في الأساطير الصينية، يصور الملك القرد على أنه وحش لديه فراء سحري. كل ما عليه فعله هو سحب شعرة منه، والنفخ عليها وستتحول على الفور إلى نسخة منه.
لكن تشو كسياوشن، الرئيس التنفيذي لشركة بويالايف، يقول إن الخرافة ليست بعيدة عن الواقع حين يتعلق الأمر بشركته الصينية للتكنولوجيا الحيوية. هذا الأسبوع، أعلن عن استثمار 31 مليون دولار في مشروع مشترك مع شركة سوام للتكنولوجيا الحيوية في كوريا الجنوبية يهدف إلى استنساخ مليون بقرة سنويا باستخدام خلايا الشعر الخاصة بها.
يقول كسياوشن إن الملك القرد "يبدو وكأنه قصة خرافية، لكننا عمليا نفعل الشيء ذاته. إننا نسحب 200 شعرة وننفخ عليها - ومن ثم تتحول".
في وقت ما من العام المقبل، سيأخذ الباحثون في مختبرات شركة بويالايف في ضواحي المدينة الساحلية تيانجين، خلايا جلدية من مجموعة أبقار تم اختيارها بعناية. سيستخرج العلماء النواة من كل خلية لوضعها في بيضة غير مخصبة من بقرة أخرى. وسيتم بعد ذلك زرع الأجنة المستنسخة في أبقار حلوب موجودة في مزارع أبقار في جميع أنحاء الصين.
طموح تشو مذهل. سيبدأ بنحو 100 ألف من الأجنة المستنسخة من الأبقار سنويا خلال "المرحلة الأولى"، ويتوخى تشو الحصول على مليون منها سنويا في مرحلة ما في المستقبل. وهذا قد يجعل شركة بويالايف أكبر مصنع استنساخ في العالم.
يقول تشو إن أحدث الأساليب تجعل من الممكن تنفيذ عمليات الاستنساخ على شكل "تنسيق خط تجميع" بمعدل أقل من دقيقة واحدة لكل خلية. استنادا إلى فترة عمل تمتد لأربع ساعات ومعدل 250 يوما من العمل في السنة، يمكن أن ينتج المصنع 60 ألفا من أجنة الأبقار المستنسخة سنويا، بحسب ما يقول، مضيفا أن فريقا مكونا من 50 شخصا سيكون كافيا للنطاق المقرر للمشروع. ويعتزم تشو أن يكون لديه طاقم موظفين من 300 شخص، ويقدر الاستثمار الإجمالي النهائي بـ 500 مليون دولار.
إذا اقترب المشروع، ولو من بعيد من تحقيق أهدافه، سيكون مثالا آخر للطفرة التي حدثت أخيرا في بحوث التكنولوجيا الحيوية الرائدة التي تخرق المحرمات، مع إدخال الصين وسائل إنتاج شامل وتسويق لمشاريع لا تزال في المراحل التجريبية والسريرية في أماكن أخرى.
حامل الراية في الصين في مجال التكنولوجيا الحيوية هي شركة بي جي آي، التي كانت تعرف سابقا بمعهد بكين لعلم الجينات ومقرها الآن في شينزن. وتوسعت هذه الشركة لتصبح أكبر منظمة للجينات في العالم، مع قدرة هائلة على قراءة وتحليل وتعديل الحمض النووي "دي إن إيه" للبشر والنباتات والميكروبات والحيوانات. وتوظف الشركة أكثر من ألفي عالم يحملون درجة الدكتوراه وتستخدم 200 آلة للتسلسل الجيني من أعلى المستويات.
في أيلول (سبتمبر) الماضي، أسرت شركة بي جي آي مخيلة الناس من خلال الإعلان أن "الخنازير المصغرة"، التي تم تطويرها أصلا من أجل البحوث الطبية الحيوية من خلال التعديل الجيني والاستنساخ، ستباع كحيوانات أليفة.
ويعتبر العلماء الصينيون من المتحمسين الذين تبنوا تكنولوجيا "تعديل الجينات" المسماة "كريسبر"، التي تم اختراعها في الولايات المتحدة قبل نحو ثلاث سنوات، التي تسرع تعجل بشكل كبير إدراج وحذف الحمض النووي في أي نوع من الخلايا الحية.
وفي أيلول (سبتمبر) أيضا، نشر باحثون من عدة جامعات صينية دراسة لماعز كشميري، من شانبي، تم تعديل جيناتها لإنتاج عضلات أكبر وشعر أطول، ما يجعل من المحتمل أن تكون أكثر قيمة من حيث كونها مصادر للحوم والمنسوجات.
وكتب الباحثون في مجلة "التقارير العلمية"، وهي مجلة غربية رائدة: "أظهرت النتائج أن التعديل المتزامن للعديد من مواقع الحمض النووي تم إنجازه في الحيوانات الكبيرة، ما يدل على أن نظام كريسبر لديه إمكانية ليصبح أداة فاعلة وقوية لهندسة الجينات في حيوانات المزارع، وبالتالي سيكون مهما بشكل كبير ويمكن تطبيقه في مجال التكاثر".
لكن التطبيق الأكثر إثارة للجدل للتعديل الجيني يوجد في مجال الخلايا البشرية. في نيسان (أبريل) الماضي استخدم علماء من جامعة سان يات-سن في جوانجتشو نظام كريسبر لتعديل الجينومات الخاصة بـ 85 من الأجنة البشرية غير القابلة للحياة، رغم أن عددا من المقالات التي نشرت في مجلات طبية غربية حثتهم على عدم الإقدام على ذلك. وعلى الرغم من فشل التجربة، إلا أنها أثارت ضجة بين أقرانهم العلماء وسيطرت على العناوين الرئيسية المشؤومة حول المخاطر الكامنة في توريث التغييرات الوراثية إلى الأجيال البشرية المقبلة.
وفي الوقت الذي يعد فيه قطاع التكنولوجيا الحيوية في الصين صغيرا ككل من الناحية المالية - وجدت دراسة أجرتها شركة ماكينزي الشهر الماضي أن شركات التكنولوجيا الحيوية الصينية تمثل أقل من 3 في المائة من الإيرادات العالمية في هذا القطاع في جميع أنحاء العالم – إلا أنه يطمح في تصدر العالم في مجال بعض التكنولوجيا الحيوية الأكثر تقدما والأكثر إثارة للجدل. ويقول نقاد إن هذا يعزى جزئيا إلى الأنظمة الفضفاضة والتعامل الأكثر تراخيا في الصين مع بعض القضايا الأخلاقية المعنية بالموضوع.
في المقابل، استنساخ حيوانات المزارع هو من الناحية العملية أمر محظور قانونا في أوروبا، وهي المكان الذي بدأت فيه التكنولوجيا مع ولادة النعجة دولي عام 1996 في معهد روزلين في إدنبرة. وقد ابتعد هذا المعهد عن موضوع الاستنساخ ليتعامل مع مجالات أخرى من البحوث الحيوانية، واليوم يتردد علماؤه في الحديث عن هذه القضية.
وصوت البرلمان الأوروبي بأغلبية كبيرة في أيلول (سبتمبر) على حظر الاستنساخ لأغراض زراعية وبيع الماشية المستنسخة بحجة أن النسل المستنسخ يعاني مشاكل صحية أكثر من الحيوانات التقليدية.
من ناحية أخرى، في الولايات المتحدة تم استنساخ الماشية بنجاح لعدة سنوات. وفي عام 2008 قضت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية بأن تلك الممارسة كانت آمنة، وتقول شركة استنساخ المواشي الرائدة "فياجين"، وهي فرع تابع لشركة إنتريكسون، إنها "قدمت بنجاح آلاف الحيوانات المستنسخة الصحية للعملاء".
وبحسب تشو، الناس ربما يطبقون معايير مزدوجة عندما يحكمون على الصين. "نحن نستنسخ بمعدل يصل الملايين، وفجأة يقول الناس: هل لديهم معيار أدنى من الأخلاقيات؟ لا ليس لدينا. نحن فقط نعمل الأشياء على نطاق واسع. لو أنشأنا مصنعا ينتج عشر أبقار سنويا بدلا من مليون بقرة، لن يلتفت إلينا أحد".
لكن وفقا ليو شينج واي، الباحث في كلية علوم الحياة في جامعة بكين، القواعد غير الواضحة وغير المكتملة تجعل أمر دفع الحدود الأخلاقية أسهل في الصين. ويقول: "ليس الأمر أن لدينا نظاما أخلاقيا مختلفا، لكن الصين جديدة نسبيا في هذا المجال، وهناك عدد غير كاف من القوانين والقيود الموضوعة. التقدم السريع الذي أحرزته الصين في مجال تكنولوجيا الجينات ليست له علاقة بالتعليمات والأنظمة الفضفاضة. من الصعب على هذه الأنظمة مواكبة التطور والتقدم".
ويلاحظ ليو أن هناك خلافا حتى داخل المؤسسة العلمية الصينية حول بعض جوانب التعديل الجيني. "ليست هناك أي مناقشات أخلاقية حول الاستنساخ. فقط مجرد أن كل شيء يبهت أمام النقاش حول التعديل الجيني".
لو كانت هناك فجوة أخلاقية بين البحوث الصينية والبحوث الغربية، كما يعتقد بعضهم، فإنها آخذة في الانحسار لأن "العلماء الصينيين يتم جلبهم إلى المجتمع العلمي العالمي"، بحسب ما يقول بيتر ميلز، المدير المساعد لمجلس نوفيلد للأخلاقيات البيولوجية في لندن.
المؤشر المشجع لهذه العملية هو الدور المحوري الذي اضطلعت به الأكاديمية الصينية للعلوم بتنظيمها اجتماعا حول التعديل الجيني في واشنطن هذا الأسبوع، جنبا إلى جنب مع الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم والجمعية الملكية في المملكة المتحدة.
يقول باي تشونلي، رئيس الأكاديمية الصينية: "نود العمل مع المجتمعات الدولية لإيجاد تنظيم مناسب وتطبيق ملائم لمثل هذه التكنولوجيا".
ويشير تشو إلى أن إدارة الغذاء والدواء وافقت الأسبوع الماضي على السلمون المعدل وراثيا، ليكون أول حيوان تمت هندسته وراثيا يسمح ببيعه باعتباره غذاء. لم يوافق المنظمون الصينيون على أي حيوان معدل وراثيا بأن يستخدم كطعام، ولم يوافقوا أيضا على أي محصول معدل وراثيا بأن تتم زراعته في الصين للاستهلاك البشري، مع بعض الاستثناءات الطفيفة. لكنهم يسمحون باستيراد عدد من السلالات المعدلة وراثيا، لا سيما فول الصويا المستخدم في زيت الطبخ وإطعام الحيوانات.
وفي حين رحب العلماء بشكل عام بموافقة إدارة الغذاء والدواء على السلمون المعدل وراثيا، قد تكون هناك مقاومة من جهة المستهلكين للأسماك في الولايات المتحدة، حيث تعمل الجماعات البيئية على دفع تجار التجزئة لمقاطعة هذا المنتج. وفي الأسبوع الماضي دعت جماعة "أصدقاء الأرض" أنصارها "للاحتفال" لأن متاجر كوستكو "انضمت إلى أكثر من 60 من سلاسل البقالة في أنحاء الولايات المتحدة، بما في ذلك كروجر، وسيفوي، وتريدر جوز، وتارجت، وهول فودز، التي استمعت للعلم والمستهلكين وقدمت التزامات بعدم بيع هذا السمك المخيف مثل فرانكشتاين، غير اللازم والمحفوف بالمخاطر، وغير الموسوم".
عندما يتعلق الأمر بالطعام المعزز علميا، يقول تشو إن المستهلكين الصينيين أكثر تحفظا من نظرائهم الأمريكيين. لذلك بيع اللحم البقري المستنسخ قد يكون أمرا صعبا. "دائما من الصعب إقناع الناس بتجربة أشياء جديدة. ومن الصعب أيضا إقناعهم بالوثوق بالعلم".
ويستخدم تشو قياسا لتوضيح السبب في أن اللحم المستنسخ آمن في الأساس. "إذا كان لديك كوب من الماء وصببت نصفه في كوب آخر، فإن هذا قد يكون استنساخا. إذا أضفت قطرة من الحبر إلى كأس ماء، فإن هذا سيكون تعديلا وراثيا. العامل الحاسم هو ما إذا كان بالإمكان تغيير النوع".
هذا صحيح نظريا، لكن في الممارسة العملية هناك عقبات تواجه إنشاء نسخة مماثلة تماما، بحسب كيهكوي كي، من جامعة تسينجوا. "هناك مخاطر لأنها لن تكون نسخة طبق الأصل".
لكن تشو يرى أن الاستنساخ هو أفضل طريقة لإنتاج ما يكفي من العجول المختارة لتلبية الطلب المتزايد على اللحوم التي تستهلكها الصين بكميات أكبر مع ارتفاع مستويات الدخل.
يقول: "اللحم البقري المستنسخ هو ألذ لحم بقري أكلته في حياتي".

