المشراق

الشدياق «صقر لبنان» .. تحول من المارونية إلى الإسلام ودون رحلاته في كتب

الشيخ الشدياق

يعد الشيخ أحمد فارس الشدياق رائدا بارزا من رواد النهضة في العالم العربي في القرن التاسع عشر، وقد ولد فارس بن يوسف الشدياق، وهذا هو اسمه قبل أن يتحول من المارونية إلى الإسلام في قرية لبنانية صغيرة تدعى عشقوت عام 1805م لعائلة اشتهرت بالعلم والأدب، ولقب الشدياق يعني الشخص المتعلم كبير القوم، نظم الشيخ فارس الشدياق الشعر باكرا وشغله حب الأدب واللغة حتى عمل أول صباه بنسخ الكتب ونال شهرة واسعة في هذا المجال، لكنه ونتيجة للتعصب الطائفي الذي ذهب بحياة أحد إخوته، حين قرر تغيير مذهبه، الأمر الذي ترك أثرا بالغا في نفسه قرر الرحيل عن وطنه مهاجرا عام 1825 إلى مصر، حيث عمل هناك معلما للغة العربية، ثم وبمساعدة الشيخ رفاعة الطهطاوي محررا في "الوقائع المصرية" الصحيفة الأولى في العالم العربي، وفي مصر تلقى الشيخ الشدياق علوم اللغة والأدب من نحو وصرف وبلاغة على يد أبرز علماء عصره فتفوق فيها، وتتالت عليه نتيجة لذلك الدعوات للعمل في بلدان مختلفة، وقد استجاب لتلك التي قدمها له الأمريكيون في مالطا لتعليمهم العربية وللإشراف على ما تصدره المطبعة التابعة لهم هناك من كتب عربية. في مالطا وضع الشيخ أحمد الشدياق كتابه الأول في الرحلات "الواسطة في معرفة أحوال مالطا"، ثم وبعد أن ذاع صيته كأديب ولغوي لامع استجاب لدعوة أخرى لزيارة بريطانيا والإشراف على ترجمة بعض الكتب إلى العربية، تبعها بزيارة أخرى إلى فرنسا القريبة وتعلم هناك اللغتين الإنجليزية والفرنسية، ثم وضع مؤلفه المهم في أدب الرحلات "كشف المخبأ عن فنون أوروبا" وهو كتاب يستظهر فيه الشدياق أحوال أوروبا وأهلها وعاداتهم كما شاهدها في القرن التاسع عشر، ثم كتابه ذائع الصيت "الساق على الساق فيما هو الفارياق" وهو كتاب أقرب إلى السيرة الذاتية ووضع بلغة ساخرة يتتبع فيه الشدياق أهم مراحل حياته بدءا من قريته اللبنانية الصغيرة عشقوت وانتهاء برحلاته الطويلة إلى مصر ومالطا وتونس ثم أوروبا، مشيرا في جميع ذلك إلى العادات الاجتماعية والأفكار التي كانت تقف عائقا دون لحاق العرب بالنهضة الفكرية والعلمية التي كان العالم أجمع يشهد بواكيرها في ذلك الوقت. في تونس مدح الباي أحمد باشا بقصيدة جارى فيها لامية كعب بن زهير فأعجب من حسن نظمه ودعاه إلى خدمة دولته، فلبى دعوته واستقر عنده، وكان يحرر جريدة "الرائد التونسي"، واعتنق في تونس الدين الإسلامي وتسمى أحمد فارس. ومن يقرأ سيرة الشدياق يشك فيما ينقل عن مارون عبود من أن الشدياق أسلم كي يستطيع تطليق زوجته، إذ لا تسمح بذلك ديانته الأولى، وربما قالها على سبيل المزاح، على أن مارون عبود نفسه رغم أنه مسيحي إلا أنه كان محبا للإسلام والمسلمين وسمى ولديه محمدا وفاطمة. وللشيخ الشدياق قصيدة طويلة في مدح الخليفة العثماني بعد انتصاره على قيصر روسيا عام 1853 والغريب أن تحتوي هذه القصيدة على أبيات يحسبها القارئ لا تصدر إلا من قلب مسلم وذلك حتى قبل اعتناقه للدين الإسلامي بأربع سنوات. يا مؤمنون هو الجهاد فبادروا متطوعين إليه حتى تؤجروا في "لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون" الدليل الأظهر وللشيخ الشدياق مؤلفات أخرى مهمة منها "الجاسوس على القاموس" وهو كتاب عمل فيه على تبيين الأخطاء التي وقع فيها الفيروز أبادي واضع "القاموس المحيط"، وله أيضا "اللفيف في كل معنى ظريف" وهو كتاب في لطائف اللغة إضافة إلى مؤلفات أخرى. وقد أصدر الشدياق في رحلته إلى الأستانة صحيفته الأسبوعية "الجوائب" عام 1860، التي قد لا يكون اسمه قد ارتبط بإصدار ما كما ارتبط بها، وقد كانت هذه الصحيفة ذائعة الصيت في العالم العربي والإسلامي على حد سواء، بحيث كانت أشهر صحف ذلك العصر وأوسعها انتشارا، إلا أنه وفي عام 1884 أجبرته الظروف مضطرا إلى إيقافها لتنطفئ معها شعلة من شعل التنوير في عالمنا العربي والإسلامي. الشدياق أو "صقر لبنان"، وهو اللقب الذي أطلقه عليه الأديب اللبناني مارون عبود في كتابه الذي يحمل الاسم نفسه، كان أديبا بارعا امتلك لغة ثرية مبنية على أسس متينة من القراءة والجد في تلقي العلم والمعرفة، وقد رحل ـــ يرحمه الله ـــ عن عالمنا هذا عام 1887 مودعا بذلك حياة كانت تجسيدا حيا لعلو الهمة وسمو الروح.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق