الاثنين, 10 أغسطس 2026|25 صَفَر 1448
الاقتصادية

يمر الاقتصاد الصيني بأهم مراحل التحول التي ستشكل هيكلا جديدا للنمو والتنمية الاقتصادية يختلف عن العقود الماضية. فتراجع نمو الاقتصاد الصيني من أعلى معدلاته التي بلغت 11 في المائة في 2011 إلى أقل من 7 في المائة هذا العام، لم يكن بسبب ضعف قاعدته الإنتاجية، ولكن لأن الاقتصاد بلغ أعلى المعدلات في استغلال إمكاناته الإنتاجية. لذلك، فإن حاجة الصين للنمو بمعدلات كافية لتوفير الوظائف يتطلب التحول من النموذج الحالي المعتمد على الصادرات لزيادة الإنتاجية وزيادة التوظف، وتحقيق فوائض تجارية ومالية مستمرة في الحساب الجاري، إلى نموذج يحقق نموا يعتمد على إمكانات النمو الداخلية القابلة للاستدامة. وتحقيق ذلك يتطلب استراتيجية محورها الرئيس التحول إلى اقتصاد سوق حر أكثر ديناميكية للتعامل مع التحديات الاقتصادية المقبلة. وهذا التحول يرتكز على عناصر أساسية تتمثل في: التحول من الاعتماد على مصادر النمو الخارجي إلى الاعتماد بشكل أكثر على مصادر النمو الداخلي، سياسة سعر صرف تعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية، وتحرير أسواق رأس المال، وتأسيس شبكات أمن مالي اجتماعي، والتعامل مع التغير الديموغرافي والشيخوخة، وأخيرا تحديث عملية اتخاذ القرارات الاقتصادية والتواصل مع العامة بشأنها. وسأركز في هذا المقال على نقطتين مهمتين وهما التحول إلى مصادر النمو الداخلية، وتغيير سياسة سعر الصرف، بينما سأترك مناقشة القضايا الأخرى لمقالات أخرى قادمة إن شاء الله.

ففيما يتعلق بالاعتماد بشكل أكبر على المصادر الداخلية للنمو، فإن الصين تاريخيا اعتمدت على قطاع الصادرات الخارجي لتحقيق النمو القوي خلال السنوات الـ20 الأخيرة. فالاقتصاد الصيني نما منذ عام 1980 بشكل مستمر (ماعدا عامي 89 و90) بمعدل تجاوز نظيراته من الدول الداخلة في مستوى الدخل نفسه، حيث انتقلت الصين خلال تلك الفترة من مستوى الدول منخفضة الدخل، إلى المستوى المنخفض-المتوسط، ثم حاليا إلى المستوى المتوسط - المرتفع الدخل. هذا بالطبع يؤكد متانة الاقتصاد الصيني، ويؤكد توافر أساسيات النمو التي قد لا تتوافر لعدد كثير من الدول الأخرى. لكن هذا النمو كان مرتبطا بشكل كبير بالنمو في القاعدة الإنتاجية التي تستهدف التصدير، مستفيدة بشكل كبير من انخفاض الأجور الناتجة عن الوفرة في العمالة وعدم توافر قوانين كافية لحماية العمالة. وهذا يفسر إلى حد كبير النمو القوي خلال الفترة نفسها في الصادرات الصينية حيث نمت تلك الصادرات من مستوى 20 مليار دولار تقريبا في 1978 عند بداية مرحلة الانفتاح الاقتصادي، إلى ما يتجاوز ثلاثة تريليونات دولار أمريكي وبمعدل نمو بلغ في المتوسط 17 في المائة سنويا. لكن هل يمكن استمرار هذا النمو في الصادرات، وبالتالي استدامة النمو الاقتصادي اللازم لتوفير مزيد من الوظائف؟ ما يحدث الآن أن الوضع تغير، حيث لا يمكن للعالم أن يستوعب كل الصناعات التي تنتج في الصين التي تمثل حاليا ما نسبته 16 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتمثل صادراتها للعالم ما نسبته 12 في المائة من إجمالي الصادرات العالمية. لذلك، فإن هناك قناعة من الجميع، بما فيهم السلطات الصينية، بأن النموذج الاقتصادي القائم على الصادرات لا يمكنه الاستمرار في توليد النمو المطلوب في الصين على المستويين المتوسط والطويل كما كان في السابق. وأخذا في الاعتبار التحديات الاقتصادية التي تتطلب تحقيق نمو اقتصادي مستمر، فإن الصين تعي الآن أنها يجب أن تحدث تحولا اقتصاديا يستطيع التعامل مع هذه التحديات المستقبلية.

وفيما يتعلق بسياسة سعر الصرف، فهي تشكل عنصرا أساسيا من عناصر التحول الاقتصادي في الصين. حيث إن التحول إلى اقتصاد يعتمد أكثر على مصادر النمو الداخلية يتطلب أيضا سياسة سعر صرف تمكن من استيعاب الصدمات الاقتصادية التي قد تؤثر في متانة القطاع الخارجي وتحد من إمكانات النمو الاقتصادي. وخلال العقدين الماضيين اعتمدت الصين على ربط سعر عملتها بالدولار الأمريكي، وفي الوقت نفسه سعت إلى بناء احتياطيات دولية ضخمة، كما اعتمدت أيضا على تقييد تدفقات رأس المال الداخلة والخارجة للاقتصاد، لتعزيز الثقة في العملة الصينية وعزل الاقتصاد عن تأثير التقلبات في مشاعر ورغبات المستثمرين. لكن في السنوات الأخيرة، بدأت سياسة تخفيف القيود على سعر الصرف وعلى تدفقات رأس المال في سعيها للتمهيد لتحقيق التحول الاقتصادي المطلوب للاعتماد بشكل أكبر على المصادر الداخلية للنمو الاقتصادي. وأخيرا وبالتحديد في الـ 11 من أغسطس 2015 خفض البنك المركزي الصيني سعر صرف العملة الصينية ما أدى إلى تبعات على الأسواق المالية، واتهام كثيرين للصين بمحاولة تعزيز صادراتها من خلال تخفيض سعر صرف العملة. لكن التاريخ يدلل على أن الصين نفسها تعرف أن هذه ممارسة خاسرة، حيث لم تمارسها في عام 1997 عندما اشتدت رحا الأزمة الآسيوية، كما أن الصين تعتمد بشكل كبير في صادراتها على عملية تحويل المواد الخام المستوردة إلى منتجات نهائية، وبالتالي خسارتها من استخدام سعر صرف العملة لتحقيق مكاسب تجارية. أضف إلى ذلك، أن الصين لديها أصول والتزامات خارجية كبيرة، حيث إن ديون المؤسسات غير المالية وحدها تتجاوز التريليون دولار، ما يعني أن ارتفاع قيمة التزاماتها للعالم الخارجي نتيجة تدهور سعر صرف عملتها. لذلك، فإن تغيير سياسة سعر الصرف هي جزء من استراتيجية التحول إلى اقتصاد ذي نمو مستدام في الصين.

ختاما، فإن التحول في الاقتصاد الصيني سيكون له تبعات كبيرة، ليس على الاقتصاد الصيني فقط، ولكن أيضا على اقتصادات العالم المختلفة، بما فيها اقتصادات دول مجلس التعاون التي تصدر كثيرا من النفط للصين. لذلك، فإنه لا بد من أن تكون الصين في المستقبل القريب جزءا من كل استراتيجية اقتصادية ناجحة تتبناها أي دولة من دول الاقتصادات المتقدمة والناشئة بما فيها دول مجلس التعاون.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية