المشراق

المجاعة الكبرى.. دار برغيف خبز

مرت بالبشرية مجاعات كثيرة، وقانا الله وإياكم منها، ذاق فيها الناس الويلات، وتحدثت كتب التاريخ عنها بالغرائب والعجائب، وما زال كبار السن إلى اليوم يروون عن آبائهم أحاديث "سنة الجوع"، التي مرت بمنطقة نجد وأجزاء من الجزيرة العربية سنة 1327هـ. ومن أشهر المجاعات في التاريخ العربي تلك المجاعة الكبرى والشدة العظمى، التي مرت بمصر لمدة سبع سنوات (457هـ- 464هـ / 1065م - 1071)، وروى عنها المؤرخون قصصا أغرب من الخيال. وقد تحدث عن هذه المجاعة بشكل موسع شيخ المؤرخين المصريين تقي الدين أحمد بن علي المقريزي، (764- 845هـ) في عدد من مؤلفاته. قال المقريزي في "اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء": "وفيها عظم الغلاء بمصر واشتد جوع الناس لقلة الأقوات في الأعمال وكثرة الفساد، وأكل الناس الجيفة والميتات، ووقفوا في الطرقات فقتلوا من ظفروا به؛ وبيعت البيضة من بيض الدجاج بعشرة قراريط، وبلغت رواية الماء دينارا، وبيعت دار ثمنها 900 دينار بـ 90 دينارا اشترى بها دون تليس دقيق. وعم مع الغلاء وباء شديد؛ وشمل الخوف من العسكرية وفساد العبيد. فانقطعت الطرقات برا وبحرا إلا بالخفارة الكبيرة مع ركوب الغرر. وبيع رغيف من الخبز زنته رطل في زقاق القناديل كما تباع التحف والطرق في النداء: خراج ! خراج ! فبلغ 14 درهما؛ وبيع أردب قمح بـ 80 دينارا. ثم عدم ذلك كله، وأكلت الكلاب والقطط، فبيع كلب ليؤكل بخمسة دنانير. وبيعت حارة بمصر بطبق خبز، حسابا عن كل دار رغيف، فعرفت تلك الحارة بعد ذلك بحارة طبق، وما زالت تعرف بذلك حتى دثرت فيما دثر من خطط مصر. وأكل الناس نحاتة النخل؛ ثم تزايد الحال حتى أكل الناس بعضهم بعضا".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق