ثقافة وفنون

أحمد الناصر الشايع.. قرن من الشعر والوجد والآهات

أحمد الناصر الشايع

الزميل محمد السيف متحدثا الى الشاعر أحمد الناصر الشايع خلال تكريمه في الزلفي

في عام 1338هـ ولد أحمد الناصر الشايع في مدينة الزلفي، وفي عام 1438هـ، انتقل إلى رحمة ربه ومرضاته، بعد أن عاش قرنا كاملا، طويلا بطول قامته وعلو هامته. 
قرن من الشعر والغزل والحب والآهات، قرن من إنسانية فذة وسيرة رائعة عطرة، أحب الناس وغمرهم بفيض شعره، فأحبوه وبادلوه المحبة تقديرا واحتراما لمسيرة نقية الطوية.
درس أحمد الناصر الشايع في كتاتيب الزلفي على يد المعلم عبدالله السحيمي ثم على يد الشيخ عبدالله الغيث، وما إن شب عن الطوق حتى رحل مع خاله فهد اليحيى إلى شمال المملكة، في رحلة ستطول كثيرا، إذ ما إن ضم الملك عبدالعزيز مناطق الشمال إلى حكمه الواسع والممتد، حتى انساح عدد كبير من أبناء نجد في مناطق الشمال للعمل في إمارات المدن والقرى والمخافر على امتداد الحدود الشمالية، والحدود الشمالية الغربية. 
وقد كان لعدد كبير من أبناء الزلفي حضور ودور مهم في إدارة عدد من إمارات المدن والمراكز الحدودية، من أمثال، عبدالله الحمدان ومحمد السليمان الفرهود وبندر الخريصي وأحمد النصار، وغيرهم ممن يمثلون الجيل الأول من أبناء الزلفي ذهابا إلى مناطق الشمال، لذلك ليس غريبا على شاب مثل أحمد الناصر الشايع أن يتجه إلى هناك للعمل، بحثا عن الرزق.
وتضمنت وثيقة مؤرخة في 11/11/1357هـ، موجهة من الأمير عبدالعزيز الأحمد السديري إلى محمد الفرهود، أمير مغيرا الطبيق، كشف رواتب العاملين في مخفر مغيرا، وهم سليمان بن محمد الفرهود، ونايف السعدان، وسعد القحطاني، وصالح اليونس، وأحمد الناصر الشايع. 
وفي أقصى مناطق الشمال السعودي، بدأ أحمد الناصر الشايع الدخول إلى ساحة المحاورة، وكان عمره لم يتجاوز الـ20 عاما، محاورا للشعراء: عطاالله الهذيلي وسعد الشيباني، ثم انتقل بعد حين من الدهر إلى مكة المكرمة، وفيها عرف شاعرا قادما بقوة إلى ساحة الرد والمحاورة، حيث كانت له صولات وجولات مع شعراء كبار، لهم باعهم الطويل في الساحة الشعرية، من أمثال: الشاعر لويحان وعبادل المالكي وعلي النفيعي وميشي القثامي وعطية الصانع وآخرين.
وتوجه إلى منازلة شعراء نجد البارزين في ساحة الرد، من أمثال عبدالكريم الجويعد وأحمد الناصر السكران وعلي أبو ماجد، قبل أن ينتقل لمحاورة الجيل الثاني من شعراء المحاورة، مطلق الثبيتي وخلف بن هذال ومستور العصيمي وصياف الحربي وراشد الجعيثن والحميدي الحربي، وغيرهم. 
هذه الأسماء الشعرية التي حاورها أحمد الناصر الشايع بامتداداتها وأجيالها، أملاها علي في لقاء جمعني معه في مزرعته الكائنة بين الزلفي والغاط، في صباح صيفي مشرق من صباحات عام 1992، وتضمن الحوار تسجيلا لشيء من مسيرته. 
أحمد الناصر الشايع هو امتداد لمسيرة شعرية نبطية، غير أنه سجل تفوقا في هذه المسيرة بابتكاراته وطروقه، التي لم يسبق إليها من قبل، وسجل حضورا فاعلا وقويا في مجالس الشعر والأدب، خاصة في مجالس الأمراء المهتمين بالشعر النبطي، الذين تعرف إليهم وشكل معهم صداقات طويلة، بدءا من الأمير مشاري بن عبدالعزيز ثم الأمير مساعد بن سعود، ثم مع الملك سعود بن عبدالعزيز، وأخيرا مع الأمير محمد بن عبدالعزيز، الذي كان للشاعر معه علاقة وثيقة قوية، ما انفكت إلا برحيل الأمير إلى جوار ربه الكريم، وقد رثاه الشاعر وذرف دمعته الحرى على قبره في ثرى العود.
 وما إن رحل الأمير محمد بن عبدالعزيز حتى يمم الشاعر رحلته شطر مسقط رأسه، الزلفي، ليقضي ما تبقى من خريف عمره في مزرعته، هانئ البال، طيب الخاطر، مغمورا بحب كل من عرفه، وعرف بنقاء سريرته، وفي هذه المرحلة من مراحل عمره ظل وفيا لساحة الحوار والرد، ونزل بقامته الفارعة ليحاور جيل الشباب، بكل تواضع وطيب خاطر، تشجيعا منه لهم وأخذا بأيديهم، ناصحا لهم بألا يستعجلوا قول الشعر ونظمه إلا بعد تجربةٍ ومران، مؤملا منهم أن يطلعوا على أشعار السابقين وأن يحسنوا الاستماع إلى الشعر الجيد. 
من الله على الشاعر أحمد الناصر الشايع بصوت عذب شجي، ساعده على انتشار شعره، ولا سيما وهو شاعر الوجدان والغزل، وقد تغنى كثيرون بشعره وعشقوا صوته.
وعبر مسيرته الشعرية، وإن غلب عليها شعر الغزل، إلا أنه طرق أبواب الشعر النبطي وقال فيها شعرا جزلا رائعا، وقد هجر شعر الهجاء ترفعا وتنزها، وكف عن شعر المديح إلا فيما ندر، وقال الرأي والنصيحة والتجربة في قوالب شعرية، وأبدع في الرثاء، وكانت مرثيته في زميله ونده في ساحة الحوار والرد الشاعر مطلق الثبيتي دليلا على إنسانية الشاعر، الذي فجع برحيل زميله، فرثاه واصفا إياه بأنه شاعر الملعبة، يقول: 
أحسن الله عزا الشعار قاصي وداني فالزميل الفقيد اللي علينا فقيده
فارس الملعبة يصهل صهيل الحصاني ذاع صيته بنجد والديار البعيدة
أصدر أحمد الناصر الشايع ديوانه الأول في عام 1964، بعنوان "نسمات الربيع" وقدم له الأديب الكبير عبدالكريم الجهيمان، وقد نفد الديوان منذ عقود، فأعاد الشاعر نشره عام 2008، ثم أصدر ديوانه الشعري الثاني عام 2013، ونؤمل من أبنائه أن يصدروا ديوانه في شعر المحاورة والرد. 
وفي عام 2002، أقام نادي طويق في الزلفي ليلة وفاء، احتفى فيها بالشاعر الكبير أحمد الناصر الشايع، حضرها الأمير مساعد الأحمد السديري، وأحمد السعدون، رئيس مجلس الأمة الكويتي، والمئات من الشعراء والمحبين له وللشعر النبطي، وقد اكتظت بهم ساحة الملعب الرياضي، وقد سعدت بأن كنت إلى جواره على منصة الحفل مقدما للحفل الشهير، الذي تبارى فيه عدد من شعراء المملكة بقصائدهم الاحتفائية والتقديرية للشاعر الكبير. 
في خريف عمره، فجع الشاعر بوفاة ثلاثة من أبنائه، وقد كان رحيل ابنه الشاعر محمد رحيلا مفجعا، فهو أكبر الأبناء، وهو زميل ساحة المحاورة والرد، ورغم هذه الفواجع والمواجع، بقي شامخا صابرا محتسبا، لم تضعضع له الحوادث كاهلا، فقد طوى حزنه في قلبه بحزمٍ وعزم.
وعلى موقع اليوتيوب توجد محاوره له قبل أكثر من 30 عاما، وهو يحاور ابنه محمد في روضة السبلة، في ليلة هانئة صافية لم تكدرها الأكدار، وما كان يعلم بما تخفيه الأقدار! 
وبرحيله تطوى صفحة مهمة من صفحات مسيرة الشعر النبطي، الذي يرى البعض أن ساحته الآن امتلأت بالغث من الشعر، لذلك توجه الشاعر عبدالرحمن الخميس بقصيدة إلى أحمد الناصر قبل رحيله، يقول فيها: 
يا أحمد الناصر الشايع ترى الوقت مال مال واللي يبرق فيه يشوف البلاء
شيء شفته، ترى ما هو كلامٍ يقال أثبته والشهود اكثار تشهد علا: 
إن شعر النبط ما عاد يسوى ريال،  يوم خلوه ناسٍ وناسٍ جوه ادخلا

جاه ناسٍ تخبط به يمين وشمال،  كل واحد يبي الشهرة لها يوصلا ! 
بالقصيدة تشوف بكل بيت اختلال،  وبالمعاني نشاز، وما تلاقي حلا 
فوقها صورة الشاعر عليه العقال،  عند نفسه تقول الشاعر أبا العلا
قالوا أنت متميز وبقصيدك جمال،  استمر أنت مبدع تكتب الأفضلا 
وانخدع في كلام الربع ولد الحلال،  وابتلا الشعر يوم الشعر فيه ابتلا!
 

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون