المشراق

بخروش بن علاس .. أحد رجال الدولة السعودية الأولى

تصادف كتابة هذا المقال وجود أهم حدث سعودي ثقافي وتراثي، متمثلا في مهرجان الجنادرية في دورته 31 بمشاركة عدد كبير من المهتمين بالتراث والتاريخ والثقافة، بجانب مشاركة عدد من المؤسسات المحلية والعربية، تبرز أهمية هذا المهرجان خاصة للجيل الجديد للتعرف على ثقافات ورجالات الوطن المؤثرين، فكل زاوية من زوايا المهرجان المتمثلة في المناطق تفوح منها رائحة التاريخ، إذ إن القائمين عليها والمشاركين حفظوا تراث المنطقة ووثائقها وتاريخها، فانطلاقا من تخصصي في التاريخ واهتمامي الكبير بالشخصيات الوطنية البارزة في كل منطقة انطلقت للتعرف على هؤلاء، مستغلة في ذلك قيام مهرجان الجنادرية، فقد كان لي حديث سابق قبل أعوام مع الشيخ عاشور بن غرسان بن بخروش الزهراني، حفيد بخروش بن علاس القائد العسكري، وتعرفت أكثر عليه من خلال ما قد زودني به من معلومات ووثائق.
عرف بخروش بن علاس في عهد الدولة السعودية الأولى، فهو بخروش بن علاس بن مسعود بن زيد البخروشي الحسني القرشي العمري الزهراني، ولد في سنة 1170هــ/1757م مثلما ذكر الكاتب محمد بن زياد الزهراني في كتابه الموسوم بـ "الأمير بخروش بن علاس الثائر الفتاك على غزو الأتراك"، وقتل في نهاية سنة 1230هـ/1815م، متزوج ولديه ثلاثة أولاد، اشتهر بالشدة والعدل والصرامة فكان سديد الرأي قوي الشكيمة، اتفق مع غيره من أبناء قومه زهران وغامد على مقاومة العثمانيين، فتم دعمه بالمال والرجال والسلاح والمؤونة.
فأصبح قائدا على القبائل تحت راية الدولة السعودية الأولى ضد الدولة العثمانية المتمثلة في شريف الحجاز ومحمد علي باشا والي مصر، بخروش بن علاس من قرية العدية من قبيلة قريش شمال سراة زهران من الباحة، ورئيس لقبيلة بني عمر، بعد أن استقل بها عن الدولة العثمانية والأشراف في الحجاز وأسرة آل عائض في عسير، كان من ضمن المؤيدين للدولة السعودية في عهدها الأول، حيث أغضب الدولة العثمانية بتأييده لهم، فأدرك شريف مكة في تلك الفترة هذا الخطر القادم من الجنوب على الحجاز.
برز اسم بخروش بن علاس بعد أن تم دخول الطائف تحت راية الدولة السعودية الأولى بقيادة عثمان المضايفي، فالدولة السعودية وطدت حكمها في وسط نجد واتخذت الدرعية مقرا انطلقت منه لنشر الدين الإسلامي الصحيح في الجزيرة العربية، من خلال دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، فزاد أتباعهم وتمدد نفوذهم يوما بعد يوم حتى وصلت إلى حدود الحجاز، ما أثار غضب الشريف غالب الحاكم باسم الدولة العثمانية للحجاز في تلك الفترة، فدخل في صراع عسكري مع أتباع الدولة السعودية حتى تم دخول الحجاز على يد القادة السعوديين وأبناء القبائل المجاورة.
بدأ يظهر اسم القائد بخروش بن علاس في الوثائق العثمانية بعد أن تم تكليف محمد علي باشا من قبل الدولة العثمانية بالقضاء على الوجود السعودي، فوزع قواته في الحجاز سنة 1229هــ/1814م بعد سحب سلطات الشريف غالب ونفيه، وتولية الشريف يحيى بن سرور على مكة المكرمة، ثم أعد العدة ونظم الجيوش وقسمها فوضع 200 رجل تحت قيادة إبراهيم آغا، و150 رجلا تحت إمرة الشريف يحيى بن سرور، ونحو 350 رجلا في المدينة المنورة، و50 رجلا بقيادة أحمد بن طوسون، و300 رجل في الطائف، وفي مقدمتهم القائد حسن باشا وعابدين بك، متمركزين في منطقة حدودية تربط الطائف بالباحة، لصد هجمات القبائل في زهران وغامد ومن معهم من القبائل بقيادة بخروش بن علاس الخصم اللدود لهم، وقد تطرق إلى ذلك جون لويس بوكهارت في كتابه المعروف بعنوان "البدو والوهابية" متطرقا بحديثه إلى طبيعة هذه الديار والموقع الجيد الذي اتخذته قبيلة زهران وغامد ومن معهم من القبائل الأخرى، حيث إن بلادهم توفر المؤن من حبوب وخلافه ولن تتأثر بانقطاعها من الطائف مكان تمركز قوات محمد علي باشا.
تحدث محمد علي باشا عن سهولة استعادة مكة المكرمة، فأرسل بخروش بن علاس إليه رسالة تهكم وسخرية، قال فيها "إنه يمتلك دلائل كافية عما يستطيع الوهابيون أن يفعلوه إذا عزم الباشا على القتال معهم، فعليه أن يجهز قوات أفضل من تلك التي يتولى قيادتها وينبغي أن تكون الخطة الأكثر حكمة هي العودة إلى مصر والاستمتاع بماء النيل العذب"، ورد ذكر هذه الوثيقة في المجلد الثاني من وثائق الدولة السعودية الأولى في عصر محمد علي باشا للدكتور عبدالرحيم بن عبدالرحمن، في وثيقة مرسلة من الشريف يحيى إلى محمد علي باشا في 14 جمادى الأولى 1229هـ/4 مايو 1814م، كتب فيها معلومات عن الموقف حول الطائف وأوضاع القبائل هناك، فورد ذكر اسم بخروش بن علاس ورسالته ووصفه بأبشع الأوصاف، وذكر "أن بخروش الزهراني... جواب كتابكم وفهم كلامه يحيل عنه شريف مقامكم وتجاسرنا على ترك إرسالها إليكم...". وبعد ذلك تحرك بخروش ومن معه من القادة للسيطرة على قرية بجيلة مقر حامية عابدين بك، حيث أرسل إلى مصر رسائل لطلب الإمداد لمواجهة الأعداء.

قصص الشجاعة والإقدام
كانت نهاية بخروش بن علاس على يد العثمانيين، بعد أن تمت محاصرة زهران وتم القبض عليه وعلى رفيقه طامي بن شعيب ووقعا في الأسر، فوصفه بوكهارت قائلا "كان بخروش عبوسا صامتا مقتنعا بأن محمد علي باشا لن يعفو عنه بسبب رسالته التهكمية سابقة الذكر"، لكن بخروش استطاع الهرب وقتل الحراس وجرح آخرين، وفي صباح اليوم التالي تمت محاصرته والقبض عليه، وسأله محمد علي باشا "بأي حق قتلت الجنود"، فأجاب بخروش "حين لا أكون مقيدا بالأغلال وأتصرف حسبما أريد"، فكان رد محمد علي باشا عليه بأنه أمر بوضع بخروش وسط الحراس بعد أن أصدر أوامره لجنوده بتعذيبه وتمزيقه بسيوفهم، وقطع رأسه وأرسل إلى القاهرة مع رفيق دربه طامي بن شعيب المتحمي، وطافوا به في القاهرة ثم القسطنطينية، بينما جسده دفن في تهامة زهران، وصدرت عدة وثائق ومراسلات بين الشريف ورجال محمد علي باشا حول هذا الموضوع موجودة في الأرشيف العثماني والمركز القومي المصري للوثائق، يستبشرون بهذا النصر الجليل، فلا يغيب عن الباحثين أهمية ما يورد في هذه الوثائق من حقائق تاريخية لم تسجل في الكتب، تشمل جوانب اقتصادية وثقافية وسياسية ودينية أيضا، ويخدم فيها تاريخ جنوب المملكة العربية السعودية ورجالاته.
أرخ إبراهيم محمد الزيد في بحثه بعنوان "رئاسة قبيلة زهران منذ القرن الثالث عشر الهجري"، في مجلة "عالم الكتب" في المجلد رقم 14 العدد الرابع في المحرم من عام 1414هــ، لتوالي رئاسة قبيلة بني زهران في الباحة منذ نهاية القرن الثاني عشر وبداية القرن الثالث عشر في عهد الدولة السعودية الأولى، فقد تولى بخروش بن علاس رئاسة قبائل زهران في جميع المعارك التي شنتها حملات محمد باشا على الطائف وجنوب الحجاز، وبوفاته انتقلت رئاسة القبيلة إلى أسرة آل القفعي، ثم انتقلت إلى أسرة بن رقوش وتولوا مهام التواصل والتجهيزات وخلافه، حتى عهد الملك عبدالعزيز - يرحمه الله-.
الشعر الشعبي واصفا بطولات بخروش بن علاس والمعارك المشارك فيها
ذكر بخيت بن طالع الزهراني نقلا عن الباحث محمد بن عايض العبلج القرشي الزهراني عن جده محسن العبلج، محدثا له عن تاريخ الباحة ورجالاته، بقوله في قصيدة أرخت للفترة التاريخية التي برز فيها بخروش بن علاس قائلا:

«يوم وحدتكم هزمتم جيوش الدولة أربع هزائم تذكر
الأولى من شواطئ القنفذه لغزو بخروش في قريش وكسرتموهم يا بني عمر
والثانية هزمتموهم في تربه لمعشوقه وجيشهم فيها خسر
والثالثة قامت من الطايف ودمروا في نخال شمرخ واللي نجا منهم اسر
والرابعة بأم الجنادل جندلوهم وقبورهم لليوم تشهد لنا بالنصر
وعابدين البيك خطط لها وأخفوا صوابه زاعمين انه بمكة توفي بالكُلر
نقم على بخروش قاتل جنوده قوم الأرنئوط بقاعدته بالحارثيه قريب الصور».

ولمن أراد الاستزادة والقراءة عن شخصية بخروش بن علاس وعن قريته العدية، عليه قراءة كتاب "بخروش بن علاس الثائر الفتاك على غزو الأتراك"، لمحمد بن زياد الزهراني، وصدر عن دار نشر الانتشار العربي في طبعته الأولى سنة 2015م، في 231 صفحة من القطع المتوسط، واحتوى على مقدمة وسبعة فصول متفرقة بين نشأة بخروش بن علاس ومعلومات عنه، وبين قبيلته، وبطولاته والإرث الحضاري لمنطقته، بجانب توظيف جميع المعلومات الوثائقية والشفوية التي حصل عليها الباحث.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق