انهيار أسعار النفط والحاجة إلى تنويع مصادر الدخل

|

رئيس المعهد الدولي للطاقة والبئية والتوقعات الاستراتيجية

[email protected]

 

في هذا المقال نستأنف سلسلة المقالات التي تحدثنا فيها عن الحاجة إلى مراجعة الأولويات الاقتصادية لتنويع مصادر الدخل على خلفية تراجع أسعار النفط الخام التي تكبد المملكة خسائر جمة، فإضافة إلى ميزة وثقل المملكة في مجال الطاقة والأماكن المقدسة، تضاف إليها ميزة ثالثة لا يستهان بها وهي الموقع الجغرافي للمملكة وتعظيم الاستفادة من تلك الميزة. فالمملكة تتمتع بكبر مساحتها وتنوع تضاريسها وموقعها المثالي الجغرافي كنقطة ارتكاز جغرافية للعالم ومحطة التقاء للقوافل التجارية بين الشرق والغرب بتوسطها آسيا وإفريقيا وأوروبا، أي أنها حلقة وصل رئيسية بين الشرق والغرب، التي تعد إقليماً جغرافياً حيوياً مهماً وجسر اتصال أرضيا وبحريا بين قارات العالم الرئيسية، فهي جزء من قارة آسيا، ولا يفصلها عن قارة إفريقيا سوى البحر الأحمر وعلى مقربة من أوروبا التي يفصلها عنها البحر المتوسط والأراضي المجاورة له، وهي في قلب الشرق الأوسط بين الخليج العربي والبحر الأحمر والبحر الأبيض والبحر العربي وعلى مساحة تبلغ نحو 2,250.000 كيلو متر مربع أي نحو ثلثي مساحة شبه الجزيرة العربية بين الخليج العربي الذي يعتبر أهم المناطق والبؤر الاستراتيجية على مستوى العالم ومحط أنظار العالم وقواه المتنافسة فيه من جهة الشرق، وعلى البحر الأحمر من جهة الغرب الذي يربط بين قارات العالم كلها بعد فتح قناة السويس وتميزها في قطاع النقل والخدمات اللوجيستية الذي يسهل الوصول والتنقل لأكثر من 250 مليون مستهلك في فترة زمنية لا تتجاوز ثلاث ساعات. إن هذا الموقع الجغرافي الاستراتيجي العظيم يعطي المملكة استراتيجية خاصة بالذات كمنطقة حيوية وعبور بين قارات العالم من جهة، وبين الخليج العربي والبحر الأحمر من جهة أخرى، وبواجهة طويلة على الخليج والبحر الأحمر، ما يؤهلها لأن تكون البوابة المثالية ليس فقط للسوق الإقليمية بل حتى العالمية لتمثيلها الجسر المهم والحيوي للتجارة ما بين الشرق والغرب وبين آسيا وإفريقيا وبين الخليج العربي والبحر الأحمر، وبالتالي أهم الجسور والمعابر بين التجارة الراغبة في الوصول إلى ما بين الخليج العربي والبحرين الأحمر والمتوسط، خصوصاً أنها محاطة بأشهر المضايق البحرية: باب المندب وهرموز والسويس، وبحدود برية وبحرية مع عديد من الدول المجاورة لها حيث يبلغ طول الحدود البرية 4531 كم2 بين كل من الأردن والعراق، والكويت، وقطر، والإمارات، وعمان، واليمن، وبحدود بحرية مع الكويت، والبحرين، وإيران، وقطر، والإمارات، والأردن، ومصر، والسودان، وإريتريا، واليمن، وباتساع جرفها القاري وجزرها المتناثرة قرب السواحل مثل جزيرة البغلة: وهي إحدى (جزر أرخبيل فرسان) أبعد الجزر السعودية في البحر الأحمر عن الساحل، إذ تبعد عنه نحو 58 ميلا بحريا، وجزيرة الوصل (الحميضة) في خليج العقبة في أقصى الجزر في البحر الأحمر شمالا وجزيرة رامين: (إحدى جزر فرسان) أقصى الجزر في البحر الأحمر جنوبا وجزيرة العربية: أبعد الجزر في الخليج العربي عن الساحل، إذ تبعد عنه نحو 50 ميلا بحريا، وجزيرة مشعاب: (المقطع) أقصى الجزر في الخليج العربي شمالا، وجزيرة الحويصات أقصى الجزر في الخليج العربي جنوبا، وما يشكل ذلك من استثمارات هائلة في قطاع الثروات السمكية وكذلك قطاع السياحة بتميز مناطق المملكة المختلفة. وبشكل عام فإن توافر المميزات النسبية لدولة ما ليس كل شيء، لأن ذلك في النهاية يخضع لمعطيات الإدارة السليمة التي تحسن الاستفادة من هذه الخصائص، فالعبرة هنا في القدرة على الاستفادة من هذه الميزات والعمل على تطويرها واستخدامها في المكان المناسب بما يعزز القوة الاقتصادية واستمرارها. فتعظيم الميزة النسبية للموقع الجغرافي مهم جداً كمصدر رئيسي للدخل ويرقى بدولة هامشية إلى دولة من كبريات الدول. وأفضل مثال على ذلك هو سنغافورة، تحت قيادة لي كوان يو، الذي بالمناسبة قد وافته المنية منذ أيام، والمهندس الرئيسي لتحويل البلد الصغير إلى أبرز مركز اقتصادي في آسيا في خلال ثلاثة عقود وارتقى بسنغافورة إلى مكانة متساوية بين دول عظمى مجاورة لها كاليابان والصين وكوريا وماليزيا وإندونيسيا، وبتركيزه على ميزة موقع سنغافورة الجغرافي عند رأس شبه جزيرة الملايو وإشرافها على مضيق ملقا الواقع بين الملايو وسومطرة وموقعها على خطوط الملاحة بين حوض البحر الأبيض المتوسط وغربي أوروبا من جهة وبين الشرق الأقصى من جهة أخرى، واعتمادها على ما يمكن أن تقدمه لنفسها وللعالم المتغير، واعتمادها على التجارة الدولية كمحور مهم لمنطقة جنوب شرقي آسيا، خدمات موانئ والمطارات والموانئ وشبكات الطرق وخدمات لوجستية متكئة على بنية تحتية متقدمة، وأصبحت بسبب التركيز على ميزة موقعها النسبي دولة من أنجح الدول حول العالم بعد أن كانت هامشية، وأصبحت من أهم الموانئ التجارية وتحتل الآن مكانة رئيسية بوصفها الميناء الأهم في آسيا المتبادل على نطاق عالمي، فهي الآن رابع أهم مركز مالي في العالم ومدينة عالمية تلعب دورا مهما في الاقتصاد العالمي، ويعد مرفأ سنغافورة خامس مرفأ في العالم من ناحية النشاط، واستطاعت الترويج للاستثمار في الصناعات المساندة كمنطقة عبور في صناعات بناء وصناعة السفن وهندسة المعادن والكيماويات والأدوات الكهربائية، وجذب شركات النفط الكبرى مثل شل وأيسو، وأنشأت المصافي النفطية ومصانع التكرير وأصبحت ثالث أكبر مركز لتكرير النفط في العالم بعد هيوستون ونوتردام، وثالث أكبر مركز لتجارة النفط بعد نيويورك ولندن، وأصبحت منتجا رئيسا للبتروكيماويات على مستوى العالم، وقفز معدل الدخل السنوي للفرد من مائة دولار قبل تركيزها على ميزتها النسبية إلى ما يقارب 50 ألف دولار حاليا. إن تفعيل موقع المملكة الاستراتيجي يكمن في تعظيم دالة الميزة النسبية الاقتصادية الثالثة للمملكة التي نوهنا عنها بعد النفط والسياحة الدينية، إضافة إلى تمويل مشاريع تعظيم حركة السياحة وتأهيل الجزر وتوجيه الاستثمارات في البنية التحتية التي من شأنها أن توثق روابطها بالاقتصاد العالمي في مشاريع عديدة مثل موانئ عالمية – شبكات نقل دولية برية وبحرية وجوية، وتحديث وتأهيل وإنشاء أكبر الموانئ في المنطقة ومحطة رئيسية إضافية على ساحل البحر الأحمر، وتجهيزاتها الحديثة للغاية، وإمكانية استقبال أضخم السفن العملاقة، وتوفير عديد من الفرص في مختلف المجالات، والترويج للاستثمار في الصناعات المساندة كمنطقة عبور في صناعات الشحن والاستيداع وإعادة الشحن وجميع الخدمات اللوجستية، وقد يضاف إليها بناء السفن، وإنشاء موانئ جافة لإصلاح وصيانة وتقديم الخدمات للقوارب وسفن الصيد والأدوات الكهربائية، وجذب شركات النفط الكبرى لإنشاء المصافي النفطية ومصانع التكرير لتصبح المملكة أكبر مركز لتكرير النفط في العالم وأكبر مركز لتجارة النفط تتجاوز به سنغافورة وتكون في مستوى نيويورك ولندن. هذا إضافة إلى أن كبر مساحة المملكة وبواجهات كبيرة على البحر الأحمر والخليج العربي وتنوع تضاريسها يجعلها قادرة أيضا على التركيز على تنويع مصادر الاقتصاد لكل منطقة ومحافظة، وذلك بوضع خطط استراتجية لكل منطقة، ومحاولة التركيز على ميزة كل منطقة نسبية مقارنة بالمناطق الأخرى. في الختام نذكر بأن المميزات النسبية للمملكة الكثيرة والعظيمة سواء كانت في مجال البترول أو السياحة الدينية أو الموقع الجغرافي، لا تتميز بها أي دولة في العالم كما تتميز بها المملكة، وتلك المميزات جديرة بأن يواكبها تحليل بوليتك -جيوجر- اقتصادي جاد لتعظيم تلك الميزات التي حبا الله بها هذا البلد المبارك، والعمل على الاستفادة القصوى منها، وذلك بتوظيفها التوظيف الأمثل في تعزيز قوة المملكة الاقتصادية، وتنويع مصادر الدخل لمواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية من جراء انخفاض أسعار البترول، فإيجاد بيئة اقتصادية بحثية قادرة على التعاطي مع هذه الميزات العظيمة والمتشعبة يكمن في مراكز بحثية متخصصة في السياحة والنقل والمواصلات والعبور والصناعة... إلخ، لتقديم الرؤية الواضحة لتلك الميزات، وتحديد برنامج تنفيذي وزمني محدد للانتهاء من تطويرها، وما يتفرع عنها، وتسخير هذه القوة لتحقيق المكاسب على المديين القريب والبعيد.
إنشرها