الاستثمار طريق النمو الوحيد

|
أشرت في مقالات سابقة إلى أن الاقتصاد العالمي يعاني منذ بداية هذا العام درجة عالية من الضبابية التي تؤثر سلبا في آفاق النمو الاقتصادي العالمي، وفي استقرار الأسواق العالمية، ومن ثم في مستويات التوظف للعمل ورأس المال. وهذه الحالة التي يواجهها الاقتصاد العالمي غير مسبوقة من حيث أبعادها المتعددة لدرجة يصعب التكهن معها بأي هذه الأبعاد الأكثر تأثيرا. نورييل روبيني أشار في مقال نشر الأسبوع الماضي إلى هذه الأبعاد التي أشار إلى سبعة منها: الصين، تأثير الصين في الأسواق الناشئة، أسعار النفط ، السياسة النقدية للولايات المتحدة، تراجع أرباح المصارف وتأثير ذلك في الاستقرار المالي، المخاطر الجيوسياسية خصوصا في أوكرانيا والشرق الأوسط، وأخيرا تحديات الهجرة لأوروبا وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. كل هذه الأبعاد لها تأثيراتها المختلفة، وبعضها يؤدي إلى مضاعفة تأثير البعد الآخر، فتراجع أسعار النفط يؤثر في المخاطر الجيوسياسية، ورفع الفائدة الأمريكية يؤثر في الاستقرار المالي للمصارف في العالم ويزيد من تدفقات رأس المال الخارجة من الصين ودول الاقتصادات الناشئة، وهذا بدوره يؤثر في أسعار الصرف لهذه الدول. تحديات تأتي في أوقات متقاربة لتشكل أحد أكبر التحديات لصانعي القرارات الاقتصادية في الدول، وتحديا أكبر للمحللين والجهات التي تتنبأ بتوجهات الاقتصاد العالمي. وفي ظل هذه الحالة الضبابية، فإن جميع الكتاب الاقتصاديين يتفقون في صعوبة التنبؤ وفي التشاؤم بشأن آفاق الاقتصاد العالمي لهذا العام، لكنهم أيضا يتفقون على نقطة رئيسة تتعلق بسبب الوقوع في هذا الفخ الذي ينعدم فيه تأثير السياسة النقدية التحفيزية التي تبنتها البنوك المركزية العالمية، وكذلك عدم وجود حيز مالي يمكن أن يستخدم لتحفيز الاقتصادات، وهو انخفاض معدلات الاستثمار العام والخاص خصوصا في الدول المتقدمة. جيفري ساكس ومايكل سبينس، تطرقا في مقالين منفصلين نشرا لهما أخيرا إلى هذه النقطة ــــ تراجع الاستثمار ـــ وأشارا إلى أنه في ظل الضبابية التي تحيط بآفاق الاقتصاد العالمي، وفي ظل استهلاك حيز السياسات النقدية والمالية، فإن الطريق الوحيد الممكن لانتشال الاقتصاد العالمي ووضعه على مسار مستقر للنمو الاقتصادي هو من خلال تعزيز الاستثمار العام والخاص. ويرى ساكس أن توجيه النمو الاقتصادي العالمي يجب أن يرتكز على المبادئ الأربعة الرئيسة التالية وهي: أولا: إن التقدم والنمو الاقتصادي العالمي يعتمد على ادخار واستثمار عالمي مرتفعين. ثانيا: يجب النظر إلى تدفق الادخار والاستثمار على أنه عالمي وليس وطنيا فقط. ثالثا: إن التوظف الكامل يعتمد على معدلات استثمار مرتفعة تقابل المعدلات المرتفعة للادخار. رابعا: إن زيادة الاستثمار الخاص تعتمد على المستوى المرتفع للاستثمار العام في البنية التحتية وتعزيز الموارد البشرية. ويشير ساكس إلى أن أهداف التنمية المستدامة لعام 2015 تتحقق من خلال المزيد من الاستثمار في التنمية البشرية، بناء المهارات، التقنية، رأس المال المادي. ودون المزيد من الاستثمار في المهارات البشرية، والآلات والبنية التحتية المستدامة ستتناقص الإنتاجية ما سيؤدي بدوره إلى تدهور شروط معيشة الإنسان. زيادة الاستثمار تحتاج إلى تمويل، وذلك يمكن أن يتم من خلال رفع معدلات الادخار، ما يتطلب تشجيع الادخار في الدول وليس تشجيع الاستهلاك من خلال التحول إلى نماذج اقتصادية قائمة على الاستهلاك كما يتم التوصية به بالنسبة للصين حاليا. ويرتبط بذلك المبدأ الثاني الذي يشير إلى عولمة تدفقات الادخار والاستثمار، بمعنى أن معدلات الادخار العالية في دولة معينة مثل الصين يمكن أن تدعم الاستثمار في دول أقل ادخارا كالدول الإفريقية.المبدأ الثالث يتعلق بعملية ربط الأموال المدخرة باتجاه الاستثمارات من خلال دور بناء لمديري الأصول يتعدى عملية المقامرة والمضاربة على الأصول المالية إلى عملية بناء هذه الأصول. وأخيرا الاعتماد على المشاركة مع القطاع الخاص للاستثمار في المجالات ذات العائد الاجتماعي الأعلى، كالاستثمارات الصديقة للبيئة، وشبكات الكهرباء الذكية، وأنظمة الصحة المعتمدة على تقنية المعلومات، وغيرها. ويؤكد مايكل سبينس في مقاله ما أشار إليه جيفري ساكس حول محورية قضية الاستثمار العام والخاص لتعزيز النمو الاقتصادي، حيث يشير إلى أن من متطلبات تحقيق النمو أن يبلغ الاستثمار الخاص والعام ما نسبته 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وأن يشكل الاستثمار العام (الاستثمار في البنية التحتية ورأس المال واقتصاد المعرفة) نسبة تراوح بين5 و 7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. كذلك يجب أن يكون الاستثمار الخاص مكملا للاستثمار العام، حيث يساهم العام في تعزيز معدل العائد على الاستثمار الخاص وبالتالي يزيد من مساهمة القطاع الخاص في رفع مستوياته. وهذا يتفق مع ما أشار إليه ساكس من أهمية المشاركة بين القطاعين العام والخاص في تمويل الاستثمار في البنى التحتية والاستثمارات ذات العائد الاقتصادي والاجتماعي المرتفع. وأخيرا، فإنه يمكن للدول تعزيز العائد وتخفيض مخاطر الاستثمار الخاص من خلال رفع مستوى مهارة قوة العمل، وتفعيل حقوق الملكية من خلال المؤسسات القانونية ذات العلاقة، وسهولة أداء الأعمال، ومرونة عناصر أسواق الإنتاج مثل رأس المال والعمل والمواد الخام. كذلك يشير سبينس إلى أن هناك ارتباطا بين تحقيق النمو المستدام وبين طريقة تمويل الاستثمار، بحيث يتحقق العائد الأكبر من الاستثمار عندما يعتمد تمويله على التمويل/ الادخار المحلي. بينما قد يؤدي إلى الاعتماد المتزايد على التمويل/ الادخار الخارجي إلى عجز مزمن في ميزان الحساب الجاري قد يتطور إلى أزمة ديون تؤثر في إمكانات النمو الاقتصادي لسنوات طويلة. وهذا يتطلب من الدول تعزيز السياسات التي تعزز الادخار الخاص والعام لزيادة متانة اقتصاداتها ضد الصدمات الخارجية. أيضا تساهم درجة الانفتاح على الاقتصاد العالمي من خلال التجارة والاستثمار في تشجيع تدفق الاستثمارات الأجنبية وبالتالي نقل التقنية وتعزيز تنافسية الصادرات من خلال الارتباط مع سلاسل العرض العالمية.
إنشرها