من الضروري أن تقدم ممارسات حوكمة الشركات الملائمة في المؤسسات المالية قيمة مضافة من خلال تعزيز حماية حقوق المودعين والمستثمرين، وتسهيل توفير التمويل والخدمات المالية، وتقليل تكلفة رأس المال، وتحسين أداء العمليات، وزيادة سلامة هذه المؤسسات في مواجهة الصدمات الخارجية. وبالتالي فثمة ضرورة لضمان وجود معايير قوية لحوكمة الشركات لتحقيق الاستقرار والسلامة لجميع المؤسسات المالية في جميع أنحاء العالم.
وتمثل الحوكمة الجيدة أولوية مهمة للتمويل الإسلامي، وهو أحد جوانب التمويل الدولي الذي حظي بنمو كبير على مدى العقد الماضي. ويبلغ حجم الأصول المالية التي تدار وفق مبادئ الشريعة الإسلامية نحو تريليوني دولار أمريكي، وقد حققت هذه الأصول نموا سنويا تراكميا بلغ في المتوسط نحو 16 في المائة منذ 2009.
والقطاع المصرفي هو القطاع التقليدي الرائد في نطاق التمويل الإسلامي، غير أن نصيب المنتجات والمؤسسات الأخرى داخل النطاق الشامل للأصول المالية الإسلامية في زيادة مطردة، فعلى سبيل المثال، شهد قطاع الصكوك ــ الذي يركز على عمليات التوريق (أوراق مالية مدعومة بأصول) ــ نموا هائلا على مدى السنوات الست الماضية، وبلغت قيمة عملياته في 2014 أكثر من 300 مليار دولار. وثمة قوة دفع مماثلة تدفع في الوقت الراهن عجلة نمو الصناديق الإسلامية وقطاعات التكافل (التأمين الإسلامي). ففي السنوات من 2009 إلى 2014، زادت قيمة الأصول التي تديرها صناديق إسلامية من نحو 40 مليار دولار إلى نحو 60 مليار دولار، وفي الوقت نفسه زادت قيمة إجمالي المساهمات الكلية في التأمين الإسلامي زيادة هائلة من 7 مليارات دولار إلى أكثر من 14 مليار دولار.
ومع نمو التمويل الإسلامي بوتيرة سريعة، أصبح التأكيد على وجود ممارسات قوية لحوكمة الشركات أمرا أكثر أهمية، وذلك حتى يتسنى للتمويل الإسلامي تعظيم مساهمته في التنمية الاقتصادية الشاملة. وأصبح إيجاد آليات ملائمة لحوكمة الشركات في غاية الأهمية في حالة الخدمات المصرفية الإسلامية التي شهدت نموا هائلا مقارنة بالمصارف التقليدية في تلك البلدان التي شهد القطاع المصرفي الإسلامي نموا فيها. ويعتمد التمويل الإسلامي والخدمات المصرفية الإسلامية على مبدأين أساسيين، وجوب مراعاة عنصر تقاسم المخاطر في جميع المعاملات، ووجود غطاء يمثل أصولا حقيقية لجميع المعاملات. ويتطلب المبدأ الأول تحمل الأطراف المشاركة في المعاملات مخاطر نسبية ترتبط بنشاط الأعمال أو الأصل الذي سيجري تمويله؛ ويتفادى المبدأ الثاني مخاطر تأسيس علاقة تستند إلى وجود مديونية، حيث تجرى مجرد عمليات مبادلة أموال بأموال. وعلى هذا النحو، يتم تشجيع التمويل المستند إلى وجود حقوق ملكية في الأسهم والحصص، ويصبح التمويل نشاطا لمساندة نشاط اقتصادي حقيقي (وليس مجرد نشاط اقتصادي مالي).
ولننظر بعين الاعتبار في مثال على أثر هذه الخصائص ألا وهو حالة المودعين في المصارف الإسلامية. يختلف المودع أو صاحب الحساب الاستثماري في المصرف الإسلامي عن نظيره في المصرف التقليدي وذلك لأن ودائعه ليست مضمونة بعائد ثابت يتم تحديده مسبقا. بل نجد أن المودع أو صاحب الحساب يتحمل مخاطر الخسائر المرتبطة بالاستثمارات الخاصة بهذا المصرف. وهذا بالطبع يجعل وجود حوكمة ملائمة في المصارف الإسلامية أمرا أكثر ضرورة. وعلاوة على ذلك، تتطلب المبادئ الأخلاقية التي تحيط بالتمويل الإسلامي قيام مقدمي الخدمات المالية الإسلامية بتطبيق نظام حوافز يستند إلى قواعد حتى يتسنى ضمان الالتزام بالقواعد، وحتى يعمل نظام الحوكمة الذي يتسم بالكفاءة على المحافظة على العدالة الاجتماعية والنظام الاجتماعي بين جميع أفراد المجتمع. (للمزيد من المناقشات التفصيلية حول ممارسات حوكمة الشركات والمؤسسات في المؤسسات المالية الإسلامية، يرجى الاطلاع على دراسة بعنوان، "حوكمة الشركات والمؤسسات في التمويل الإسلامي ــ مفاهيم وقضايا أساسية" أعدها حسين السراج، ونشرتها مؤسسة لامبيرت أكاديميك، 2014).
وبسبب هذه الشواغل والمخاوف، فإن المؤسسات الدولية مثل مجلس الخدمات المالية الإسلامية وهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية تركز على وضع مبادئ ومعايير لممارسات حوكمة الشركات والمؤسسات، ومتطلبات إعداد التقارير الخاصة بالمصارف الإسلامية والمؤسسات المالية الإسلامية. وتتوافق هذه المعايير مع المعايير الدولية التي حددتها مؤسسات مثل مجلس الاستقرار المالي، ولجنة بازل، والمنظمة الدولية لهيئات الأوراق المالية.
ومع إدراك الأهمية المتزايدة لممارسات حوكمة الشركات للمؤسسات المالية الإسلامية، فإن المجلس العام للمصارف والمؤسسات المالية الإسلامية – وهو المظلة العالمية للمؤسسات المالية الإسلامية، ومجموعة الممارسات العالمية المعنية بالتمويل والأسواق التابعة للمصرف الدولي قاما أخيرا بتنظيم مؤتمر دولي حول، حوكمة الشركات والمؤسسات لمؤسسات التمويل الإسلامي بعنوان، "دروس مستفادة من المستجدات والتطورات العالمية الأخيرة" في عمان بالأردن. وحضر هذا المؤتمر الذي عقد من 15 إلى 16 سبتمبر (أيلول) عديد من أصحاب المصلحة والأطراف المعنية المختلفة من القطاع الخاص ومؤسسات التنمية الدولية والأجهزة التنظيمية والرقابية الدولية والوطنية، وواضعي السياسات، والأوساط الأكاديمية لمناقشة قضية حوكمة الشركات في صناعة التمويل الإسلامي.
وأتاح هذا المؤتمر الذي عقد في عمان مساحة متميزة لتبادل الأفكار حول نطاق واسع من الموضوعات مثل فعالية ومساءلة مجالس الإدارة، وحوكمة المخاطر، وإطار إدارة المخاطر، والشفافية، ومتطلبات إعداد التقارير، والحوكمة في إطار أحكام الشريعة الإسلامية بالنسبة للمصارف الإسلامية وغيرها من المؤسسات المالية. كما أتاح مساحة لحفز النقاش حول دور الإطار التنظيمي والرقابي الفعال، والممارسات القوية لإدارة المخاطر بهدف تعزيز حوكمة المؤسسات المالية الإسلامية من منظور الحيطة والحذر على نطاق جزئي وكلي.
ومن الممكن أن يسهم النمو المستمر للتمويل الإسلامي إسهاما كبيرا في تمويل التنمية، وسيكون ذلك مهما بصورة خاصة نظرا لأن النظام المالي العالمي يسعى إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة التي تم اعتمادها أخيرا. وحتى يحقق الاقتصاد العالمي أكبر منافع ممكنة من التمويل الإسلامي، على واضعي السياسات وقادة القطاع الخاص ضمان اعتماد معايير قوية لحوكمة الشركات والمؤسسات، ومن ثم إطلاق الطاقات الكامنة والكاملة للتمويل الإسلامي وهو قناة مهمة من قنوات التمويل من أجل التنمية.
