الطاقة الإنتاجية القصوى للسعودية .. حقيقة وليست دعاية

|
كلما بدأت أسعار النفط في الانتعاش وبدأت بوادر زيادة الطلب، بدأ اجترار التشكيك في القدرة والطاقة الإنتاجية القصوى التي تنفرد بها السعودية، واصفين قدرة رفع إنتاج النفط السعودي إلى مستوى 12.5 مليون برميل يوميا بأنها تعد دعاية! الحملات السلبية على السعودية، والتشكيك في قدرتها ومحاولة تكريس نظرية المؤامرة ليست وليدة اليوم، بل هي منهج غربي قديم يعود إلى ستينيات القرن الماضي يهدف إلى التشكيك في قدراتنا .. وبما أن السعودية أكبر دولة منتجة للنفط فلها نصيب الأسد من هذه الافتراءات التي تنوعت وراوحت ما بين تسييس البترول ومحاولة تمرير أراجيف تزييف الحقائق المغرضة ونشر التشكيك في القدرة الإنتاجية، ومن الواضح أن هذه الحملات منظمة يختار لها مطلقوها ظروفا معينة وأحداثا لضمان انتشارها. استهداف دور السعودية ومحاولة شيطنة سياساتها أمر قديم قدم هذا المنتج (النفط الخام)، فقد عملت جهات عبر حقب متعددة على هذا المنهج وفي كل الأزمنة، ونرى أن الإعلام هو الأبرز في هذا الاتجاه خاصة في زمن الأزمات السياسية والبترولية، وكذلك الكوارث بأنواعها، خصوصا في مناطق الإنتاج أو جهات الاستهلاك، وعند تتبع المسألة نجد أن في حال وقوع هذه المتغيرات (الأزمات) بأنواعها مباشرة يتم تبني موضوع البترول باعتباره قضية إعلامية ضخمة وتستعمل كفزاعة، خصوصا إذا كانت الأزمات كما أسلفنا في مناطق الإنتاج أو الاستهلاك. وفي هذه الحالة يضع الإعلام نفسه مكان الحكم والمرجع الأول لجميع المعلومات وتأتي كبريات الصحف لتفرد لهذا الأمر التقني البحت أهم الصفحات ويتصدر كتابها المسألة باعتبارهم أهل التخصص والمرجع الدقيق، ويأتي كل كاتب ليضع نفسه محل أكبر محلل نفطي، فتنشر معلومات مغلوطة يتم تداولها ويتأثر بها الجميع، مع أن الأمر في حقيقته لا يعدو كونه ركوب موجة الإثارة لضمان الرواج الإعلامي لهذه الصحف، وربما صاحب ذلك استغلال من أطراف سياسية تحظى توجهاتها بتغطية إعلامية كبيرة، وتسهم في إعطاء صورة سلبية عن الصناعة والسوق البترولية، وبالأخص على المديين المتوسط والطويل. الكل يعلم أن إنتاج السعودية الحالي من النفط يمد العالم بـ(13 في المائة) من إجمالي الطلب العالمي على النفط الذي وصل هذا العام إلى (93 مليون برميل). وارتفع إنتاج النفط في السعودية من 9.5 مليون برميل يوميا في أوائل 2014 إلى 10.2 مليون برميل يوميا أخيرا. هذا إضافة إلى أكثر من نحو مليوني برميل يوميا بما يسمى الطاقة الإنتاجية القصوى"Maximum Spare Capacity- MSC" التي تضمن وبكل طمأنينة تلبية حاجة أسواق النفط التي تتزايد بقوة خاصة مع توقعات انخفاض الإنتاج من خارج "أوبك"، خاصة من أمريكا. وبعد كل هذه الحقائق تتبجح الـ "سي إن إن" بالتشكيك عبر نشر تساؤل محللين ماليين من خلال تقرير نشرته في 26 من مايو الماضي، عن قدرة السعودية على رفع الإنتاج ليصل إلى أكثر من مليوني برميل يوميا فوق مستوى الإنتاج الحالي مشككة في قدرات السعودية الإنتاجية (الاستيعابية) القصوى، ومعتبرين أن صناعة النفط في السعودية يلفها قدر كبير من السرية. ويصفون قدرة رفع إنتاج السعودية إلى مستوى 12.5 مليون برميل يوميا بأنه يعد دعاية! وأنه لا توجد شفافية بشأن معلومات النفط. هذا التشكيك في القدرة الإنتاجية والاتهام بعدم الشفافية هي فزاعات تطلقها هذه الجهات تزامنا مع كل انتعاش في أسعار النفط وعندما لا تجدي هذه الفزعات يبدأ العمل على البحث عن شروحات أكثر ومبررات للإرجاف مغالطة للحقيقة باستخدام عناوين سلبية ضد السعودية ومن ذلك محاولة إثبات عدم قدرة السعودية على رفع الإنتاج؛ وعلى حد قولهم: "لا وجود لمساحة كبيرة عند السعودية تأهلها للاستجابة المناسبة مع أية صدمة قد تنجم عن ارتفاع مفاجئ في الطلب على النفط". #2# ويتم تعليل ذلك عبثا: بأن حقول النفط في السعودية أصبحت قديمة جدا لدرجة أنها لا تنتج مثلما كانت تنتج سابقا. والأهم من هذا من التدليس والإفك ما ذهبوا إليه من أن السعودية تستخدم قدراتها بطريقة فجة كجزء من حرب الأسعار بهدف استعادة حصتها من السوق التي خسرتها في أمريكا وغيرها. تخرص وأحاديث ملفقة سنرد عليها بالآتي: أولا: وقبل كل شيء وكما هو موضح في (الشكل الأول)، فإن تقارير هؤلاء المحللين الماليين قد استندت إلى دراسة سابقة قام بها مستشارو "ريستاد إنيرجي" وهو مركز أبحاث للطاقة مستقل تتعامل معه منظمات الطاقة الدولية، حيث قام بدراسة في شهر سبتمبر من عام 2015 ومفادها أن الطاقة الاستيعابية القصوى لدى السعودية هي (1.1مليون برميل) يوميا فقط، وهذه الدراسة التي لا أعرف ما دواعيها أو من الذي طلبها - إن صحت تسميتها بذلك - لم تقم على أي أساس علمي يمكن من خلاله حساب الطاقة الإنتاجية الاستيعابية القصوى للسعودية، حيث ربطت بعوامل لا تنطبق على صناعة النفط في المملكة لأنها ربطت خطأ إما بأسعار النفط وتأثيرها المباشر على استثمارات المنبع في إنتاج النفط التي لم تؤثر قط على صناعة النفط في المملكة، أو أنها أجريت خطأ أيضا على أساس تكاليف النفط غير التقليدي (الصخري)، وليس على أساس دراسة مستفيضة للنفط التقليدي الذي تنتجه السعودية. ثانيا: بالنظر إلى منحنى أسعار النفط في الأشهر التسعة الماضية المدرج في (الشكل الثاني) نلاحظ: أن هناك شيئا مشتركا بين أسعار شهر سبتمبر الماضي من عام 2015 وبين مستوى أسعار النفط أخيرا اللذين وصلا إلى حاجز 50 دولارا للبرميل وهو نفس تاريخ إعادة اجترار هذا الموضوع أخيرا في نهاية شهر مايو 2016، أتعلمون ما العامل المشترك؟ إنه انتعاش أسعار النفط!! فكلما بدأت أسعار النفط بالتحسن والارتفاع أعيد نشر هذه الدراسة وأعيد اجترار الخوض في هذا الموضوع المريب كنوع من الضغط والتشكيك! وها نحن نرى ترنح المنتج المرجح (أمريكا) وعدم قدرتها على الزيادة في الإنتاج في ظل انخفاض أسعار النفط. حيث إنه من المتوقع أن يؤدي الانخفاض الحاد لإنتاج النفط الصخري إلى توقف نشاط عمليات الحفر ثم إلى ارتفاع واردات أمريكا مجددا إلى مستويات ما قبل ثورة النفط الصخري. أهذا إذا هو المنتج المرجح المفترض غير القادر على الصمود والقيام بهذا الدور عوضا على عدم وجود أي طاقة إنتاج فائضة. هذا إضافة إلى ما أكده مستشارو وود ماكينزي أخيرا أن نحو 380 مليار دولار من مشاريع النفط والغاز الكبرى قد ألغيت بسبب انخفاض أسعار النفط خلال العشرين شهرا الماضية ما قد يؤدي إلى توقف إنتاج نحو ثلاثة ملايين برميل يوميا كان المتوقع إنتاجها لتلبية الطلب المتزايد على النفط في السنوات المقبلة. ثالثا: وكما هو موضح في الشكل رقم 3، فإن السعودية دائما تحافظ على طاقتها الإنتاجية القصوى، وهي القدرة الفريدة للسعودية على زيادة إنتاج النفط على وجه السرعة في أي وقت. وكما هو متوقع فإن مشروعات المنبع التي لم تتوقف قط ولم تتأثر بالمستوى المنخفض للأسعار سوف تمكن "أرامكو السعودية" من الحفاظ على أكبر احتياطي من فائض الطاقة الإنتاجية في العالم عند أكثر من مليوني برميل يوميا، في حالة تعطل الإمدادات العالمية. وذلك لأن احتياطيات السعودية من النفط، التي استقرت أخيرا عند 261.1 مليار برميل حتى عند الوصول إلى مستويات إنتاج قياسية في العامين الماضيين، رغم مستويات الأسعار المنخفضة، ما يعني أن الاستثمار في توسيع مشاريع المنبع ما زال قائما في السعودية، على العكس من مشاريع النفط الصخري غير التقليدي في أمريكا التي تأثرت بمستويات الأسعار المنخفضة، حيث أفلست 42 شركة للنفط والغاز في أمريكا العام الماضي. أليس هذا غريبا أنه كلما بدأت أسواق النفط في إعادة التوازن وبدأت أسعار النفط بالانتعاش وبالارتفاع أثير هذا التوجس بأن هناك قدرة محدودة عند السعودية لزيادة الإنتاج وأن أسواق النفط سوف تترك لتكون عرضة لصدمة كبيرة في الأسعار عند تضاؤل الطاقة الإنتاجية الفائضة عند السعودية ما يثير خطر حدوث صدمة أسعار النفط. هذا التوجس في أسواق النفط يهدد بخطر ارتفاع الأسعار بالتركيز على زيادة المعروض، حيث إنهم يدعون وكما هو موضح في (الشكل الأول) إلى أن الطاقة الإنتاجية الفائضة الحالية للسعودية أقل بكثير من (2.1 مليون برميل) يوميا من الطاقة الإنتاجية الفائضة التي حسبوها للسعودية في عام 2009 عندما كان العرض والطلب في حالة غير متوازنة. أليس الأجدر أن يتم اعتماد تقديرات المملكة لطاقتها الإنتاجية، التي صرحت بها "أرامكو السعودية" أخيرا التي هي الأدرى والأحرص على نشر حقيقتها، ما أكدت وهو أن: السعودية تعمل كمستند أمان للعالم للمساعدة في إعادة التوازن إلى السوق خلال الاضطرابات المفاجئة في الإنتاج العالمي، وهذا الدور الريادي أصبح من الواضح أن هناك من يعمل على إنكاره وتزييف حقيقته. #3# وما موقف السعودية السابق عام 2012 منكم ببعيد، حيث حافظت على استقرار وتوازن أسواق النفط بزيادة صادراتها من النفط الخام بفاعلية قصوى لتعويض النقص في أسواق النفط بعد الحصار الأمريكي والأوروبي على إيران وبعد اضطراب صادرات ليبيا. وهنا لنا أن نسأل هل نسي مطلقو هذه الزوابع أم تناسوا هذه المواقف الجليلة للسعودية؟ وحتى عند تبني المملكة في نوفمبر 2014 استراتيجية حصة السوق وانتقل دور المنتج المرجح إلى أمريكا التي لم تزود أسواق النفط إلى الآن عند وقت الأزمات، بل تسببت في ثورة النفط الصخري إلى اختلال أسواق النفط، مع وفرة المعروض من النفط الخفيف، حيث قام هؤلاء المحللون أنفسهم بالنفخ في الدور الأمريكي، ورجحوا أنها ستسد كل الفجوات التي ستحدث، لكن وكما علم العالم أجمع فإن الواقع كذب هذه الفرضية وذهبت هذه الفقاعة أدراج الرياح، ورضيت أمريكا "من الغنيمة بالإياب"؛ حيث لم ولن تتمكن أمريكا من الاستجابة لتقلبات أسواق النفط ورفع إنتاجها بما يضمن التوازن والاستقرار لأسواق النفط كما تفعل السعودية دائما. وأما ادعاءاتهم بعدم الشفافية، يلاحظ المتابع المحايد كم هو القدر من الشفافية والوضوح الذي تبديه دوائر القرار في السعودية، وكذلك العمل بمصداقية نموذجية في سياساتها البترولية التي لم يكن أولها صدور تقرير "أرامكو" السنوي لعام 2015، تحت عنوان "الطاقة فرص واعدة" وما جاء فيه من معلومات حول النتائج والإنجازات التي حققتها الشركة وعزمها الواضح والصريح في توجهها نحو استراتيجية واعدة للتحول لشركة رائدة ومتكاملة للطاقة والكيماويات على مستوى العالم، ولا آخرها ما أكده وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية من استجابة لتوجيهات خادم الحرمين الشريفين وما يتطلبه تحقيق "رؤية السعودية 2030" من العمل الشفاف المتواصل المثمر البناء مع جميع الجهات التي يتم التعامل معها .. بل هي سلسلة من الأعمال الجادة التي تثبت مدى حرص السعودية على تحقيق أكبر قدر من الثقة بينها وبين أسواق النفط التي ترتبط بها عبر هذا المنتج الحيوي. خلاصة القول: مكانة السعودية العالمية وحصصها البترولية لن تتأثرا بأراجيفهم، والدراسة تثبت أن أمريكا التي يرشحونها بديلا للسعودية في تأمين التوازن المريح لأسواق النفط ليست لديها الإمكانات اللازمة لذلك، فقد تناقصت منصات حفرها إلى 316 وهو أدنى مستوى لها منذ أكتوبر 2009، وانخفاض الأسعار أضر بها حيث أجل العمل في استكمال استثمارات بمئات المليارات، وارتفاع أسعار النفط لـ 60 دولارا للبرميل لن يكون عاملا مساعدا كما يتصور البعض لإنتاج النفط الأمريكي، فهناك استحقاقات مالية لها الأولوية في أي زيادة في الإيرادات، كما أن العمالة الفنية التي تم تسريحها ليس من السهل استعادتها أو تعويضها في ظرف زمني ضيق ما يعد مستحيلا ... فالأمر لا يتجاوز - من طرف هذا الإعلام الغربي المغرض - أن يكون صناعة إثارة وتسويق فسادة ... والله غالب على أمره. ولعل الوقت والظروف يحتمان اليوم - كما أسلفنا في مقال سابق - أن يكشر إعلامنا النفطي عن أقلامه وأن يدافع عن وطنه ويدفع هذه الهجمات: ولا خير في حلم إذا لم يكن له *** بوادر تحمي صفوه أن يتكدرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له *** حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
إنشرها