FINANCIAL TIMES

«إيني» تجلب تكتيكات المنتخب الإيطالي الدفاعية إلى عالم النفط

في الرابع من حزيران (يونيو)، كلاوديو ديسكالزي، الرئيس التنفيذي لـ "إيني"، شركة النفط والغاز الأكبر في إيطاليا، قام برحلة قصيرة في سيارة ذات دفع رباعي مدرعة، مع مرافقة أمنية، من المطار الرئيسي في طرابلس إلى المكتب المؤقت لفايز السراج، رئيس وزراء ليبيا المدعوم من الأمم المتحدة، في قاعدة أبو ستة البحرية. ديسكالزي (61 عاما)، المخضرم في عالم التنقيب والإنتاج في إفريقيا، رأى حوله وضعا "طبيعيا" إلى حد ما، على الرغم من الحرب الأهلية التي اجتاحت البلاد خلال الأعوام القليلة الماضية. يقول: "كان هناك أشخاص يخرجون من منازلهم، وكانت هناك سيارات منتشرة. كان الأمر مختلفا عن ليبيا التي عرفتها". لكن بالنسبة لديسكالزي، الذي لم يدخل ليبيا منذ عام 2014 ولم يلتق بكبار المسؤولين في الحكومة في البلاد منذ انهيار حكم معمر القذافي الدكتاتوري عام 2011، كان هناك سبب أعمق ليشعر بالراحة من تحسن الصورة في هذا البلد الواقع في شمال إفريقيا. قدر من الاستقرار في ليبيا من شأنه طمأنة المستثمرين أن احتمالات تسبب الاضطراب بإغلاق نحو 20 في المائة من عمليات الإنتاج التابعة لشركة إيني كانت تتراجع أخيرا، الأمر الذي يزيل واحدا من مصادر الشركة الرئيسية للمخاطر الجيوسياسية. يقول ديسكالزي: "كان هناك تغير وكان تغيرا إيجابيا. ذهبنا وتحدثنا مع رئيس الوزراء. هذا لم يحدث منذ أعوام. تلك كانت المرة الأولى منذ الربيع العربي يكون هناك محاور مؤسسي". ارتياح ديسكالزي قد يكون مؤقتا فقط، لأن حكومة السراج تبقى هشة، والفوضى يمكن أن تزداد مرة أخرى في أي وقت. لكنها تسلط الضوء على جهود الرئيس التنفيذي لـ "إيني" لإعادة تشكيل أكبر شركة في إيطاليا من حيث الرسملة السوقية، وأبرزه على الساحة الدولية. ليس فقط أن الشركة كانت مضطرة للتعامل مع الانهيار في أسعار النفط الخام، لكنها أيضا واجهت زيادة التوترات السياسية وحتى العنف في البلدان التي تعمل فيها، ما أنتج بعضا من أكثر الأوقات العصيبة وأكبر الخسائر في تاريخ إيني المؤسسي. مصير الشركة في مثل هذه البيئة الصعبة يتعقبه عن كثب ماتيو رينزي، رئيس الوزراء الإصلاحي في إيطاليا، الذي كان من المدافعين عن "إيني" منذ صعوده إلى السلطة في عام 2014، والذي يواجه ضغطا سياسيا في أماكن أخرى بسبب المشاكل المتفاقمة في القطاع المصرفي في البلاد. رينزي هو من اختار ديسكالزي ليتولى المنصب الأعلى، ورئيس الوزراء سعى لدعم الشركة من خلال مجموعة من أدوات السياسة الداخلية والخارجية، بما في ذلك العديد من الزيارات معا إلى بلدان إفريقية رئيسية في محفظتها الاستثمارية، مثل نيجيريا وموزبيق والكونغو وأنجولا وغانا. #2# قال رينزي في مقابلة بعد وقت قصير من توليه المنصب: "إن شركة إيني اليوم هي جزء أساسي من سياسة الطاقة والسياسة الخارجية وسياسة الاستخبارات لدينا". وأثار هذا الاعتراف الصريح بمدى التشابك بين مصائر الشركة والمصالح الوطنية في إيطاليا حالة من القلق في بعض الأوساط. يقول جوليو سابيلي، أستاذ التاريخ الاقتصادي في جامعة ميلان: "شركة إيني لم تحظ بمثل هذه العلاقة القريبة مع الحكومة منذ أيام [إنريكو] ماتيي"، مشيرا إلى مؤسس الشركة الذي لقي حتفه في حادث تحطم طائرة بالقرب من ميلان في عام 1962. عمليات المنبع قدرة شركة إيني على تحقيق النجاح ربما تعتمد إلى حد كبير على رهان وضعه ديسكالزي استجابة للانخفاض في أسعار النفط الخام. هذا ينطوي على ألا تكون الشركة بعد الآن بمنزلة تكتل طاقة إيطالي مترامي الأطراف، لكن مجموعة أصغر تركز على خبرتها الأساسية في أنشطة التنقيب والإنتاج - المعروفة باسم عمليات المنبع. التحول في التركيز تضمن إنهاء الخروج من "سنام آند جالب"، شركة توزيع الغاز الإيطالية ومجموعة الطاقة البرتغالية. لكنه يعني أيضا تقليص حجم حصتها في "سايبم"، شركة تشغيل خطوط الأنابيب، التي ساعدت في تقليص الرفع المالي لشركة إيني من خلال إزالة نحو خمسة مليارات يورو من الديون من ميزانيتها العمومية. يقول ديسكالزي: "نحن نشعر براحة كبيرة لأنه في الأعوام القليلة الماضية كنا ناجحين جدا في التنقيب، وفي الإنتاج، وفي اكتشاف وتطوير حقول جديدة". اكتشاف "زهر"، حقل الغاز الواقع قبالة ساحل مصر في البحر الأبيض المتوسط، العام الماضي في بقعة حيث الشركات الأخرى كانت قد حاولت وفشلت في العثور على أي شيء، عزز منطق شركة إيني في القرار، من خلال تسليط الضوء على براعة التنقيب التي تتمتع بها. والانتعاش الأخير في أسعار النفط الخام - إلى 49 دولارا للبرميل من مستوى منخفض بلغ 27 دولارا في كانون الثاني (يناير) - حظي أيضا بالترحيب. حتى الآن، الحكومة تدعم هذا القرار. يقول فابريزيو باجاني، أحد كبار المسؤولين في وزارة المالية الإيطالية وأحد أعضاء مجلس إدارة شركة إيني: "نحن نعتقد أن القيمة الحقيقة المضافة لشركة إيني - قلب مهارتها الفنية وأعمالها - هي فعلا في عمليات المنبع ونحن بحاجة إلى تقدير ذلك ومنحه الرؤية اللازمة حتى يتمكن المساهمون من إدراك أهميته". لكن بعضهم يشعر بالقلق من أن هذا يمكن أن يترك الشركة أكثر عرضة بكثير لأي انخفاض جديد في أسعار النفط الخام، أو فترة طويلة عند المستويات الحالية. ليوناردو موجيري، وهو مسؤول تنفيذي كبير سابق في شركة إيني وزميل أول في جامعة هارفارد، يقول: "أنا أشعر بالقلق من أن قرار الرهان فقط على عمليات المنبع سيكون قاتلا للشركة". ويضيف: "في حين أن الشركات الكبرى الأخرى تملك القدرة على الصمود أمام العاصفة من خلال الاستفادة من المراحل المتوسطة للإنتاج [النقل] وعمليات المصب [التكرير]، إلا أن شركة إيني لا تستطيع أن تفعل هذا". رد شركة إيني الحاسم على هذا الانتقاد هو أنها لم تعد فقط تركز على التنقيب والإنتاج، لكن جعلته أكثر كفاءة. بين عامي 2014 و2015، خفضت إيني نفقاتها الرأسمالية بنسبة 17 في المائة، في الأساس من خلال تخفيض المشاريع الجديدة. وخفضت أيضا نفقاتها التشغيلية، مثل تكلفة اللوازم وسفن الدعم، بنسبة 13 في المائة. ووجهت الشركة المستثمرين لتوقع مزيدا من التقشف، مع انخفاض النفقات الرأسمالية بنسبة أخرى تبلغ 21 في المائة بحلول عام 2019 وتكلفة التعادل للمشاريع الجديدة تنخفض من 45 دولارا من معادل برميل النفط في عام 2015 إلى 27 دولارا في عام 2016. يقول هاميش كليج، المحلل في بانك أوف أمريكا ميريل لينش: "باختصار، شركة إيني كانت واحدة من أفضل خافضي التكاليف. تكلفة البرميل فيها من بين الأدنى في فئتها". إضافة إلى ذلك، يقول كليج إن أنشطة التنقيب والإنتاج في شركة إيني تتغير لتحل محل أولوية المشاريع بتكلفة أقل، مع وقت أقصر للتسويق من بعض الاستثمارات السابقة. أحد الأمثلة، كما يقول، هو المرحلة الأولى في حقل نينيه في الكونغو، حيث وجدت النفط وبدأت بالإنتاج في غضون عام، من خلال استخدام منصة قائمة كانت مناسبة للتطوير، بدلا من بناء أخرى لكن أكثر تكلفة. حقل زهر، أيضا، يناسب التكاليف، لأن حقل الغاز قبالة الساحل المصري يقع بالقرب من بنية تحتية قائمة، ما يعني أنه يمكن جلبه بسرعة إلى السوق بمجرد أن يبدأ الإنتاج في عام 2017. إذا سار كل شيء على ما يرام بالنسبة للشركة، ستكون "إيني" قادرة على الاستفادة من نجاحاتها في مجال التنقيب من خلال بيع حصص في بعض المشاريع - بما في ذلك حقل زهر وحقل غاز كبير آخر في موزمبيق - إلى شركات إنتاج أخرى. يقول ديسكالزي: "أنا متأكد. من الصعب جدا بيع أصول الإنتاج اليوم (...) لكن أصولنا هي أصول جيدة". أندريا جريكو، الصحافي في صحيفة "لا ريبابليكا" الذي شارك في تأليف كتاب عن شركة إيني بعنوان "الدولة الموازية"، يقول: "نوعا ما الأمر يبدو مثل نمط كاتيناشيو في كرة القدم"، مشيرا إلى التكتيكات الدفاعية التقليدية للمنتخب الوطني الإيطالي. "إنهم يبحثون عن بعض الاستثمارات السهلة التقليدية، التي يمكن بيعها بسرعة". مطالب المساهمين في الوقت الذي اقتنع فيه معظم المحللين تماما بالتحول الاستراتيجي لديسكالزي، يشك بعضهم في ما إذا كان سيتمكن من تنفيذه كما يأمل، الأمر الذي يمكن أن يجعل الشركة ضعيفة. ولا تزال الذكريات المريرة قائمة ما بين المساهمين حول التأخير وتجاوز التكاليف الذي خيم على مشروع حقل كاشاغان في كازاخستان، وهو استثمار مشترك مع شركات نفط رئيسية أخرى. وتم اكتشاف الحقل في عام 2000 لكن من المتوقع الآن فقط أن يبدأ في إنتاج كميات كبيرة من النفط بعد إصلاح خط أنابيب. يقول أحد المحللين المشككين، رفض الكشف عن اسمه: "المشروع يضم مستكشفين ناجحين حقا، لكن لماذا لم يؤد ذلك إلى الحصول على عائدات أفضل؟ هل بإمكان المشروع توليد ما يكفي من التدفق النقدي لتسديد أرباح الأسهم عندما تكون الأسعار 65 دولارا للبرميل بحلول عام 2018؟ هذا أمر ممكن، لكنني أعتقد أن هناك فرصة أكبر بكثير لحدوث انخفاض في العائدات". وكانت "إيني" من أوائل شركات النفط الكبرى التي خفضت توزيعات الأسهم في عام 2015، من 1.12 يورو إلى 0.80 يورو للسهم الواحد ـ ويعتقد كثير من المحللين، بمن فيهم كيبلر شوفرو، أن الشركة ستكون قادرة على الحفاظ على ذلك المستوى. وكان شوفرو قد أعلن في مذكرته الأخيرة أن هذا مستوى "آمنا". لكن إذا لم يحدث ذلك، يمكن أن يكون الخفض الثاني بمنزلة ضربة مريرة للمستثمرين، بمن فيهم حكومة رينزي. والسؤال الوحيد الذي يقض مضجع ديسكالزي هو ما إذا كان يمكن أن ينتهي الحال بالاضطرابات الجيوسياسية إلى تقويض نجاح أنموذجه الجديد للاستكشاف وجهده لتخفيض التكاليف. ومنذ عهد ماتي، تفخر "إيني" باستخراج المواد الهيدروكربونية من بلدان فقيرة ذات حكومات يصعب التعامل معها. لكن هذا يعتبر غالبا السبب في تداول أسهمها بسعر مخفض مقارنة بأقرانها الذين لديهم أنشطة أكثر في اقتصادات متقدمة وأكثر أمانا. واشتدت حدة تلك المعضلة خلال السنوات الأخيرة. وتزامنت الأيام الأولى لديسكالزي في العمل مع الأزمة الأوكرانية، ما عمل على تأجيج التوتر مع روسيا فلاديمير بوتين الذي تمتع معه سلفه، باولو سكاروني، بعلاقات وثيقة. وانسحبت "إيني" من "ساوث ستريم"، مشروع خط الأنابيب المثير للجدل الذي ألغاه الرئيس الروسي في نهاية المطاف، وحولت تركيزها بشكل حاسم نحو إفريقيا التي من المتوقع أن تولد معظم إنتاج الشركة ما بين عامي 2016 و2020، وفقا لبيانات من كبلر شوفرو. لكن إفريقيا تعاني مشاكلها الخاصة بها. في الوقت الذي تمكنت فيه "إيني" من مواصلة ضخ الغاز خارج ليبيا وزيارة ديسكالزي إلى طرابلس تبين أن الظروف تحسنت هناك، يبقى الأمن مسألة مفتوحة. في مصر، كان اكتشاف زهر يشوبه ارتفاع في حدة التوتر بين روما والقاهرة بشأن القتل الوحشي لجوليو ريجيني، طالب الدكتوراه الإيطالي، إضافة إلى التهديد الذي يفرضه الإرهاب في البلاد، الأمر الذي يسبب الضرر للآفاق الاقتصادية. في نيجيريا، عانت "إيني" هجمات وخلل في الإمدادات، وديسكالزي موضوع تحقيق تجريه النيابة العامة الإيطالية بشأن فساد مزعوم يتعلق بمشروع نفطي. لكنه ينفي ارتكابه أية مخالفة. مخاطر جيوسياسية يقول أحد المسؤولين التنفيذيين السابقين: "تعد الشركة أساسا رهينة لإفريقيا". ويضيف قائلا: "لقد ركزوا كل أعمالهم في مناطق من العالم ليست مستقرة بصفة خاصة". باجاني، من وزارة الخزانة الإيطالية، يجب عدم قطع الصلة بين إيني وإفريقيا "لكن الاستثمار في مناطق أخرى يمكن أن يكون أمرا يؤخذ في الحسبان". ويشدد ديسكالزي على أنه يفعل ذلك بالضبط، من خلال "تنويع قوي" نحو شرق آسيا، مع مشاريع ناشئة في فيتنام وإندونيسيا وميانمار. كما يذكر أن "إيني" لديها وجود في أمريكا اللاتينية، إضافة إلى الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة والنرويج. لكنه لا يشعر بأي إلحاح للوصول إلى مناطق أبعد من ذلك. ويقول: "هناك الكثير من البلدان ذات المخاطر الجيوسياسية وأعتقد أنك يجب أن تمتلك المهارات والقواعد والعمليات والأمن للتعامل مع ذلك. وهذا أمر إيجابي بالنسبة لـ"إيني"، لأننا نشأنا في أوضاع صعبة". مصدر الخوف هو أن التحرك والانتقال إلى بلدان أكثر أمنا في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من شأنه أن يقوض الميزة التنافسية الرئيسية. يقول سابيلي، الذي يعمل أيضا باحثا في مؤسسة إينريكو ماتي الفكرية: "إنهم لا يصنعون الشوكولاتة، ولا يزرعون الأزهار، بل هم رجال نفط وغاز". وتبين إيطاليا أن الدول المتقدمة تستطيع فرض تحديات أيضا: فقد عمل تحقيق قضائي على إيقاف إنتاج حقل نفطي كبير تابع لـ"إيني" في جنوب إيطاليا هذا العام، وتتقدم الحركة الشعبوية المعنية بالأمور البيئية "فايف ستار" في استطلاعات الرأي لتتصدى لرينزي. في النهاية، هدف ديسكالزي هو تحويل إيني إلى شركة نفط وغاز أكثر نشاطا وأصغر حجما، يمكن أن تبدأ أيضا في دمج الطاقة المتجددة في محفظتها الاستثمارية للوفاء بمعايير الحد من الانبعاثات العالمية. وتراجع أداء أسهم "إيني" مقارنة بأداء أقرانها الأوروبيين، مثل "بريتيش بتروليوم" و"شل" و"توتال"، خلال العامين الماضيين - جزئيا بسبب المخاوف المتعلقة بالمخاطر الجيوسياسية - لكن المزيد من المحللين يصنفون أسهم الشركة الآن تحت بند "الشراء" بدلا من "البيع"، ما يوحي بالثقة في المسار الذي تسلكه. في النهاية، يمكن أن تصبح "إيني" شريك اندماج ملائما لشركة نفط كبرى. وهذا من شأنه أن يسلط الضوء على الحكومة الإيطالية وما إذا كانت مستعدة للتخلي عن سيطرتها. لكن ديسكالزي لا يترك أي مجال لمثل هذا الكلام في هذه المرحلة. يقول: "نحن فخورون جدا بثقافتنا، وفخورون جدا بالإنجازات التي حققناها، وهذا هو مصدر قوتنا. نحن الآن نتمتع بقوة لا يمكن اختراقها أو الوصول إليها".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES