منذ شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي تعاني أسعار الذهب تقلبات شديدة، وغالبا ما تتجه إلى الانخفاض، فالذهب الذي كان قصة نجاح استثماري خلال الأشهر التسعة الأولى من هذا العام، وحقق زيادة تقدر بما يراوح بين 20 و25 في المائة حتى أيلول (سبتمبر) الماضي، تراجع بنحو 3 في المائة في يوم واحد وهو الرابع من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي.
وبلغت الأسعار الخميس المنصرم أدنى مستوى له خلال العشرة أشهر الماضية، ليصل إلى 1180 دولار للأونصة، وتشير التقديرات إلى أنه قبل أيام معدودة من إعلان نتيجة الانتخابات الأمريكية وحتى الآن فقد الذهب قرابة 10 في المائة من قيمته.
وبعكس ما سبق يقف الدولار على النقيض تماما من هذا المشهد السلبي، فخلال الأسبوعين الماضيين ارتفع سعر صرف الدولار بنحو 4 في المائة، ليبلغ أعلى نسبة زيادة تحقق في أسبوعين منذ آذار (مارس) العام الماضي، ويوم الجمعة الماضي حققت العملة الأمريكية أعلى مستوى لها خلال 13 عاما، وسط توقعات بأن تواصل تفوقها أمام معظم العملات الدولية في الأجل القريب.
وفي خضم ما يعتبره البعض عودة إلى الصراع الكلاسيكي بين الذهب والدولار، تطرح العديد من الأسئلة حول الأسباب الداعية لهيمنة تلك الظاهرة على الأسواق الدولية بقوة الآن، وإلى أي مدى ستواصل تلك الظاهرة وجودها في الاقتصاد العالمي، وكيف ستؤثر على مسار السياسات الاقتصادية الدولية خلال السنوات المقبلة، وبالطبع ما هي التوقعات الخاصة بأسعار الذهب وسعر صرف الدولار خلال العام المقبل،
استطلعت "الاقتصادية" آراء مجموعة من الخبراء حول هذا الشأن، لتكتشف أن أغلب وجهات النظر السائدة تشير إلى أن الدولار سيواصل الارتفاع لبعض الوقت مقابل انخفاض في أسعار المعدن الأصفر.
وحول الدوافع "الاقتصادية" لتلك العلاقة العكسية بين الدولار والذهب يقول الاقتصادي البريطاني البروفيسور ستيورت لويس: "العلاقة العكسية بين الجانبين الدولار والذهب وضع اقتصادي طبيعي، فالاثنان الذهب والدولار في وضع تنافسي دائم لجذب المدخرات واستثمارات المستثمرين، وبالطبع هناك قواسم مشتركة بين الجانبين لكن هناك أيضا جوانب مختلفة تجعل المعدن الأصفر يتمتع بجاذبية مقارنة بالدولار في بعض الأحيان، والعكس صحيح".
وأضاف: "منذ بداية العام كان الذهب في وضع أقوى من الدولار، والعامل الرئيسي وراء ذلك زيادة الطلب نتيجة انخفاض الأسعار، أضف لذلك أن أغلب التوقعات لم تكن تتضمن تحسنا في أداء الاقتصاد الأمريكي، ما حد من الطلب على الدولار، ولكن شهر تشرين الأول (أكتوبر) شهد تحسنا نسبيا في سعر صرف العملة الأمريكية في مواجهة العملات الدولية نتيجة تنامي التوقعات بان مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سيقوم برفع أسعار الفائدة في كانون الأول (ديسمبر) المقبل".
ويستدرك قائلا: "إذا ظل شعور التفاؤل بأن الاقتصاد الأمريكي سيشهد انتعاشا خلال الفترة المقبلة، ومع ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية فإن الإقبال على الدولار سيواصل تقدمه، وسيتحول إلى ملاذ لأغلب المدخرين والمستثمرين"
ويصبح السؤال هل من الحكمة شراء الذهب خلال الفترة الأولى من تولي الرئيس ترمب للسلطة؟
يجيب هنري والتر من بورصة لندن قائلا: "عندما انخفضت أسعار الذهب إلى 1200 دولار للأونصة، شهدت الأسواق عمليات بيع واسعة النطاق، حيث إنه نظرا لأن أغلب التوقعات الراهنة تتمحور حول تأييد سياسة التوسع في الإنفاق الحكومي التي تعهد بها ترمب، والتزامه بإنعاش الاقتصاد الأمريكي عبر تحقيق معدل نمو يراوح بين 3 و4 في المائة سنويا، والانتقاد الواضح الذي وجهه لسياسة محافظة المجلس الفيدرالي الأمريكي، يدفع إلى التوقع بأن يشهد الشهر المقبل أو قريبا جدا زيادة في أسعار الفائدة، وهو ما يشجع المدخرين والمستثمرين على التحول من الذهب واقتناء الدولار لتحقيق أرباح مستقبلية"
وأبان أن هذا السيناريو يقابله سيناريو آخر يجب أيضا أخذه في الحسبان، وقد يكون له انعكاسات إيجابية للغاية على أسعار الذهب، فإذا أصر ترمب على تبني سياسة تجارية عدائية للصين، واندلعت حرب تجارية عنيفة بين الطرفين، فإن تداعياتها ستكون ارتفاع معدلات التضخم عالميا، وهو ما سيعلي من الطلب على الذهب بصورة كبيرة للغاية مقارنة بالدولار.
وأضاف أن معدلات التضخم المرتفعة غالبا توجد شعور قلق لدى المستهلكين والمستثمرين على حد سواء بأن المستقبل لن يكون في مصلحة اقتناء العملات، كما أن مواجهة معدلات التضخم المرتفعة يتم غالبا عبر خفض أسعار الفائدة، وهو ما سيفقد الطلب على الدولار جزءا كبيرا من مبرراته "
وأكد أن السيناريو الأخير لا ينفي مخاوف عدد كبير من الخبراء في تجارة الذهب، من أن تأخذ الأسعار في الانخفاض بشدة قبل حلول نهاية العام. وبدوره يتخوف شميم تشتار الباحث في اتحاد السبائك من أن تتراجع أسعار أونصة الذهب إلى 1100 دولار، مؤكدا عدم اعتقاده أن تنخفض الأسعار عن هذا الحد، إذ إنه من المنطقي أكثر أن تراوح حول 1200 دولار.
وأكمل: "انخفاض أونصة الذهب عن حدود 1100 دولار يتطلب أحداث تغيرات جذرية في المديونية الأمريكية، وهذا عمليا مستبعد حتى في فترة الرئيس ترمب"، ومع هذا فإن بعض الخبراء يعتقدون أنه من السابق لأوانه الحكم على التوجهات السعرية للذهب على المدى الطويل حاليا، وذلك حتى تتضح صورة المشهد الاقتصادي للإدارة الأمريكية الجديدة. وأوضح جين جونسون الخبير المالي في بورصة لندن أن مجلس الذهب العالمي في تقريره الأخير الصادر في شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، بأن انخفاض الأسعار سيشجع بشكل ملحوظ على زيادة الطلب خاصة في الهند والصين، كما أن رؤية المجلس تتمثل أن ما يحدث حاليا ليس أكثر من تقلبات معتادة في الأسواق، فالبيئة الأساسية للطلب على الذهب لا تزال قوية من وجهة نظر مجلس الذهب العالمي".
وأشار إلى أن المجلس ما زال يذكر بما حدث في الربع الثالث من العام الماضي عندما أشعل انخفاض المعدن الأصفر بنحو 7 في المائة الطلب العالمي ودفعه إلى مستويات كبيرة.
من جهته، استبعد هنري ديفيد الخبير الاستثماري أن يتكرر هذا السيناريو ويشير بشكل قاطع إلى أن المرحلة المقبلة هي فترة ازدهار الدولار، وأن المعدن الأصفر لن يفلح في منافسة العملة الأمريكية.
وقال: "كل ما يتعلق بالنمو الاقتصادي يصب سلبا في الإقبال على المعدن الأصفر، فكلما زادت حدة التوقعات الإيجابية تجاه المستقبل، تراجع الإقبال على الذهب الذي يعد في الأساس ملاذا آمنا تجاه المخاطر المستقبلية، ولا سيما أنه من المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة انتعاشا اقتصاديا في الولايات المتحدة، ما سيمثل ضغطا على أسعار الذهب.
وأكد أنه بخلاف توقعات مجلس الذهب العالمي فإن انخفاض الأسعار سيدفع إلى مزيد من الانخفاض وليس زيادة الطلب، فهذا النموذج الذي يروج له المجلس صحيح عندما يرتبط الانخفاض في أسعار الذهب، بتراجع في معدلات النمو الاقتصادي، فهنا يرتفع الطلب باعتبار الذهب ملاذا آمنا للقيمة، ولكن الطلب على الذهب سينخفض لأن معدل النمو الاقتصادي في تنام، وهو ما يدفع المدخرين والمستثمرين إلى الاستثمار في العملة وتحديدا الدولار لأن أسعار الفائدة مرتفعة".
وأكمل: "السعر المتوقع لأونصة الذهب في كانون الأول (ديسمبر) المقبل سيبلغ في حده الأدنى 1165 دولارا للأونصة وحده الأعلى 1218، حيث يتوقع أن يراوح المتوسط السعري لشهر كانون الأول (ديسمبر) حول 1122 دولارا للأونصة، وبحلول شهر نيسان (أبريل) المقبل سيصل السعر إلى 1044 ولن يتجاوز 1172 دولارا للأونصة.

