نسبة مساهمة القطاع الرياضي في الناتج القومي الإجمالي

|

بداية يجب أن نميز بين الناتج القومي الإجمالي والناتج المحلي الإجمالي، فالاقتصاديون يعرفون الناتج القومي الإجمالي بأنه مجموع القيم النقدية للسلع والخدمات المنتجة المملوكة لسكان دولة معينة خارج وداخل الدولة خلال فترة زمنية غالبا تكون سنة بأسعارها السوقية، أما الناتج المحلي الإجمالي فهو القيمة السوقية لكل الخدمات والسلع النهائية التي يتم إنتاجها بمشروعية كاملة داخل الدولة خلال فترة زمنية محددة، بيد أن الناتج القومي الإجمالي أكثر استخداما لأنه يشمل كذلك قيم السلع والخدمات المنتجة خارج الدولة والمملوكة لمواطني الدولة إضافة إلى قيم السلع والخدمات المنتجة في الداخل، وأهمية الناتج الإجمالي تكمن في أنه أحد الأدوات المستخدمة في تقييم النشاط الإنتاجي في دولة ما من الدول.
ونستطيع القول إن النشاط الإنتاجي للقطاع الرياضي يندرج ضمن الخدمات، بمعنى أن المؤسسات الرياضية تقدم مجموعة من الخدمات ذات القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.
ونعترف بأن هناك صعوبات تواجه المحلل الاقتصادي الذي يريد معرفة نسبة مساهمة القطاع الرياضي في الناتج المحلي أو القومي الإجمالي، وبالذات فيما يتعلق بحسابات القيم النقدية لإجمالي الإنتاج، حيث إن المنتج الرياضي لا يدخل في حسابات التبادل النقدي مثله مثل السلع والخدمات الأخرى، إذ إن حصر الخدمات الرياضية وقياس إنتاجها من الصعوبة بمكان حيث يصعب حسابهما، بمعنى أنه يصعب تحديد كم يربح الاقتصاد الوطني أو كم يخسر من القطاع الرياضي.
والقطاع الرياضي في المملكة ليس قطاعا جديدا، بل هو من القطاعات التي ولدت منذ أكثر من 90 عاما، وهذا التاريخ كفيل بأن يحدد لهذا القطاع دورا مؤثرا في الناتج القومي الإجمالي، وفي السنوات الأخيرة سجل قطاع الرياضة تطورات مذهلة تؤثر ولا شك في الاقتصاد الوطني.
ويجدر أن نقول إن الرياضة في المملكة لم تعد مجرد نشاط هامشي، بل أصبحت الرياضة صناعة ضخمة، كما أن قرار مجلس الوزراء الذي اتخذ عام 2016 بخصخصة الأندية الرياضية، وضع النشاط الرياضي ضمن روزنامة تنويع مصادر الدخل في "رؤية المملكة 2030"، جنبا إلى جنب مع القوتين الناعمتين الثقافة والترفيه.
ومع ذلك يمكن الإشارة إلى أن بعض قطاعات الدولة لا تحبذ نشر نسبة مساهماتها في الناتج المحلي الإجمالي، لأن نسبة مساهماتها في الناتج المحلي الإجمالي ضعيفة، بل تحقق مزيدا من التراجع سنة بعد أخرى. وبعض القطاعات ارتفعت نسبة مساهمتها، وإذا شئنا أن نضرب أمثلة، فإن قطاع السياحة من القطاعات المتطورة الواعدة التي تطورت نسبة مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي بشكل لافت، حيث ارتفعت نسبة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي إلى 7.1 في المائة في عام 2013 وهي نسبة تبشر بمزيد من النمو.
نعود مرة أخرى ونطرح السؤال التالي: ما حجم مساهمة القطاع الرياضي في المملكة العربية السعودية في الناتج المحلي الإجمالي؟
المؤسف أن أحدا من المسؤولين في الهيئة العامة للرياضة لم يصرح بنسبة مساهمة القطاع الرياضي في الناتج القومي الإجمالي للمملكة، ولو حدث هذا فإن ذلك يسهل أمام المحلل الاقتصادي الوصول إلى نتائج على جانب كبير من الأهمية.
نعترف بأننا كي نحسب نسبة مساهمة القطاع الرياضي في الناتج المحلي الإجمالي نحتاج إلى إحصاءات دقيقة عن عدد العاملين في القطاع الرياضي. والقطاع الرياضي الذي أعنيه يتمثل في المؤسسات الرياضية، وهي الهيئة العامة للرياضة، والاتحادات الرياضية، واللجنة الأولمبية السعودية، ورابطة المحترفين، ثم العاملين في المنشآت والملاعب الرياضية، وكذلك في مختلف مجالات العمليات الرديفة من محامين وممثلين للاعبين ومشجعين وأعضاء في الأندية. كذلك نحتاج إلى معرفة زيادة إيرادات الأندية "وبالذات بعد الخصخصة" من خلال عمليات الرعاية، ودخول المباريات، وحجم الاستثمارات والمتاجرة بكل أنواعها حتى بيع وشراء اللاعبين، وإلى غير ذلك من الأسئلة ذات العلاقة بحسابات الناتج القومي الإجمالي.
وهذه المعلومات لا شك أنها ستقودنا إلى معرفة عدد العاملين في القطاع الرياضي من إجمالي الأيدي العاملة في المملكة، كذلك تقودنا إلى معرفة الزيادة المتوقعة للأيدي السعودية العاملة في هذا القطاع عام 2030، كذلك تعطينا نسبة مساهمة القطاع الرياضي في عمليات التوظيف ومعالجة البطالة بين الشباب، وتعطينا نسبة مساهمة هذا القطاع في جميع عمليات الناتج القومي الإجمالي للمملكة.
وأجزم بأن السوق الرياضية السعودية سوق بكر وأرضها خصبة وواعدة بكثير من النجاحات، بل أؤكد أن سوق الرياضة السعودية تتمتع بمحفزات تفوق معظم دول عالمنا العربي، كما أن لدينا جمهورا واسعا شاسعا ممشوقا نحو الرياضة، مستعدا للتعامل مع محفزات الرياضة وأسواقها الكثيرة المتعددة.
إن الفرص الاستثمارية في القطاع الرياضي كبيرة وكثيرة، وهي في حاجة إلى مسوقين على أعلى المستويات كي تتسع وتحقق أهدافها الاستثمارية والتسويقية بأعلى درجات النجاح وبنسب تفوق توقعاتنا.
ولكن أهم ما يحتاج إليه القطاع الرياضي - في المستقبل القريب والبعيد - كي يتحرك ويزيد مساهماته في الناتج القومي الإجمالي، توافر القيادات صاحبة الفكر الإبداعي التي تطرح حلولها غير التقليدية، حتى تجعل صناعة الرياضة من أهم الموارد المجزية للاقتصاد الوطني، ولا سيما أن فرصه التسويقية زاخرة ومبشرة. ونزعم بأن كل بيت سعودي يوجد فيه أفراد متعلقون بالرياضة بصورة عامة وبالأندية بصورة خاصة، ناهيك عن أن أندية اللياقة والصحة بدأت تشكل رافدا مهما من روافد انتشار الوعي الصحي والرياضي، وأصبح لها مريدون ورواد.
وإذا كنا لا نستطيع أن نرجم بالغيب ونتعامل مع بعض الأرقام غير الدقيقة، فإن الهيئة العامة للرياضة يجب أن تعنى بالإحصاءات وتزود مراكز الأبحاث بكثير من الأرقام، وبالذات الأرقام المتعلقة بمساهمة القطاع الرياضي في الناتج القومي الإجمالي حتى تبدأ الدراسات الموضوعية تظهر وتنتشر.
إن فرصا كثيرة ضائعة على اقتصادنا بسبب غياب المعلومات عن قطاع الرياضة، وأزعم أن الوقت قد حان لدفع القطاع الرياضي كي يتبوأ موقعه ضمن القطاعات المهمة الموكل إليها مهمات زيادة الناتج القومي الإجمالي ودعم الاقتصاد الوطني وتنويع مصادر دخله.

إنشرها