FINANCIAL TIMES

ديون الشركات فقاعة تحوم فوق أسواق المال

متداولون في قاعة تابعة لشركة نومورا التي تتعامل في أسعار الفائدة الثابتة. ومع حديث ستيفن منوشن، المرشح لمنصب وزير الخزانة الأمريكي، عن تسريع النمو في الناتج المحلي الإجمالي إلى 3 أو 4 في المائة سنوياً، تشعر أسواق السندات بالقلق من وتيرة ارتفاع أسعار الفائ

لم يكُن هناك نقص في المشترين عندما باعت "مايكروسوفت" 20 مليار دولار من السندات هذا الصيف لتمويل عملية استحواذها على "لينكدإن". بعد أعوام من أسعار الفائدة المنخفضة – ومع اتجاه أسعار الفائدة في بعض البلدان إلى المنطقة السلبية - إصدار السندات من قِبل شركات أمريكية مثل مايكروسوفت كان يبدو جذاباً جداً مقارنة بالعوائد الضئيلة التي تُقدمها السندات الحكومية. لكن بعد تعهد دونالد ترمب بالضغط من أجل تحفيز قوي للاقتصاد الأمريكي من المالية العامة، فإن مبيعات سندات الشركات الرائجة هذه تبدو فجأة كأنها بصمات لبيئة سوق مختلفة جداً. في الوقت الذي يحاول فيه المستثمرون والأسواق توقّع ما تعنيه رئاسة ترمب، هناك استنتاج واحد مُبكر هو أن جرعة من علاج الصدمة باستخدام برامج المالية العامة ستؤدي إلى أسعار فائدة أعلى بكثير وتسريع التضخم. تحركّت الأسواق بسرعة ملحوظة لاحتساب هذه النتائج في الأسعار، مع مسح نحو 2.1 تريليون دولار من أسعار السندات العالمية منذ الانتخابات. حركة صعودية حادة في أسعار الفائدة من شأنها أن تكون أخبارا سيئة بالنسبة إلى المستثمرين الذي راكموا السندات التي تدفع معدلات عوائد ثابت منخفضة جداً. ارتفاع التضخم وانخفاض أسعار السندات من المنتظر أن يُلحق الضرر بقيمة محافظهم الاستثمارية. #2# هناك سؤال مُثير للقلق يواجه أيضاً الشركات الأمريكية التي كانت في مرحلة انغماس مذهلة لإصدار السندات في الأعوام الأخيرة. كيف تمول توسّعها للاستفادة من الاقتصاد الأقوى الذي سينطلق بفعل البذخ الذي يعد به ترمب من المالية العامة؟ يتساءل بوب مايكل، الرئيس العالمي للدخل الثابت في "جيه بي مورجان" لإدارة الأصول "ما مقدار التحفيز من المالية العامة الذي يُمكننا الحصول عليه حين تكون أعباء ديون (الشركات) على ما هي عليه الآن؟ الشركات كانت معتادة جداً على إصدار (السندات) لأجل عشرة أعوام بعوائد بنسبة 2 في المائة، بالتالي سيكون الأمر بمنزلة نوع من الصدمة". على مدى العقد الماضي ارتفعت سندات الشركات في الولايات المتحدة بمقدار ثلاثة أرباع لتُصبح 8.4 تريليون دولار، وذلك وفقاً لأرقام "رابطة صناعة الأوراق المالية والأسواق المالية". التزامات سوق المال التي تشمل قروض الشركات على المدى القصير، رفعت ذلك الرقم إلى 11.3 تريليون دولار. فقط سوق سندات الخزانة الأمريكية هي التي ارتفعت بوتيرة أسرع. إرث هذا الدين أرهق كاهل الميزانيات العمومية لجميع الشركات، باستثناء الطبقة الأولى من الشركات المدرجة على مؤشر ستاندرد آند بورز التي لديها حيازات نقدية كبيرة. وتم استخدام كثير من السندات التي باعتها الشركات في الأعوام الأخيرة في إعادة شراء أسهمها، أو دفع أرباح أسهم أعلى، أو تمويل عمليات الدمج والاستحواذ الكبيرة. وفي حين إن عمليات إعادة شراء الأسهم التي تم تمويلها من خلال القروض الرخيصة عززت الأرباح، إلا أن هناك عنصرا مفقودا، هو الإنفاق على الاستثمار لبناء الأعمال. الآن مع تطلّع ترمب والكونجرس الذي يُسيطر عليه الحزب الجمهوري لإحياء الاقتصاد الأمريكي، تحتاج الشركات إلى تمويل الاستثمار في الأعمال التجارية، الأمر الذي يزيد من حجم الديون الضخم أصلا في سوق تتسم بارتفاع تكاليف الاقتراض. ديدييه سان جورج، العضو المنتدب في شركة إدارة الصناديق "كارمينياك"، يقول "إن تحقيق معدل نمو محتمل أعلى في الولايات المتحدة يتطلب دورة استثمار أقوى بكثير من الشركات". والمشكلة التي يراها هي أن سوق السندات التي شهدت عملية بيع مؤلمة منذ الانتخابات، تتوقع نتيجة يُمكن أن يستغرق تسجيلها 12 إلى 18 شهرا. يقول "في هذه الأثناء، تكلفة رأس المال ترتفع. ونحن بحاجة إلى ارتفاع الاستثمار الخاص". ومن المتوقع أن يرفع "الاحتياطي الفيدرالي" أسعار الفائدة في اجتماعه الأسبوع المُقبل. مع حديث ستيفن منوشن، الذي اختاره ترمب لمنصب وزير الخزانة، عن تسريع النمو الأمريكي في الناتج المحلي الإجمالي إلى 3 أو 4 في المائة سنوياً، تشعر أسواق السندات بالقلق بشأن وتيرة ارتفاع أسعار الفائدة في عام 2017 وما بعد ذلك. المال السهل يقول دان إفاسكين، كبير الإداريين للاستثمار في "بيمكو"، "إن صنّاع السياسة في البنوك المركزية كانوا يشجّعون الطفرة في إصدار السندات، بما في ذلك من خلال برامج صريحة لشراء السندات التي يصدرها البنك المركزي الأوروبي، وبنك إنجلترا، وبنك اليابان، التي أدت إلى تخفيض أسعار الفائدة باستمرار". وعلى الرغم من المخاطر التي تحملها السندات، إلا أن هذا التشجيع من البنوك المركزية ساعد على جعل الشركات أكثر راحة في التعامل معها مقارنة بأي وقت مضى، كما تقول ديان فازا، رئيسة قسم أبحاث الدخل الثابت العالمي في "ستاندرد آند بورز". وتُضيف "كان الحصول على القروض سهلاً والوصول إلى أسواق رأس المال كان غير مُقيّد حتى بالنسبة إلى جهات الإصدار الأدنى جودة". الشركات الأمريكية ذات التصنيف الأعلى جمعت صافي ديون يبلغ 2.4 ضعف، مقارنة بأرباحها قبل الفوائد والضرائب والإطفاء والاستهلاك – وهو مقياس استثماري تتركز عليه الأنظار. يقول "بانك أوف أمريكا"، "إن هذا أعلى مستوى منذ عام 2002، والربع الرابع على التوالي الذي ترتفع فيه الديون". تقول مونيكا إريكسون، وهي مديرة محفظة استثمارية في "دابل لاين كابيتال"، "الرفع المالي، إن لم يكُن عند أعلى مستوياته التاريخية، فهو قريب من ذلك". وتم تخفيض التصنيف الائتماني لعدد من الشركات بسبب الطفرة في إصدار السندات. قبل عقدين من الزمن، أكثر من 66 في المائة من الشركات التي صنّفتها وكالة ستاندرد آند بورز كانت تحمل تصنيفا من الدرجة الاستثمارية الممتازة؛ اليوم النسبة 45 في المائة. نسبة المجموعات التي تحمل تصنيف A أو أعلى انخفضت تقريباً إلى النصف خلال تلك الفترة. الآن اثنتان فقط من الشركات الأمريكية - مايكروسوفت وجونسون آند جونسون - تحملان تصنيف AAA. ما لم تكُن الشركات على ثقة بالنمو الاقتصادي ولديها مشاريع للاستثمار، فمن المرجح كما تقول إريكسون، أن تستمر في استخدام نقودها لإعادة شراء الأسهم وإصدار أرباح الأسهم. ومع أنها تحظى بشعبية لدى المساهمين، إلا أن عمليات إعادة شراء الأسهم وأرباح الأسهم لم تُبقِ لدى الشركات سيولة جاهزة للاستثمار في أعمالها عندما تتحسّن الظروف. يقول إيفاسكين "إصدار السندات أو توزيعها أرباحا على المساهمين لا ييوجد النوع نفسه من الاستثمار والإصلاح الهيكلي والتحسّن في الشركات الأمريكية كافة". ويُحذّر آخرون من أن المستويات العالية من سندات الشركات واجبة السداد تلوح في الأفق باعتبارها تقييدا لقدرة الاقتصاد الأمريكي على تمويل توسع مدفوع من العجز. الارتفاع في سندات الخزانة الأمريكية لتمويل مشاريع البنية التحتية، وهو وعد رئيسي من ترمب، من شأنه زيادة أسعار الفائدة وربما تقييد قدرة الشركات على بيع السندات بالكميات الصحيحة وبالأسعار الصحيحة. في عام 2000، وبعد ذلك في عام 2007، طفرة الائتمان وأسواق الأسهم المرتفعة تبعتهما انهيارات رئيسية ترددت أصداؤها في مناطق بعيدة عبر النظام المالي. والارتفاع الأخير في مستويات السندات أدى إلى مقارنات غير مريحة. يقول سكوت مينيرد، كبير الإداريين للاستثمار العالمي في جوجنهايم للاستثمارات "نحن نعود الآن إلى المستويات التي شهدناها في عام 2000، لكن الاختلاف الكبير هو أننا وصلنا إلى تلك المستويات تماماً على حافة الركود. الركود (المُقبل) على بُعد عامين إلى ثلاثة أعوام، ونظراً لهذا النوع من عبء الديون، فإنه يبدأ بتذكيري بالقروض العقارية لضعاف الملاءة في عام 2005. نحن ما زالنا على مسافة بعيدة للغاية من هذه النهاية. كل ما في الأمر أننا نكوّم مزيدا من الديون في قطاع الشركات". وأعرب المنظّمون عن قلقهم إزاء ارتفاع فقاعة الديون والخطر الذي تُشكّله على الأسواق المالية. وأخذت الأصوات ترتفع الآن، وناقش المسؤولون في "الاحتياطي الفيدرالي" هذا الأمر في اجتماع السياسة في أيلول (سبتمبر). وجاء ذلك بعد تحذير بشأن مخاطر الائتمان هذا الصيف من أحدث تقرير عن المخاطر التي يتعرض لها الاستقرار المالي في الولايات المتحدة، الذي أصدره مكتب الأبحاث المالية. يقول إفاسكين "الحذر مُبرر. هناك كثير من السندات في العالم والنمو الاسمي منخفض". في الوقت الراهن، مستويات السيولة العالية التي تحتفظ بها الشركات الأمريكية، التي تميل بشدة نحو مجموعات التكنولوجيا الكبيرة، والتوقعات الضعيفة بشأن حالات الإعسار في الأعوام المُقبلة، يشيران إلى أن القلق بشأن الرفع المالي في غير محلّه. عودة صعود مؤشرات الأسهم، بما في ذلك مؤشر راسل 2000 للشركات الصغيرة، الذي سجل عددا من الأرقام القياسية، يُمكن أن يتبين أنها أيضاً حصن ضد الديون المفرطة، إذا انتعشت سوق عمليات الاكتتاب العام الأولي. ويمكن أن تساعد عمليات الاكتتاب العام الأولي على تخفيض أعباء الديون المرتفعة. ويعتمد الكثير على ما إذا كانت تدابير التحفيز المقترحة من المالية العامة في عهد ترمب ستعمل على تعزيز الأرباح للشركات في العام المُقبل وتعويض بيئة أسعار الفائدة المرتفعة. أندرو ميليجان، رئيس الاستراتيجية العالمية في "ستاندرد لايف" للاستثمارات، يقول "يجب أن يكون هناك تحسّن في الأرباح لدعم التقييمات والديون الكبيرة التي راكمتها الشركات". إعفاءات ضريبية تُشجع إعادة النقود التي تحتفظ بها الشركات الأمريكية العالمية في الخارج، وهي خطوة يتوقعها المستثمرون خلال إدارة ترمب، يُمكن أن تساعد في تعزيز الاستثمار. يقول ميليجان "من غير الواضح ما إذا كانت الشركات ستستخدم أيا من الأرباح المُعادة في استثمارات رأسمالية أو ببساطة تعزيز عمليات إعادة شراء الأسهم. إعادة الأموال يُمكن أن تتم بسرعة إلى حد ما وتؤدي إلى ارتفاع ملحوظ في عمليات إعادة شراء الأسهم". علاوة على ذلك، يُجادل بعضهم بأن الشركات البارزة التي ثبتت عقودها في معدلات اقتراض منخفضة للغاية - وفي بعض الحالات تبيع السندات بأسعار فائدة سلبية - لن تجد أي مشكلة في سداد الديون. باستثناء الشركات الأمريكية من الطبقة الأولى، تعتبر الأرصدة النقدية أكثر انتشاراً. وتُظهر بيانات "ستاندرد آند بورز" أن الرصيد القياسي من النقود والاستثمارات البالغ 1.84 تريليون دولار، التي تحتفظ بها الشركات غير المالية، يُخفي عبء الديون البالغ 6.6 تريليون دولار. وتتركز السيولة في المقام الأول في 25 مجموعة، بما في ذلك أبل ومايكروسوفت وألفابيت، مالكة "جوجل". وفي العام الماضي ارتفع مستوى الديون نحو 850 مليار دولار، في حين ارتفعت السيولة بمقدار بسيط بلغ 17 مليار دولار. والدولار القوي، المدفوع من الرأي القائل إن "الاحتياطي الفيدرالي" قد يضطر إلى تشديد السياسة بسرعة أكثر للحد من التضخم، يُمكن أيضاً أن يُضعف الأرباح في الخارج بالنسبة إلى الشركات الأمريكية، في الوقت الذي يكون فيه الرفع المالي أصلا أعلى من المتوسط. نهاية سيئة أندرو لابثورن، رئيس التحليل الكمي في "سوسييتيه جنرال"، يقول "إن السندات التي باعتها الشركات المدرجة في البورصة، قياسا إلى أصولها، تجاوزت الذروة التي شهدناها خلال طفرة التكنولوجيا ووسائل الإعلام والاتصالات عام 2000". وهناك فارق حاسم واحد عن طفرات سوق السندات الماضية، هو أن الشركات لا تواجه عائق استحقاق يلوح في الأفق، عندما تحل مواعيد الجزء الأكبر من التزاماتها. ففي الوقت الذي تقلصت فيه أسواق السندات التجارية في وقت مبكر هذا العام، بدأت الشركات في إصدار السندات التي تأتي تواريخ استحقاقها بعد 20 و30 و40 عاماً. متوسط استحقاق السندات من الدرجة الاستثمارية الممتازة أصبح أطول أيضاً، ليرتفع من رقم منخفض يبلغ 12 عاماً في عام 2009، إلى 17 عاما بحلول نهاية عام 2015، وذلك وفقاً لبيانات من مجموعة التجارة الأمريكية، سيفما. هذا عرّض المستثمرين إلى صدمات أسعار الفائدة، في الوقت الذي ترتفع فيه أسعار السندات وتنخفض جنباً إلى جنب مع التحرّكات في السندات السيادية القياسية. حساسية السعر للسندات ذات الاستحقاق طويل الأجل إلى اتجاه أسعار الفائدة قد تفاقم الخسائر ضمن تلك السندات. أسعار سندات الشركات الأمريكية المُستحقة بعد أكثر من 25 عاماً انخفضت 5.7 في المائة في تشرين الثاني (نوفمبر). في المقابل السندات المُستحقة بعد ثلاثة إلى خمسة أعوام تراجعت 1.4 في المائة. في بيئة ارتفاع العوائد، أسعار السندات لأجل عشرة أعوام و30 عاماً كانت الأكثر انخفاضاً ويُمكنها بسرعة إزالة الفوائد المُكتسبة من الاحتفاظ بالسندات. السندات لأجل 30 عاماً التي أصدرتها "مايكروسوفت" التي بيعت في آب (أغسطس) انخفضت إلى 92.30 سنت للدولار في الأسبوع الماضي، أي أقل 4.4 في المائة منذ الانتخابات الرئاسية. والسندات التي أصدرتها "أبل"، المُستحقة في عام 2046، تم تداولها يوم الجمعة بسعر 92.7 سنت للدولار، وهو سعر أقل من القيمة الاسمية في وقت قريب نسبيا هو تشرين الأول (أكتوبر). ريتشارد ماديجان، كبير الإداريين للاستثمار في "جيه بي مورجان برايفت بانك"، يقول "إن المستثمرين أقبلوا على سندات الشركات وإن الائتمان دائماً ما ينتهي بشكل سيئ". ونظراً إلى الارتفاع في الاقتراض العام من قِبل الشركات، يُضيف "الميزانيات العمومية مُثقلة بالكامل". ويرى ماديجان أن الألم الناتج عن لسعة الائتمان سيتم تكثيفه من عدم السيولة النسبي لسندات الشركات في السوق الثانوية. "المشكلة مع الائتمان هي أنه يستغرق وقتاً للتغيير ويُمكن أن يكون مُدمراً للغاية". وعلى الرغم من أن نماذج الإعسار تنظر إلى الائتمان على أساس ما إذا كانت الشركة ستدفع في نهاية المطاف المبلغ المُستحق على السندات عند تاريخ الاستحقاق - مثلاً عشرة أو 30 عاماً - إلا أن الأسواق أكثر تطلّباً بكثير ورأيها يُمكن أن يتغير بسرعة. يقول ماديجان "الطريقة التي تعمل بها أسواق الائتمان هي أننا نسأل باستمرار عن قيمة أصول أي شركة. المستثمرون في الواقع دائماً ما يتساءلون، هل بإمكان هذه الشركة سداد المبلغ المُستحق عليها اليوم، على الرغم من أن السداد غير مُستحق في الواقع إلا بعد 30 عاماً"؟ مع كون أسواق السندات في خضم عملية بيع وحشية في فترة ما بعد الانتخابات، من المقرر أن يستمر المستثمرون في طرح هذه الأسئلة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES