ثقافة وفنون

«طيور العتمة» .. التوغل في ظلمة السجون

"نافذة الشقاء تتسع كل يوم أكثر". هو ذلك الشقاء الناتج عن قمع الحرية والاحتباس داخل غرفة ضيقة مصممة خصيصا لكتم الأنفاس كعقوبة مطوّلة. في رواية "طيور العتمة"، للروائي السعودي ماجد سليمان عن دار الساقي لعام 2014، التي لا تتجاوز 126 صفحة من القطع الصغير. لا يظهر سبب واضح أو مقنع لذلك الحبس خلف القضبان. كتلك المحاكمة الكافكوية لشخصية لا تدرك سببا لذلك التوجه، تظهر شخصية السجين برهان الذي لا يعلم سبب وجوده في السجن، يرتبط مصيره كجزء لا يتجزأ من 13 شخصا، يتعرضون للاضطهاد والموت البطيء في رعب أبدي. "تلك العتمة الباهرة" تتميز الرواية بتطرقها لأدب السجون، بتقسيم عشر كراريس تحكي آلاماً مضنية. فيما يظهر تقارب أدبي بين عمل ماجد سليمان ورواية "تلك العتمة الباهرة"، للروائي الفرنسي من أصل مغربي الطاهر بن جلّون، حتى في العنوان ذاته الذي يحدد سمات الرواية بالعتمة، مع فارق الأسلوب والحرفية والتصور الأدبي. العمل الروائي ها هنا يتبحر في فلسفة تقييد الحريّة، لسجن أدّى نتيجة أهواله إلى ترقّب المدفونين داخله للموت وكأنه الملاذ الوحيد. ليصفه بأنه: "أحنّ مما أنتم فيه..". #2# لا يعكس العمل الأدبي صراعا للبقاء ما بين المساجين فهم مستسلمون لعذاب مطرد، إذ لا يتسع لديهم الوقت سوى لمحاربة السلطة المتمثلة في السجانين الذين نجحوا في إلغاء إنسانية الآخر وتصوره كمجرم يستحق ذلك الشقاء والعقاب دون شفقة. السجانون في زوايا الرواية يجسدون السلطة المطلقة القادرة على إضفاء العذاب وممارسة القتل دون شعور بأدنى ذنب، ودون محاسبة. المكان مبهم، غير محدد في أي مدينة، إلا أنه ينحصر بين قضبان السجون بأسلوب يرغمك على الشعور بالاختناق، وبتصور من خلال الأجواء بوجود السجن في مجتمع عربي. الرواية ترفل في انتقاد الأنظمة السلطوية بشكل عام، حيث يمتلك السجان السلطة المطلقة التي تدفعه لتجريد المساجين من الإنسانية، ومحاولة شيطنتهم، ومحاولة إرغامهم على نسيان أسمائهم للإمعان في إذلالهم واستبدالها بأرقام أو وصف، كالسجين الأبرص والصاحب الأسود. فيما يخفي الجلاّدون وجوههم خلف أقنعة، في محاولة لإخفاء هوياتهم أو مشاعرهم تجاه ما يقترفونه من أفعال وحشية. ظلام دامس "الوقت هنا ظلمات تولج في بعضها، فلا قياس على الوقت إلا بالوجبات الثلاث." سريان الزمان غير مرتبط بأي معالم تسعى في تحديده إلا من خلال أعمال روتينية دائمة كمواعيد الوجبات. لا وجود لأي هدف يمر الوقت لأجله. "علامَ تستعجل؟ ليس أمامك غير قفص ينتظرك لتحشر فيه كالكلب". "لا شيء ينتظرك غير السواد". تظهر رواية "طيور العتمة" كثافة لغوية تركز على الحالة الوصفية للمكان وحيثياته، ليستعيض فيها عن ذلك الحوار شبه النادر. تظهر بدايات الفصول تكرارا لوصف حالة الظلام، "حين تسرّب الليل بكثافة في المكان". وكأنه الوحيد الذي يعتمر أحاسيسهم. يكتنفها الليل والظلمة، كدلالة على الشقاء المستفحل وتقييد الحرية في مكان يخلو من الضوء بتستر للأحداث التي تجري بداخله. "محا الفجر آخر أسرار الليل". و"فكّت الظلمة ضفيرتها الطويلة على الأرض". فذلك الظلام هو الحالة المستمرة لتقييد الحرية. أماكن مغلقة تجعلك الرواية تصاب بإحساس مستمر بالاختناق ورهاب الأماكن المغلقة، بالأخص عند وصف الزنزانات، كتلك المستطيلة الغارقة في الرطوبة ويتخمها العفن. أو كذلك السجين الذي اقتادوه من عنقه إلى غرفة أشد ضيقا من القبر. كل ذلك يتسبب بحالة هذيان مستمرة تدفع المساجين للتحاور مع الأشياء خوفا من وحدة تتسبب بالجنون. كمناقشات غرائبية بين السجين وفراش وغطائه اللذين شاركاه لحظات شقائه. أو كارتباط ذاكرة برهان باسم كاتلين التي تظهر في حالات هذيانه باستمرار، دون تجسيد لشخصيتها وكيفية التقائه بها. مجرد تصوّر لملاذ يتوق إليه في أقسى لحظات يمرّ بها، ليزيد ذلك من هول متاعبه من خلال مقارنة الماضي بالواقع المعاش. كوصفه لمدى افتتانها بأسنانه، لينتهز من خلال ذلك الوصف فرصة لوصف أسنانه وهي تلقى بعيداً عن فك معشوقها. أزمة "كافكوية" الرواية سوداوية ترفل في ألم الحبس وتقييد الحرية. يظهر التأثر بأعمال كافكا، كاستحالة برهان إلى حشرة قص قرنا استشعارها فغدت تصدم الجدران. تتجلى أزمة وجودية وبحث عن الهوية في بيئة خانقة، في عدم معرفته لوجهه حين تأمله، كاستحالته إلى وجه عفريت. وفي تهويل للمكان ووصفه كمكعب مظلم، أو كزنزانة تحوي جدرانا خمسة، كل جدار أعتم من الآخر. يتسبب المكان بتشويه نفوس المساجين وأجسادهم بشكل مستمر. "عند المساء أعادونا بشراً في هيئة مخلوقات مشوّهة". الأمر الذي يأتي نتيجة ممارسات مستمرة للتقريع والتعذيب. أو كوصف مخيف للنفس كاكتشافه لحظة عريه بأنه لا يفصل بين عظامه وجلده شيء، باختفاء لحمه. تكرار وصف المهانة والإساءة، يظهر في تشبيهات كالنزيف النافر من عورة أحد المساجين، أو اللسان المقطوع لأحد المساجين، ومشهده وهو يحاول الحديث ليطلق صوتاً أشبه بآهة قصيرة. إلا أن كل تلك الأحداث تظهر متناثرة، غير مرتبطة بشخوص محددين. مجرد حالة استقرائية لعديد من المساجين المتعرضين لكل ذلك الألم. ما يحدو بالقارئ لعدم الارتباط بالشخوص، وانعدام التعاطف معهم. ليصبح البطل المحوري هو المكان، أي السجن وأجواؤه. أما المساجين فتغادر أرواحهم بتعاقب لا مفر منهم بعيداً عن أنسنتهم. فيما يتعالى الوصف للسجن ليصل إلى أقصاه عند الاقتراب من نهاية السرد، كتشبيه حالة السجن بـ"سباحة طويلة في وحل دفع فيه آلاف السجناء والمحكومين قبلنا".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون