أزمة الرأسمالية في أمريكا

|
كانت نتائج استبيان قام به معهد هارفارد للسياسة حول موقف الأمريكيين من الرأسمالية وما إذا كانوا يعدون أنفسهم من الداعمين للرأسمالية مفاجأة. فقد أظهر الاستبيان أن هناك ما نسبته 19 في المائة فقط من الأمريكيين الذين تراوح أعمارهم بين 18 و29 عاما يصنفون أنفسهم على أنهم رأسماليون، و42 في المائة فقط من هؤلاء يدعمون الرأسمالية. وعلى الرغم من أن النسبة تتحسن كلما ارتفعت فئة العمر، إلا أن هناك 26 في المائة فقط من الأفراد في الفئة العمرية الأعلى من 29 عاما يصنفون أنفسهم على أنهم رأسماليون. نتيجة مفاجأة في بلد يعد من أكثر بلدان العالم رأسمالية، وأكثرها دعما لقوى السوق لتحديد الأسعار وتوزيع الموارد. والنتيجة مفاجأة كذلك في بلد يحتضن أكثر المدارس الاقتصادية الداعمة لقوى وآليات السوق، وتعمل مؤسساته على تعميق هذه المفاهيم سواء في الولايات المتحدة نفسها أو في الدول الأخرى التي تتعامل معها وتوفر لها التمويل. والسؤال الذي يطرح هنا هو: لماذا تتفاقم هذه المشاعر المعادية للرأسمالية في بلد أسهمت الرأسمالية فيه في تحقيق تقدم اقتصادي ومعرفي مذهل لم تشهده البشرية؟ لماذا هذه المشاعر تتفاقم في ظل ما أسهم به هذا التقدم الاقتصادي والمعرفي في تحسين حياة كثير من منخفضي الدخل والعاملين، وما حققته لهم من حياة يحسدهم عليها كثير من الأغنياء في الدول الأخرى، عدا الفقراء فيها؟ إنها أزمة ثقة تعكسها المشاعر التي عبر عنها الناس من خلال الاستفتاء، والتي تعكس موقفا من الرأسمالية كما هي في أمريكا. لكن ما مصدر هذا الإحباط وتراجع الثقة، هل هم السياسيون الذي يطلقون الوعود ثم لا يستطيعون الوفاء بها؟ هل هم رجال الأعمال الذين يحصلون على الأرباح ويتجنبون دفع الضرائب، مما يجعلهم عالة على دافعي الضرائب من متوسطي ومنخفضي الدخل؟ رجال الأعمال قد يرون أيضا أن السبب ليس جميعهم ولكن السبب في المؤسسات المالية التي تستنزف مقدرات رجال الأعمال والمواطنين على حد سواء. ومن الواضح أن الأزمة المالية لعام 2008 أدت إلى إفراز صراع داخلي حول الأدوار والمسؤوليات التي يجب أن تتحملها المؤسسات المالية وقطاع الأعمال. فالطريقة التي تم التعامل بها في الولايات المتحدة مع الأزمة، خصوصا فيما يتعلق بتوزيع تبعاتها المالية بين القطاع المالي ــ الذي كان السبب الرئيس في انطلاق الأزمة ــ وبين دافعي الضرائب ــ الذين خسروا على أثر ذلك كثيرا من مدخراتهم ــ كانت الشرارة التي أشعلت فتيل هذا الصراع. فقيام الحكومة الأمريكية بالاستجابة السريعة للأزمة من خلال إعادة هيكلة رأس مال المؤسسات المالية باستخدام أموال دافعي الضرائب، سبب جدلا كبيرا حول مدى عدالة هذا الإجراء، في ظل أن ذلك أدى إلى إنقاذ المؤسسات المالية التي كانت نفسها سببا في الأزمة المالية، على حساب دافعي الضرائب الذين تضرروا بشكل كبير، سواء من حيث ارتفاع معدلات البطالة وما نتج عن ذلك من عدم قدرتهم على سداد التزاماتهم للمصارف في مقابل قروضهم العقارية. ومن العجيب أن كبريات مؤسسات "وول ستريت" لم تتوان عن دفع مكافآت بالملايين لرؤسائها التنفيذيين في العام التالي للأزمة المالية. الولايات المتحدة تعيش مرحلة شديدة تعاني فيها تفاوتا كبيرا في مستويات الدخل بين الأفراد inequality، ما أدى إلى عدم فاعلية السياسات الاقتصادية التي تبنتها الحكومة الأمريكية لتجاوز الأزمة. فبعد ثماني سنوات من اندلاع الأزمة في عام 2008، وعلى الرغم من جميع السياسات غير التقليدية التي تبناها "الاحتياطي الفيدرالي" لدعم وتحفيز الاقتصاد بضخ مزيد من السيولة لتشجيع الاستهلاك، لم تؤت هذه السياسات ثمارها. السبب، أن هذه السيولة لا تذهب إلى الأفراد ولكنها تذهب إلى المؤسسات المالية التي تستخدمها في زيادة هوامش الربح القصير الأجل من خلال المضاربة على الأصول. بمعنى آخر، بدل أن تقوم المؤسسات المالية بدورها كقناة لتوجيه هذه الأموال إلى الاستثمارات الحقيقية التي توفر فرصا وظيفية للمواطنين، ما يمكنهم من زيادة الاستهلاك وتحريك عجلة الاقتصاد، فإن هذه المؤسسات تفضل التركيز على الأجل القصير لتعزيز الأرباح، وبالتالي زيادة مكافآت العاملين فيها. ودون إعادة تعريف الدور الذي يجب أن تلعبه المؤسسات المالية لتكون وسيطا بين الممولين والمستثمرين، فسيكون من الصعب جدا التوصل إلى حل لهذه المشكلة. فالأموال التي تذهب إلى تمويل الاستثمارات والاستهلاك الشخصي أصبحت تشكل نسبة ضئيلة جدا من مجموع عمليات المؤسسات المالية. والسبب أن نموذج هذه المؤسسات تحول من دوره الرئيس كقناة لتوجيه الأموال للاستثمارات الحقيقية إلى مستثمر لها، بسبب ما تحققه من عوائد كبيرة لمديريها التنفيذيين، ما أدى إلى مزاحمة الاستثمارات التي تؤدي إلى إيجاد الوظائف وتحقق أهدافا اقتصادية على المستوى الكلي. لكن سيكون من الصعب جدا إعادة تعريف هذا الدور في ظل الدعم الكبير الذي تقدمه هذه المؤسسات المالية للمرشحين الرئاسيين، سواء من الحزب الجمهوري أو من الحزب الديمقراطي. فحجم التمويل يحدد إلى حد كبير فرص الفوز للمرشحين الرئاسيين، وهذا التمويل لا يأتي بالمجان، ولكنه مشروط بتبني أجندة تخدم مقدم التمويل بالدرجة الأولى. وهذا يعني أن الولايات المتحدة ستعاني خلال الفترة المقبلة انقساما سياسيا حادا في التوجهات (اليمين أو اليسار) كالذي نشهده حاليا، سواء بين مرشحي الحزب الديموقراطي أو الجمهوري، أو بين المرشحين الديمقراطيين أو بين المرشحين الجمهوريين.
إنشرها