طوال 100 عام .. مؤتمر الطاقة العالمي يتجاهل سياسات الطاقة

|
مجلس الطاقة العالمي بمؤتمره الذي تستضيف إسطنبول دورته الـ 23 الشهر المقبل يهدف إلى تكثيف الجهود الرامية إلى وضع أطر سياسات الطاقة Energy Policy الكافية والقادرة على جذب الاستثمارات اللازمة للوصول إلى نظام طاقة مستدام يحقق أكبر قدر من المنفعة للجميع. لكن للأسف واقع الحال يثبت تجاهلا واضحا لهذا الدور في مؤتمراته، فبدءاً من مؤتمر لندن عام 1950 الذي عقد كأول مؤتمر بعد كارثة قنبلتي هيروشيما وناجازاكي، جاء مخالفا لكل التوقعات، فعوض أن ينصب المؤتمر على إدانة استخدامات الطاقة الذرية الكارثية، تم تشكيل لجنة لبحث استخدام الطاقة الذرية للأغراض الصناعية، وتلا ذلك توجيه الرئيس الأمريكي أيزنهاور لعقد مؤتمر دولي حول الاستخدام السلمي للطاقة الذرية عام 1954. بل حتى في المؤتمر السابق الذي عقد في كوريا الجنوبية عام 2013، نوقشت توصيات إعادة النظر في تقييم دور الطاقة النووية وتخفيض مزيجها من الطاقة الكلي بعد كارثة فوكوشيما النووية في اليابان في فترة ارتفاع أسعار النفط والتركيز على كفاءة الطاقة والنمو الاقتصادي المتسارع في آسيا. فأين هي سياسات الطاقة المتبناه آنذاك؟ وأين هو الربط والعلاقة بينها وبين سياسات الطاقة التي سيتم تبنيها في ظل الانخفاض الحالي لأسعار النفط التي وصلت إلى مستويات أقل من نصف تلك الأسعار التي كانت في المؤتمر الأخير؟! وأخيرا حري بنا أن نسأل، هل سيناقش مؤتمر الطاقة آلية الاتفاق النووي “المتواطئ” بين أمريكا وإيران، وبنود هذه الاتفاقيات المفندة لمصلحة إيران وكيفية وحيثيات تطبيقها طالما أنها تمحورت - بزعمهم - لاستخدامات الطاقة النووية السلمية؟ "الطاقة" قوة غيرت بشمولها وأهمية تنوعها وجه العالم، ولا تزال هي الشغل الشاغل لمراكز البحوث الكبيرة، يتسابق الجميع في معرفة مزيد عنها وتحقيق مزيد من الاستفادة منها في كافة أصقاع الأرض، فهي مفتاح لآفاق رحبة أمام البشرية في السلم وفي الحرب. #2# الطاقة صورة من صور الوجود، زاد من أهميتها إمكانية تنوع أشكالها فمنها: الكهربائية، والحرارية والكيميائية، والنووية، والإشعاعية... وغيرها، وأيضا إمكان تحول جميع أنواعها، وكذلك سعة استخداماتها فلا يكاد يخلو مجال من أحد استخداماتها، حتى أصبحت هي ما يضبط العلاقة بين الدول وتحدد ترتيبها، بل وعلاقة الإنسان بخاصته من أهله وغيرهم، استخداماتها أوسع من الحصر في مقال، فهي باختصار أساس في كل مناحي الوجود، وقد بنى أينشتاين نظريته النسبية عام 1905 على أن المادة والطاقة وجهان للشيء ذاته، ولتكافؤ المادة والطاقة نظرية شهيرة E=mc2، ومنها اخترعت القنبلة الذرية التي دمرت بها أمريكا هيروشيما وناجازاكي في الحرب العالمية الثانية عام 1945 وحسمت بها الحرب لمصلحتها. #3# وقد تأسس مجلس الطاقة العالمي بمؤتمره الدوري من قرابة 100 عام، في أعقاب نهاية الحرب العالمية الأولى، بهدف مناقشة المشكلات والتحديات التي تواجه صناعة الطاقة العالمية، تأسس المجلس كمنظمة غير حكومية وغير ربحية، وقد مر المجلس في عمره بعديد من التغييرات والاضطرابات الجيوسياسية والاقتصادية للتحول الكامل في طريقة فهم الناس للطاقة واستخداماتها، وننوه هنا بأن دخول أعضاء الأمم المتحدة بدأ بعد عام 1945 حيث بدأت علامات الاستفهام على أطروحاته. مفهوم هذه المنظمة، هو الحياد والموضوعية والواقعية في التحليلات وفي برنامج العمل من أجل تعزيز الطاقة المستدامة للجميع. واليوم يوجد ما يقرب 100 لجنة وطنية أعضاء في هذا المجلس، كما تتضمن قائمة الأعضاء الحكومات، والشركات، والمنظمات، وكذلك المختصون. ومن المسلم به أن المؤتمر العالمي للطاقة الذي ننتظر الشهر المقبل دورته الـ 23 منذ تأسيسه هو منتدى الطاقة الأول والأهم في العالم وأبرز اللاعبين في مجال الطاقة على مستوى العالم بلا منازع. #4# مجلس الطاقة العالمي بمؤتمره العالمي يهدف إلى تكثيف الجهود الرامية إلى وضع أطر سياسة الطاقة الكافية والقادرة على جذب الاستثمارات اللازمة، وتحقيق التوازن بين ثلاثة أبعاد أساسية: أمن الطاقة، والعدالة الاجتماعية، وتخفيف التأثير البيئي السلبي. كما يسعى إلى تمكين صناع القرار من الوصول إلى نظام مستدام للطاقة يحقق أكبر قدر من المنفعة للجميع. ولكن للأسف واقع الحال يثبت تجاهلا واضحا لهذا الدور في مؤتمراته، ففي مؤتمر عام 1950 الذي عقد في لندن كأول مؤتمر بعد كارثة قنبلتي هيروشيما وناجازاكي، لم يتم التطرق لاستخدامات الطاقة الذرية الكارثية بل على العكس تماما، حيث تم تشكيل لجنة لبحث استخدام الطاقة الذرية للأغراض الصناعية. وقد تلا ذلك توجيه الرئيس الأمريكي أيزنهاور بعقد مؤتمر دولي حول الاستخدام السلمي للطاقة الذرية عام 1954. والأدهى والأمر هو أن يناقش مؤتمر الطاقة العالمي كارثة فوكوشيما النووية في اليابان وكأنها مفتعلة! ويدعو إلى إعادة النظر في تقييم دور الطاقة النووية وتخفيض مزيجها من الطاقة الكلي، وذلك في المؤتمر السابق الذي عقد في كوريا الجنوبية عام 2013. ولو رجعنا بالتاريخ إلى الجولة الأولى في الهجوم على منتجي النفط، التي أشعلها الرئيس الأمريكي جيرالد فورد لرأينا كيف عبر في كلمته الافتتاحية في مؤتمر الطاقة في "ديترويت" في 23 سبتمبر عام 1974 عن أسفه الشديد بسبب الأثر البالغ لتحطيم أسعار الطاقة في كل مظاهر الاقتصاد العالمي. وسنرى كيف أضاف عبارة "لا يمكن أن نسمح لسياسات منظمة الدول المصدرة للنفط بأن تسيطر على أسواق النفط، وبالتالي تفرض نفسها على صناعة الأسواق العالمية للسلع الأساسية". وفي نفس ذلك اليوم وفي اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك، يؤكد وزير خارجيته هنري كيسنجر أن ارتفاع أسعار النفط ليس فقط قضية اقتصادية بل سياسية. وفي نفس المؤتمر وعند إلقاء خطاب منظمة أوبك على لسان وزير النفط السعودي، الشيخ أحمد زكي يماني "كبير المتحدثين باسم دول أوبك" حذر فيه أمريكا تحذيرا واضحا بعدم البدء في ممارسة "الإمبريالية الاقتصادية"، وأن معظم المشكلات الاقتصادية في العالم لم تكن بسبب أسعار نفط "أوبك"، لكن حقيقة كانت بسبب الاستخدام المسرف وغير المسؤول للطاقة في ظل انخفاض الأسعار، وهنا المفارقة الكبيرة حيث عقدت القمة في "ديترويت"، باعتبارها رمزا لهدر الطاقة في صناعة المركبات التي تستهلك كميات كبيرة من الوقود، وهي المدينة التي يحملها البعض مسؤولية أزمة الطاقة. والمفارقة الغريبة في الأمر أن لسان الإعلام النفطي الغربي لا يزال رطبا من التحذير من تسييس النفط، ومعلوم أين يقع النفط من الطاقة فهو بمنزلة الرأس من الجسد، ألا يعلم هؤلاء أنهم هم من سيس الطاقة، والإعلام والاقتصاد! ألا يدرك هؤلاء أن دول النفط ليست هي من استغل الطاقة في إخفاء مدن من ظاهر الأرض، وقتل آلاف الأبرياء! الدول المنتجة للنفط غاية ما تسعى إليه أن تستغل موردا في باطن أرضها لتحقيق حد مناسب من العيش الكريم لأبنائها، وتحقيق ما أمكن من سبل التعاون في سبيل النهوض بالإنسانية جمعاء، ولو رجع هؤلاء إلى كل ما طرحت السعودية من مقترحات وحلول في كافة المجالات المحلية والعالمية فلن يجدوا طرحا واحدا يخلو من البعد الإنساني، بل وتقديم التضحيات ببعض المصالح الخاصة لتحقيق النفع العام. ولو عدنا لأول مرة عقد فيها مؤتمر الطاقة العالمي في إسطنبول بدورته العاشرة عام 1977، حيث انصرف النقاش عما كان معتادا حول منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" وذلك عندما لوحظ أن السعودية ونصف دول "أوبك" كانت غائبة، بشكل واضح عندها نجد تحول المؤتمر إلى قائمة طويلة من مصادر الطاقة البديلة للوقود الأحفوري، ونجد التركيز على مصادر الطاقة المتجددة، والطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، ونجد أن المجتمعين وقتها أظهروا تجديد الاهتمام بمسألة الطاقة النووية. مؤتمر الطاقة 2016 جدول مواضيعه لمراقبة الابتكار والاستجابة لعاصفة أسعار السلع الأساسية ليتم التمكن من اتخاذ قرارات أكثر استنارة نحو مستقبل مستدام للطاقة. تركيا بعد شهر ستستضيف ما يعتبره البعض أكبر مؤتمر للطاقة عقد على مدى المائة سنة الماضية في دورته الـ 23 الذي ستستضيفه في إسطنبول، حيث سيكون الحدث الأكبر من نوعه، من خلال مشاركة مئات الوزراء والتنفيذيين من كافة دول العالم، سيتم الجمع بين وجهة نظر كل من قادة الصناعة وقادة السياسة جنبا إلى جنب مع مختصي مجتمع ومجلس الطاقة الدولي، ما يجعله مجالا واسعا للقاءات التشاورية والجلسات الثنائية والقمم الوزارية. مؤتمر هذا العام يركز على قادة قطاع الطاقة الأكثر قلقا حول أسعار السلع الأساسية، واستمرار آثار التباطؤ الاقتصادي، وسيناقش أفضل سبل إنتاج الطاقة، كما سيناقش أفكارا جديدة للطاقة وقضايا التكنولوجيا. وسيناقش أيضا استمرار حالة من عدم الاطمئنان في جدوى اتفاقيات تغير المناخ، في تصميم أسواق جديدة والتخزين الكهربائي وتقنية التقاط الكربون وتخزينه. ويركز المؤتمر أيضا على قدرة تمويل التحول إلى نظام مستدام للطاقة في ظل اعتراف متزايد بالتكيف والمرونة مع التحديات الجديدة من تهديدات الاختراق المعلوماتي والمخاطر المناخية المتطرفة. تركيا وضعت سياسة جديدة للطاقة في البلاد تتواءم مع الشواغل المتعلقة بتغير المناخ على أن انبعاثات غاز الكربون ليست عالية في تركيا، التي من خلال رئاستها مؤتمر قمة مجموعة العظماء الـ 20 العام الماضي، ناقشت حاجة إفريقيا إلى الطاقة، وإلى تنمية البنية التحتية في إفريقيا، من خلال تعزيز الاستثمارات في الطاقة وخلق فرص استثمارية أوسع. مؤتمر الطاقة العالمي حدث عالمي مهم، ينتظر العالم مخرجاته التي ستنعكس على كثير من مناحي الحياة لتعلقها بأحد أهم المؤثرات في حياة الناس ألا وهو الطاقة، وما أدراك ما الطاقة؟ وسيكون بلا شك للمملكة إسهام بارز كما جرت العادة في مثل هذه التظاهرة العالمية مع وجود مكثف ومتنوع من كامل نطاق قطاع الطاقة في العالم. ومن المنتظر أن يشكل مؤتمر الطاقة العالمي الـ23 منعطفا حاسما في رسم معالم مستقبل الطاقة العالمية، في وقت بدأت فيه الشكوك تحوم فوق رؤوس كثير من القيادات حول عدم الجدية في تجاوز مرحلة استغلال هذه المناسبات لفرض سياسة الأمر الواقع، رغم أن المناسبة تشكل مرحلة من أهم المراحل، والمؤتمر تأسس ليكون فضاء يجمع أطراف وقيادات التحكم في مجتمع الطاقة عبر العالم. ويعد مؤتمر الطاقة العالمي الفعالية العالمية الأكثر شمولية في مجال الطاقة الذي سيناقش أيضا أطروحات واتفاقيات مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ COP21 حيث سيجمع المؤتمر جميع الدول وجميع أشكال الطاقة وجميع المساهمين في بيئة محايدة. ولا بد هنا أن نستذكر سويا مؤتمر الطاقة العالمي السابق، الذي عقد في مدينة داييقو في كوريا الجنوبية وكان انعقاده في فترة ارتفعت فيها أسعار النفط، لنتذكر أن التركيز كان حينها على كفاءة الطاقة والنمو الاقتصادي المتسارع في آسيا، فحري بنا بل وجب علينا أن نسأل اليوم عن سياسات الطاقة المتبناة آنذاك وعن الربط والعلاقة بينها وبين سياسات الطاقة التي سيتم تبنيها في ظل انخفاض أسعار النفط الحالي الذي وصل إلى مستويات هي أقل من نصف تلك الأسعار التي كانت في المؤتمر الأخير! وأخيرا حري بنا أن نسأل، هل سيناقش مؤتمر الطاقة آلية الاتفاق النووي "المتواطئ" بين أمريكا وإيران وكيفية تفنيد بنود هذه الاتفاقيات وتطبيقها طالما أنها تمحورت - بزعمهم - لاستخدامات الطاقة السلمية؟
إنشرها