المشراق

فيلبي.. المستكشف الأكبر لجزيرة العرب

"هذا أعظم مكتشفي جزيرة العرب"، هذا هو الشاهد المكتوب على قبر المستشرق والرحالة الشهير الحاج عبد الله فيلبي، وهذا الكلام ليس بعيدا عن الصواب، إذا ما قورن بزملائه الرحالة الغربيين، فرحالتنا فيلبي يعد في طليعة الرحالة الغربيين الذين تجولوا في جزيرة العرب، إنتاجا علميا، ووصفا للأمكنة، واهتماما بالنقوش ونقلا لها، ورسما للخرائط، وجاب الأصقاع الواسعة قفارا ونجودا وجبالا وأودية. جال في ميدان التاريخ قراءة للمصادر ومعايشة للأحداث، ودون الكثير من الكتب والمقالات. ولم تقتصر قدراته العلمية على ما سبق، وإنما تجاوزته إلى معرفته عددا من اللغات القديمة والحديثة وآدابها، والآثار وعلوم الطبيعة والاقتصاد، ولقد بلغ إنتاجه في ميادين الرحلات والسياسة والتاريخ والآثار أكثر من 30 كتابا منشورا وغير منشور، وبلغت مقالاته في تلك الميادين عشرات وعشرات. كتب عن فيلبي عديد من المؤلفات والبحوث والدراسات، ومن أبرز هذه المؤلفات: "فيلبي جزيرة العرب" لإليزابيث مونرو، و"عبد الله فيلبي قطعة من تاريخ العرب الحديث" لخيري حماد. حياته: ولد هاري سانت جون بريدجر فيلبي عام 1302هــ/1885 في سيلان "سيرلانكا" وانتقل مع والدته إلى لندن عام 1891م، وعاشوا حياة تغلب عليها المشقة، وقد ساعدهم والد أمه ماليا لإدخال فيلبي مدرسة داخلية، بدت علامات النبوغ لدى فيلبي منذ التحاقه بالمدرسة، ولذلك ألحق بمدرسة وستنمستر ذات المستوى الرفيع، وفي هذه المدرسة كشف عن مواهبه الذاتية، وكان الأول بين أقرانه والزعيم لهم، وعام 1904 التحق بكلية ترينتي في جامعة كمبردج، حيث بدأت تتبلور لديه أفكاره ومعتقداته الخاصة، مثل ميوله الليبرالية والاشتراكية المخالفة لنظام حكومة بلده، وشكوكه في صحة الديانة المسيحية، وفي عام 1907م تخرج في الكلية بدرجة امتياز في الموضوعات المدروسة ومنها اللغات الحية الحديثة. #2# ثم درس بعد ذلك سنة أخرى اللغتين الفارسية والهندوستانية، ثم سافر إلى الهند عام 1908م، وعمل لدى حكومة الهند البريطانية، وقضى هناك قرابة سبع سنوات، درس في أوائلها اللغتين البنجابية والأوردية، كما بدأ يتعلم القرآن الكريم. وفي عام 1910 تزوج دورا ابنة أدريان جونستون، التي أنجبت له ابنه البكر كيم، الذي أصبح فيما بعد من كبار الصحافيين البريطانيين وبطل قضية التجسس لمصلحة الاتحاد السوفيتي (السابق). أثناء عمل فيلبي في الهند تعلم اللغة العربية، ولما قامت الحرب العالمية الأولى عام 1914 وافته الفرصة ليذهب إلى البلاد العربية، فقد كانت حكومته التي دخلت الحرب ضد تركيا في حاجة إلى من يجيد العربية لمساعدتها على تدبير أمور العراق، وفي تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1915 وصل إلى البصرة مع عدد من زملائه، وكانت أول مهمة أسندت إليه تحت إشراف بيرسي كوكس، رئيس الإدارة المدنية للأراضي المحتلة، هي دراسة موارد البلاد، ووضع خطة منظمة لشؤون المحاسبة المالية، وقد نجح في أداء تلك المهمة، وأخذت ثقة كوكس به تزداد مع مرور الأيام، فرقى إلى منصب مندوب الحكومة لشؤون الدخل، ثم أصبح في أيار (مايو) من عام 1917 مساعدا شخصيا لكوكس في بغداد، ثم ذهب بعد ذلك في بعثة سياسية إلى نجد قابل فيها الملك عبد العزيز لأول مرة، والذي ربطته به فيما بعد علاقة وثيقة وإعجاب كبير. بعد ذلك بفترة عين فيلبي قائما بأعمال وزارة الداخلية في العراق، لكنه أبعد عنها بعد وصول الملك فيصل بن الحسين إليها، ثم عين في شرق الأردن كبيرا لممثلي بريطانيا، لكنه استقال من عمله وغادر شرق الأردن في رمضان 1342هــ/1924. وبعد عودة فيلبي إلى لندن واجه ظروفا قاسية لعدم حصوله على وظيفة مناسبة، وراح يكتب مقالات ويدلي بأحاديث تشتمل على نقد صريح لسياسة بريطانيا تجاه العرب، وهذا مما زاد من شهرته. #3# وبعد إكمال الملك عبد العزيز توحيد الحجاز عاد فيلبي إلى جزيرة العرب، وبدأ يعمل في ميدان التجارة، حيث أنشا شركة واتخذ من جدة مركزا لها، وزادت علاقته في هذه الفترة رسوخا بالملك عبد العزيز. وفي عام 1930 اعتنق فيلبي الإسلام. انكب فيلبي على دراسة تاريخ الجزيرة العربية وجغرافيتها، وقام بين سنتي 1950 و1953 برحلاته الاستكشافية الكبرى عبر أصقاع الجزيرة العربية، راصدا معلومات مهمة للجيولوجيين والجغرافيين والمؤرخين وعلماء الآثار. وقد رافقه في إحدى رحلاته عالم الدراسات السامية كانون ريكمانز والمؤرخ فيليب ليبنز. ظل فيلبي في السعودية وثيق الصلة بمؤسسها الملك عبد العزيز. ولما توفي المؤسس فقدت كثيرا من إغرائها بالنسبة له، كما حدثت له بعض المشاكل، وسافر إلى لبنان برا في شعبان عام 1374هــ/1955، وظل متنقلا بين لبنان والسعودية ولندن، وفي عام 1380هــ/1960 ذهب إلى موسكو وحضر المؤتمر الرابع والعشرين للمستشرقين. وفي طريق عودته من هناك مر ببيروت لزيارة ابنه كيم. فارق الحياة فيها في التاسع من ربيع الثاني ذلك العام 1960/9/30 عن عمر يناهز 75. #4# مؤلفاته عن المملكة والجزيرة العربية: كتابات فيلبي عن تاريخ المملكة والجزيرة غزيرة في إنتاجها، عميقة في جذورها ممتدة في فروعها، متنوعة في طرق عرضها. أما غزارة إنتاجها فيكفي دليلا عليها أن أكثر من 15 كتابا من كتبه المنشورة وغير المنشورة، إضافة إلى عشرات المقالات تتناول هذا التاريخ. ومن هذه المؤلفات: #5# 1 - "بعثة إلى نجد"، وهو تقرير كتبه فيلبي عن البعثة التي رأسها إلى نجد عامي 1336 ـــ 1337هــ، 1917-1918، وقد قام الدكتور عبد الله العثيمين بترجمة التقرير وطباعته مع مقدمة نفيسة ومهمة. 2 - حاج في الجزيرة العربية. 3 - مغامرات النفط العربي، وترجمه إلى العربية الدكتور عوض البادي. 4 - الربع الخالي. 5 - قلب الجزيرة العربية. 6 - أيام في جزيرة العرب. 7 - 40 عاما في البرية. 8 - نجود الجزيرة العربية. 9 - الذكرى الذهبية للمملكة العربية السعودية. 10 - العربية السعودية. 11 - بنات سبأ. 12 - أرض مدين. 13 - جزيرة العرب الوهابية. وقد ترجمت كل هذه الكتب، إلا أن بعض هذه الترجمات سيئة ومحرفة. وتحتوي مؤلفات فيلبي على معلومات غزيرة عن السعودية، ومجتمعها، وأسرها، وقبائلها، كما تضم مئات الصور التي التقطها فيلبي بنفسه، أو التقطها بعض مساعديه. وما أتمناه أن تعاد ترجمة كتب فيلبي بشكل دقيق، حتى يستفاد منها بشكل أكبر.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق