بعد أسابيع قليلة من إعلان ناريندرا مودي، رئيس وزراء الهند، أن 86 في المائة من أوراق البنكنوت في البلاد أصبحت ملغاة بين عشية وضحاها، باشرت الشركات في الهند الآن في فهم الكيفية التي من المرجح بها، أن يؤدي هذا القرار إلى تغيير الطريقة التي تمارس بها الشركات الأعمال. بالنسبة للكثيرين، هذا الإجراء يُمكن أن يتبين أنه تاريخي. شركات الدفعات الرقمية، على سبيل المثال، تذكر أن الطلب على خدماتها زاد عدة مئات في المائة، وبعضها قدّمت أهداف نموها عاما أو أكثر.
هناك قطاعات أخرى لديها أسباب أخرى للشعور بالقلق. شركات السلع الاستهلاكية تحاول تحديد ما إذا كان تعثر المبيعات على المدى القصير، التي غالباً ما تكون نقدا، قد يؤدي إلى تراجع أطول أمدا. كثير من مراقبي السوق يتوقّعون ركودا في سوق العقارات.
بالنسبة للاقتصاد ككل، يتوقع معظم المحللين أن هذا سيؤدي إلى وقف مؤقت للنمو، الذي كان يتحقق بنسبة تزيد على 7 في المائة سنوياً. مؤشر الأسهم سينسيكس خسر 6 في المائة منذ الإعلان، حيث انخفض إلى دون 26 ألف نقطة للمرة الأولى منذ أيار (مايو) الماضي.
جان دريز، خبير الاقتصاد، وصف هذه الخطوة بأنها "مثل إطلاق النار على إطارات سيارة سباق".
يُشير آخرون إلى أن الآثار على المدى الطويل قد لا تزال إيجابية، إذا كان بإمكان الحكومة استخدام بعض الإيرادات الإضافية التي تتوقع جمعها من هذا الإجراء لتقديم تعزيز من المالية العامة، مثل تخفيضات الضرائب الشاملة في ميزانية العام المُقبل.
أبهاي لايجوالا، رئيس أبحاث الهند في دويتشه بنك، يقول: "الحكومة تبقى منحازة للنمو بشكل كبير. هذا يُمكن أن يُذكَر في سِجلات التاريخ الهندي على أنه نقل هائل للثروة من الذين يدّخرون المال إلى الناس العاديين". إذا حدث هذا فعلا، يتوقع الخبراء أن تنتعش الكثير من الشركات في الهند بعد الجيشان. على أنه مهما كانت النتيجة، هناك قطاعات مختلفة من المرجح أن تشعر بالفائدة أو الألم بدرجات مختلفة تماماً.
المصارف
موظفو المصارف المُحاصرة قد لا يشعرون بالأمر الآن، لكن إلغاء فئات العملة من المرجح أن يتبين أنه تعزيز كبير للميزانيات العمومية في شركاتهم، لأن كثيرا من الأموال التي قد تكون بقيت على شكل نقدية لو لم يُتَّخذ القرار، يتم إيداعها الآن.
تحليل من دويتشه بنك يُشير إلى أن 80 في المائة من أوراق البنكنوت في البلاد سوف تعود إلى النظام المصرفي، الأمر الذي سوف يزيد نمو الودائع بما يصل إلى 10 في المائة.
يقول المحللون إنهم يتوقّعون أن يبقى نحو نصف تلك الأموال في النظام على المدى الطويل، الأمر الذي سوف يزيد من الأرباح قبل الضرائب - خاصة في مصارف القطاع العام التي عادةً ما تكون لديها شبكات تجزئة أكبر - بما يصل إلى 15 في المائة. إلا أن المشكلة بالنسبة للمصارف هي أن كلا من الإنفاق الاستهلاكي وسوق الإسكان من المتوقع أن يشهدا تباطؤا في الأشهر القليلة المُقبلة، بسبب إحجام الناس عن الإنفاق ومتاعب الشركات من أجل إبقاء سلاسل التوريد فيها تعمل بدون نقدية. هذه الضغوط المتنافسة دفعت أسهم المصارف الهندية في جولة متقلبة تماما. الأسهم في بنك الدولة الهندي، على سبيل المثال - واحد من أكبر المصارف في القطاع العام - ارتفعت في البداية بنسبة 12 في المائة في الأيام القليلة الأولى بعد هذه الخطوة، لكنها عادت للانخفاض منذ ذلك الحين بنسبة 9 في المائة.
السلع الاستهلاكية
شركات السلع الاستهلاكية تحسب الآن تكاليف النقص المفاجئ في النقدية. من أغراض صغيرة بقدر الأدوية أو السلع المنزلية إلى الأجهزة الأكبر مثل جلايات الصحون أو الغسالات، الكثير من الاقتصاد الاستهلاكي في الهند يعمل على الأوراق النقدية.
سي إم سينج، كبير الإداريين للعمليات في شركة فيديوكون، التي تصنع أغراضا مثل مكيّفات الهواء والتلفزيونات، قال أخيراً إن 40 في المائة من عمليات الشراء في شركته تأتي عبر النقدية. يُضيف، "هذه الدفعات ستكون الأكثر تضرراً".
فيفيك بالي، الرئيس التنفيذي في الهند لشركة سيفورا، شركة السلع الفاخرة المملوكة لمجموعة LVMH، قال إنه يعتقد أن ذلك التدبير يُمكن أن يُلحق الضرر بالمبيعات بنسبة تراوح بين 20 و25 في المائة حتى كانون الأول (ديسمبر) الجاري.
حتى الشركات التي لديها نفوذ مالي كبير مضطرة إلى التكيّف. مسؤول تنفيذي في إحدى الشركات الاستهلاكية متعددة الجنسيات قال إنها تنظر في إعادة التفاوض على شروط الائتمان مع الموزّعين الذين تتعامل معهم على نطاق صغير في كل أنحاء البلاد التي شهدت انهيار المبيعات.
مع ذلك، بعض الشركات شهدت دفعة قوية على المدى القصير. ميهول تشوكسي، رئيس مجلس إدارة مجموعة المجوهرات جيتانجالي، ذكر أنه في عشية الإعلان، تداولت شركته في ساعتين ما تتوقع عادة بيعه في يوم حافل.
متجر التجزئة للمجوهرات يشعر الآن بتأثير توقعات تراجع المستهلكين على نطاق أوسع. أسهم شركة جيتانجالي، بعد أن بقيت ثابتة في الأيام التي تلت الأخبار، انخفضت منذ ذلك الحين بنحو 30 في المائة.
العقارات
من المرجح أن تصبح سوق العقارات في الهند واحدة من أشد الأسواق تضررا بسبب سحب العملة من التداول، خصوصا لأن شراء أو بناء البيوت كان الطريقة الأكثر شيوعا لغسل الأموال السوداء. تقدر شركة لياسيس فوراس، شركة أبحاث في مجال العقارات، أن ما بين 15 إلى 20 في المائة من تعاملات العقارات في الهند تتضمن أموالا نقدية غير مشروعة.
يقول محللون من بنك كريدي سويس: "ربما يستغرق الأمر بضع سنوات لتعود العملة إلى طبيعتها في الاقتصاد "الأسود". وهذا من شأنه أن يبطئ المعاملات، ويؤثر في أسعار العقارات والأراضي".
يصر بعض أفراد الصناعة على أن ذلك لن يؤثر في شركات التطوير العقاري الكبرى التي تحظى بسمعة طيبة، نظرا لأن معظم معاملاتها تتم عن طريق القروض المصرفية. يقترح المحللون لدى بنك إتش إس بي سي أن تلك الشركات الأكبر حجما ستكون أيضا قادرة على الحصول على حصة سوقية من الشركات المنافسة الأصغر حجما على المدى الطويل.
قلة من المحللين تتوقع حدوث ارتفاع في أسعار العقارات، لكن البعض يقول إن شركات التطوير يمكنها الاستفادة على المدى الطويل.
يقول بانكاج كابور، العضو المنتدب في شركة لياسيس فوراس: "يمكننا أن نتوقع عدم حدوث تغيير على الأسعار أو حدوث انخفاض خلال العامين المقبلين. شركات التطوير ربما تشهد تراجعا أكبر حتى من قبل من حيث التكاليف الخاصة بها - سواء من حيث تكاليف الأراضي وتكاليف البناء".
التجارة الإلكترونية
في حين أن متاجر التجزئة الفعلية تُكافح لجذب الزبائن - وكثير منهم يقفون بدلاً من ذلك في طوابير أمام المصارف - هذا ينبغي أن يكون بمنزلة فرصة لشركات التجارة الإلكترونية في الهند لزيادة حصتها السوقية.
تنفيذيون من كثير من تلك الشركات، بما في ذلك شركات أمازون وفليبكارت وسنابديل - أكبر متاجر التجزئة الإلكترونية في الهند - رحبّوا بهذه الخطوة. لكن على المدى القصير الشركات عانت، ويرجع ذلك أساساً لأن نحو 70 في المائة من التجارة الإلكترونية في الهند تُدفع نقداً عند التسليم.
سانجاي سيثي، الرئيس التنفيذي في شركة شوبكلوز، منصة للتجارة الإلكترونية المدعومة من صندوق الثروة السيادية في سنغافورة، قال إن الانخفاض في معاملات تحصيل النقود عند التسليم عوّض الارتفاع في الدفعات عبر البطاقات الائتمانية. وفي حين أن الأعمال من البلدات والمدن الأكبر قد زادت، إلا أن المبيعات الإجمالية انخفضت بنسبة تتراوح بين 7 و8 في المائة بعد إعلان الحكومة.
هناك عدد من المنصات الإلكترونية وضعت قيودا مؤقتة على عمليات الشراء التي يُدفع لها نقداً عند التسليم. وهناك شركات أخرى تُقدّم خصومات على المعاملات عبر البطاقات الائتمانية.
مع ذلك، فإن الكثيرين متفائلون حول ما قد يعنيه هذا لسوق الإنترنت على المدى الطويل. ناندان نيليكاني، أحد مؤسسي شركة خدمات تكنولوجيا المعلومات إنفوسيس، يقول: "إلغاء فئات العملة سيمنح دفعة قوية للحركة غير النقدية بأكملها، فما كان يستغرق أعواماً سيتطلب شهوراً الآن".

