لاري فينك لم يتوقف عن الوقوف أمام المصورين لالتقاط الصور، في الوقت الذي كان يخطو فيه بجانب تمثال إبراهام لنكولن أثناء دخوله إلى الغرفة الشرقية في البيت الأبيض. وكان فينك، رئيس "بلاك روك"، أكبر شركة لإدارة الأصول في العالم، قد وصل إلى واشنطن في مساء ذلك اليوم من أيلول (سبتمبر) من عام 2015 لحضور أول حفل عشاء رسمي يقيمه الرئيس باراك أوباما لنظيره الصيني، تشي جينبينج.
من بين الحضور البالغ عددهم 200 شخص أو نحو ذلك، الذين اجتمعوا في غرفة العشاء، كان كبار رجال الأعمال الأمريكيين، من أقطاب هوليوود، مثل جيفري كاتزنبرج، الرئيس التنفيذي لـ "دريم ويركس"، إلى المسؤولين التنفيذيين في مجال التكنولوجيا، مثل رئيس "أبل" تيم كوك ومؤسس "فيسبوك" مارك زوكربيرج.
لكن بالنسبة إلى الذين يتبعون التحوّلات الدقيقة في السلطة والنفوذ في وول ستريت، كان وجود جو فينك مثقلا بالطابع الرمزي. والذين كان غيابهم ملحوظا هم جميع رؤساء أكبر المصارف في أمريكا باستثناء واحد.
منذ الأزمة المالية، يمكن القول إن "بلاك روك" كانت الفائز الوحيد الأكبر في القطاع المالي، مع ارتفاع مكانة فينك التي تُجسد تحوّلا في النفوذ بعيداً عن المصارف الاستثمارية في وول ستريت إلى مجموعة مركّزة على نحو متزايد من شركات إدارة الأصول العالمية.
في الوقت الذي دفعت فيه مصارف وول ستريت غرامات قياسية وواجهت مجموعة من التنظيمات الجديدة ما بعد الأزمة، ازدهرت "بلاك روك". هذا العام أصولها التي تحت الإدارة تجاوزت خمسة تريليونات دولار، أكثر من الأموال التي تديرها كل صناديق التحوّط في العالم مجتمعة.
يقول كايل ساندرز، المحلل في "إدوارد جونز"، "بلاك روك كانت قادرة على النمو بشكل أسرع من أي شركة أخرى تقريباً. لقد حققوا الحجم والتنوع بمنتجات جديدة ومبتكرة باستمرار قبل المنافسين".
عملية الاستحواذ على صندوق آي شيرز iShares المتداول في البورصة، التابع لمصرف باركليز، التي تمت في توقيت بارع خلال ذروة الأزمة المصرفية، سمحت لـ "بلاك روك" بوضع نفسها في مركز تحوّل الأصول إلى منتجات منخفضة التكاليف من الصناديق التي يتم تداولها في البورصة. نتيجة لذلك، تمتعت بفترة ذهبية.
في الوقت نفسه، تحوّل فينك إلى صنف نادر: المصرفي المقبول سياسياً. بعد نيل الشهرة من خلال تقديم المشورة للحكومة الأمريكية أثناء الأزمة، عمل فينك كمؤشر مقبول منتظم للمسؤولين في البيت الأبيض وبنى علاقات قوية مع السياسيين والمنظّمين في أنحاء العالم.
الآن في الوقت الذي يقترب فيه عهد أوباما من نهايته، فينك - الديمقراطي مدى الحياة الذي أسس العلاقات بعناية مع هيلاري كلينتون في الفترة التي سبقت الانتخابات الأمريكية - يواجه مشهدا متغيرا.
مع استعداد دونالد ترمب لتولي المنصب مع كونجرس يسيطر عليه الجمهوريون، يبدو أن المناخ التنظيمي والاقتصادي الذي ازدهرت فيه "بلاك روك" على وشك التغير. فقد وضع بعض الجمهوريين إعادة النظر في التنظيمات المصرفية هدفاً أمام أعينهم. ومن المحتمل تحرير المصارف الاستثمارية في وول ستريت ـ التي فتحت معاناتها فرصاً أمام "بلاك روك". لكن عهد ترمب يُمكن أيضاً أن يحقق فوائد لـ "بلاك روك"، مع احتمال تراجع التنظيمات المباشرة الأكثر صرامة لشركات إدارة الأصول.
أحد التحدّيات الماثلة أمام فينك سيكون إثبات أنه هو و"بلاك روك" يستطيعان الحفاظ على الزخم بعد أعوام من التوسع. يقول البروفيسور جيري ديفز، من كلية ميشيجان روس لإدارة الأعمال "هناك في نهاية المطاف حدود بشأن إلى أي مدى يمكنك أن تكبر عندما تكون أكبر الموجودين أصلا".
فينك الذي كانت تراوده الآمال بأن يكون منافساً على منصب وزير الخزانة تحت رئاسة كلينتون، تمتع بعلاقة وثيقة مع المسؤولين السابقين في إدارة أوباما، من خلال تلقين مشورة غير رسمية لوزيري الخزانة، تيم جايثنر وجاك لو، أكثر من أي شخصية أخرى في القطاع المالي الأمريكي. وكان معروفا أنه يعتذر بأدب في منتصف الاجتماعات في "بلاك روك"، لتلقي مكالمة "من واشنطن".
في الوقت الذي تجري فيه إدارة ترمب القادمة تعييناتها، ربما يلزم إعادة تكوين هذه العلاقات إذا كان فينك سيحتفظ بمكانته التي تشبه المستشار للزعيم. مع ذلك، هناك دلائل تشير إلى أن نفوذ فينك سيستمر مع وصول إدارة ترمب. في الأسبوع الماضي، تم ترشيح الرئيس التنفيذي لـ "بلاك روك" لعضوية لجنة استشارية من رجال الأعمال الأمريكيين عمل على تجميعها الرئيس المُنتخب.
الأمر الأساسي بالنسبة إلى قدرة فينك على التفاعل مع صنّاع السياسة هو الاعتقاد أن "بلاك روك" تفتقر إلى تضارب المصالح الذي ألحق الضرر بصدقية المصارف الاستثمارية خلال الأزمة. هذا مكّن فينك من الاستناد إلى العلاقات التي أسسها أثناء نهاية إدارة بوش، عندما تم تعيين "بلاك روك" من قِبل الحكومة الأمريكية للمساعدة في تنظيف مجموعات معقدة من الأصول بعد عام 2008.
يقول البروفيسور ديفز "بعد الأزمة، كان من الصعب العثور على أي علامات سلبية ضده. "بلاك روك" لم تكن تدعم التداول مثل المصارف. لقد كانوا أنظف من زوجة القيصر".
آخرون اتّخذوا وجهة نظر أكثر تهكما عن نفوذ "بلاك روك" في واشنطن، من خلال مقارنة نفوذها المتنامي بنفوذ "جولدمان ساكس"، الذي كان نفوذه كبيراً جداً في عصر ما قبل الأزمة إلى درجة أن بعضهم كان يشير إليه على أنه "الحكومة ساكس". ومنذ الانتخابات وخرّيجو البنك الاستثماري يعودون إلى واشنطن، مع اختيار ستيفين منوشين من قِبل ترمب لمنصب وزير الخزانة ـ واحد من اثنين من التنفيذيين السابقين في "جولدمان" انضما إلى إدارته.
يقول ريتشارد بينتر، كبير محامي الأخلاق في البيت الأبيض في إدارة بوش خلال الفترة من عام 2005 حتى عام 2007 "من الواضح جداً أن "بلاك روك" تلعب اللعبة نفسها التي لعبها "جولدمان ساكس" في التسعينيات. الشركات المالية تعمل في واشنطن كما لو أنها في سباق تسلّح، وفي هذه المرحلة من الوقت هو سباق يبدو أن "بلاك روك" تفوز به".
في بيان أمس الأول قالت "بلاك روك"، "باعتبارنا وكلاء لعملائنا، فمن واجبنا الحفاظ على علاقات قوية وعميقة مع الحكومات في أنحاء العالم كافة، بغض النظر عن الانتماءات الحزبية. نحن نفعل ذلك منذ أكثر من 25 عاماً وسنواصل ذلك".
التحوّط سياسيا
يقول أشخاص مقرّبون من فينك "إن نفوذه في واشنطن نابع من نمو "بلاك روك" السريع منذ الأزمة، وليس العكس. ووفقاً للشركة، العقود لتقديم المشورة للقطاع العام من خلال قسمها "مستشار الأسواق المالية" تشكّل 1 في المائة فقط من إيرادات المجموعة، في حين إن نمو الإيرادات السنوية كان أعلى خلال إدارة بوش مما كان عليه خلال إدارة أوباما". وأثبت فينك أنه يتمتع بنزعة برجماتية بارعة في إرساء العلاقات مع السياسيين في أنحاء العالم كافة، من خلال تقديم المشورة بانتظام للحكومات حول قضايا تراوح من إصلاح أنظمة التقاعد إلى هيكلة واستقرار الأسواق المالية. ويرى جيف هاوزر، من "مركز الأبحاث الاقتصادية والسياسة"، المؤسسة الفكرية اليسارية، أن التغيير في واشنطن من غير المرجح أن يوجّه ضربة كبيرة لقدرته على التعبير عن وجهات نظره لكبار صنّاع السياسة والمنظمين.
يقول هاوزر "من الواضح أن لاري فينك ديمقراطي ثابت مُقرّب من هيلاري كلينتون، لكنني أعتقد أن "بلاك روك" من المرجح للغاية أن تكون قد حوّطت نفسها سياسياً. إذا كان أي أثر، فإن انتخاب دونالد ترمب من المرجح أن يكون أمراً مفيداً لـ "بلاك روك" وغيرها من شركات إدارة الأصول الكبيرة لأنه سيؤدي إلى ضوابط مالية أقل".
في الوقت الذي نمت فيه "بلاك روك" في فترة ما بعد الأزمة، ابتعدت عن الاعتماد على مجموعة متماسكة بإحكام من كبار المسؤولين التنفيذيين الذين أسسوا الشركة، وعينت جيلا جديدا من القادة الشباب، إضافة إلى جلب شخصيات ذات علاقات جيدة من مجالي السياسة والمصارف المركزية.
في الماضي كان السياسيون والموظفون ومحافظو المصارف المركزية السابقون، الطموحون، يبحثون عن فرص عمل في المصارف الاستثمارية، مثل جولدمان، الآن أصبحت شركات إدارة الأصول وجهتهم الجديدة، مع كون "بلاك روك" برئاسة فينك واحدة من الأكثر جاذبية بين جميع الشركات.
يقول أحد كبار المُطّلعين في "بلاك روك"، "أعتقد أن الانضمام إلى مجلس إدارة بلاك روك الآن أكثر جاذبية بكثير من كونك في مجلس إدارة بنك مثل جولدمان. الأمر الوحيد الذي يُمكن مقارنته من حيث المكانة هو كونك في مجلس إدارة شركة تكنولوجيا".
هذه الجاذبية ساعدت فينك على استقطاب عدد من الشخصيات الخارجية رفيعة المستوى من مختلف ألوان الطيف السياسي للانضمام إلى "بلاك روك".
في خطوة تم تفسيرها على نطاق واسع على أنها تساعد فينك على تعزيز علاقاته مع هيلاري كلينتون، عيّنت "بلاك روك" في عام 2013 شيريل ميلز، واحدة من أقرب المقرّبين إليها، في مجلس إدارتها. لكن "بلاك روك" لديها أيضاً عدد من الجمهوريين الذين يخدمون في مناصب عُليا، مثل نائب رئيس مجلس الإدارة، كيندريك ويلسون، المصرفي السابق في "جولدمان ساكس" الذي عمل في وزارة الخزانة الأمريكية أثناء ولاية هانك بولسون، قبل الانضمام إلى "بلاك روك" في عام 2010.
كذلك طوّرت "بلاك روك" أيضاً علاقات مع كبار الجمهوريين خلال أعوام أوباما. يُذكر أن فينك يتمتع بعلاقة جيدة مع بول ريان، رئيس مجلس النواب الجمهوري، وقدّمت "بلاك روك" تبرعات سياسية لعدد من كبار الجمهوريين قبل الانتخابات. ويشتمل هؤلاء على ريان وعضو مجلس الشيوخ، بوب كروكر، وعلى حملة جيب بوش الرئاسية.
وقد يسعى فينك الآن إلى تعيين تنفيذيين يتمتعون بعلاقات وثيقة مع فريق ترمب القادم. يقول هاوزر "أي مسؤول كبير من الحزب الجمهوري يستطيع تسويق الأفكار إلى راينس بريبوس "كبير موظفي ترمب" سيكون قابلا للتسويق كثيراً بالنسبة إلى شركات مثل بلاك روك في الوقت الراهن".
وأشار مستثمرون في شركات إدارة الأصول أيضاً إلى أنهم يتوقعون من رئاسة ترمب أن تكون مفيدة لشركات إدارة الأصول، مع ارتفاع أسعار الأسهم في القطاع منذ الانتخابات. جزء من هذا الاستقبال الحار كان التوقع أن ترمب سيلغي على الأقل بعضا من إصلاحات قانون دود ـ فرانك التي تم إدخالها بعد الأزمة المصرفية.
نقاش مع المنظمين
"بلاك روك" وغيرها من شركات إدارة الأصول الكبيرة خاضت حملة قوية ضد فكرة أنها، مثل المصارف الكبيرة، يُمكن أن توصف بأنها "مؤسسات مالية ذات أهمية تمس النظام بأكمله"، بحجة أنها أساءت فهم نماذج أعمال شركات إدارة الأصول وأنها سترفع التكاليف بالنسبة إلى عملائها. بعد أشهر من ضغط الصناعة - ولا سيما من قِبل "بلاك روك" نفسها - تم إلغاء الفكرة من قِبل "مجلس الإشراف على الاستقرار المالي"، الهيئة الحكومية الأمريكية التي تم تأسيسها بعد الأزمة.
وبحسب فينك، أجرت "بلاك روك" حوارات منتظمة مع المنظمين في أنحاء العالم كافة، للتأكد من أنهم يفهمون كيف تجري أعمالها ولمناقشة أي مخاطر في الأسواق المالية.
وقال في تشرين الأول (أكتوبر) "حواراتنا مع المنظمين هي للتأكد أن لدينا سوقا أكثر أمانا، سواء كنّا نتحدث عن سيولة السوق، أو الرفع المالي، أو هيكلة السوق".
ويتوقع محللون أن يؤدي فوز ترمب إلى وفاة قواعد إدارة أوباما المُصممة لإصلاح الطريقة التي يسوّق بها السماسرة المنتجات المالية لمُدّخري التقاعد. ومن المرجح أن يكون إلغاء القواعد مفيداً لأجزاء أخرى من أعمال "بلاك روك" التي تُقدّم منتجات استثمار تتم إدارتها بالأسلوب النشط.
وعلى الرغم من الإلغاء المتوقع للتنظيمات المالية ما بعد الأزمة، إلا أن أصدقاء فينك لطالما يجادلون بأنه يُعارض التوسيع المتواصل لأعمال "بلاك روك" لتصبح مماثلة أكثر للمصارف التي تحاول أن تنأى بنفسها عنها.
مع احتمال انتهاء أي طموحات سياسية بعد هزيمة هيلاري كلينتون، سيتم تحديد إرث فينك الآن بحسب الطريقة التي يُدير بها انتقال السلطة في "بلاك روك". الأمر الحاسم في هذا الشأن سيكون تجنّب أي إخفاقات من شأنها إعادة إيقاظ القلق بشأن حجمها وارتباطها بالأسواق المالية العالمية.
يقول شخص مُقرّب من فينك "لاري يأتي من داخل مصرف، وقد أدرك في ذلك الوقت جميع عيوب ومشكلات أنموذج المصرف. وهو يُريد تجنّب ذلك، وطالما لاري موجود هناك فلن يحدث هذا".

