية. ثم تناولت الأدوار الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والسياسية للعقيلات في سورية، وهي أدوار مهمة وإن غلب الدور الاقتصادي عليها، من تجارة إبل وخيل وتصدير واستيراد، ونقل للحجاج وأعمال البريد، وشرحت كيفية العمل التجاري للعقيلات من مقايضات وضرائب ورسوم. وركزت المؤلفة على ما حققته مدينة "دير الزور" من أهمية ومركزية في مشروع العقيلات.
تتبعت الباحثة مسار رحلة العقيلات من سوق "جردة" في بريدة إلى سورية، مرورا بعدد من موارد المياه والآبار، التي يقف عندها العقيليون، ومن أهمها، قصيبا، زروّد، الحيانية، مورد عذفا، الشويحطية، والقارة والنبك، ثم بئر العمري، وهي أول مورد للعقيلات داخل الأراضي الأردنية، بعدها قرية سحاب، التي يتنفس فيها العقيلات الصعداء، وينقسمون فيها إلى قسمين، قسم يواصل إلى داخل الأراضي السورية، وقسم يتوجه إلى أسواق فلسطين.
أفردت الباحثة فصلا عن المعارك التي شارك بها عقيلات سورية، وهي، معركة الصريف، الفيضة، البكيرية، الشنانة، قصر ابن عقيل، روضة مهنا، وهي معارك في الداخل النجدي، كما لم تغفل الباحثة الدور العسكري للعقيلات في سورية نفسها، إذ شارك العقيلات في، كفاح الميدان، ومعركة ميسلون.
وعن ثقافة العقيلات وخصائصهم، تناولت المؤلفة الحياة الثقافية في سورية وأثرها على تشكيل ثقافة ووعي العقيلات، وسردت أسماء عدد من العقيلات الذين تلقوا تعليما ومارسوا أدوارا سياسية تمثلت بتمثيلهم للملك عبدالعزيز، ومن أهمهم، فوزان السابق، وسليمان المشيقح، وياسين الرواف، ورشيد بن ليلى. تلا هؤلاء نخبة مميزة من الذين تلقوا تعليما عاليا وتأهيلا، ثم عادوا ليسهموا في خدمة وطنهم، من أمثال، عبدالله الحليسي، وحمود النجيدي، وخليل الرواف، وماضي الخميس، والسفير عبدالعزيز الكحيمي، والسفير أحمد الكحيمي، والوزير جميل الحجيلان، وماجد الشبل، وطامي، وعدد كبير من المبدعين.
امتدت الدراسة، التي صدرت عن دار جداول للنشر والترجمة، لتشمل الخصائص التي تميز بها العقيلات من شجاعة وكرم وأمانة ومعرفة بالدروب، مشيرة إلى شجاعة حمود الشريدة وفهد النصار، وإبراهيم العلي الرشودي، وصالح المطوع، وذكرت نماذج وقصصا لكرم اشتهر به العقيلات. ومن مشاهير الكرم، محمد بن شريدة، وحمود البراك، ومحمد العبدالله البسام، العقيلي ذائع الصيت، والتاجر الذي ربط بين دمشق وبغداد، ومثلت مؤسسته قوسا تجاريا يمتد من بغداد إلى دير الزور فدمشق، وهو الوجيه الذي أطلق اسم أسرته الكبرى "البسام" على إحدى حارات دمشق، والمعروفة بـ"حارة البسام". وهو أحد أمراء العقيلات ومشاهير الكرم فيهم، حتى إنه ذات يوم مر بحائل في فترة حكم الأمير محمد بن عبدالله آل رشيد، فذهب للسلام عليه، فأخذ ابن رشيد يداعب محمد البسام قائلا له، أنت تدور حكم يا محمد في كرمك وعطاياك! فقال البسام، الحكم يبي أهله يا طويل العمر. أنا تاجر أدوّر المكسب، وإذ ربحت نجود من فضل الله على الناس.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق